أخويا بعتني أقعد علي ترابيزه العيال في فرحه
أخويا بعتني أقعد على ترابيزة العيال في فرحه، وهمسلي وقال: "ما تبوّظيش المنظر"، بس كل حاجة اتغيرت لما رجل الأعمال الملياردير اللي كان بيحاول يبهره قعد جنبي… وساعتها الإهانة اتكسرت قدام الكل.
— ما تقفيش عند المدخل يا كاسي. في ناس مهمة داخلة.
ده كان كلام أخويا كريم يوم فرحه، بنفس الهدوء اللي حد بيطلب بيه إنك تزح حاجة من على الترابيزة. ما حتى حاولش يوطي صوته من الإحراج. قالها وهو بيظبط بدلته الغالية قدام المراية الكبيرة في قاعة فخمة وسط الجبال، كأن إحراجي ده مجرد تفصيلة صغيرة في تنظيم الفرح.
كنت عندي ٢٨ سنة، لابسة فستان أزرق فاتح هو بنفسه اللي أصر أشتريه، وماسكة هدية غالية جدًا… ماكينة قهوة إيطالي، دفعت فيها تقريبًا إيجار شهرين من شقتي.
الفرح كان شكله زي صور المجلات… نجف بينوّر زي النجوم، ورد أبيض متوزع بشكل مبهر، جرسونات بلبس شيك، وكمان عازف كمان بيعزف موسيقى هادية… والناس كلها داخلة بثقة كأن الدنيا ملكهم: رجال أعمال، مدراء،
كريم كان بيعشق الجو ده… طول عمره شايف الحياة سُلّم وبيطلع درجة
درجة.
كنت بس بحاول أمشي من غير ما أقع بالكعب العالي، لحد ما جه ناحيتي بنفس النظرة اللي عارفاها من زمان… النظرة اللي بيبصها لما يحس إن وجودي بيبوّظ صورته المثالية.
— إنتي بتعملي إيه هنا؟
— جاية فرحك، قلتها وأنا فاكرة بيهزر.
— هنا؟ في المكان ده؟ إنتي بتبوّظي شكل المدخل.
حسيت بحاجة سخنة بتطلع جوايا.
— شكل؟
تنهد بضيق:
— في مستثمرين ومدراء كبار وناس من شركة فانتج تيك داخلة… ما ينفعش يبقى في حاجة مش مظبوطة في الصور.
بصيت لنفسي… الفستان، شعري، كل تفصيلة كنت عاملاها بالظبط زي ما طلب.
— أنا أختك.
— وعشان كده حطيتك في مكان أنسب.
طلع ورقة توزيع الترابيزات ووراني مكان في آخر القاعة خالص… جنب باب المطبخ.
ترابيزة ١٩… وعليها رسمة بلالين.
ترابيزة الأطفال.
— كريم، دي ترابيزة عيال!
— خالتنا أمينة هناك، قالها ببساطة. وبعدين هي أصلًا مش سامعة كويس… هتبقي مرتاحة.
— مرتاحة
اتعصب:
— إنتي مش لايقة على الجو ده يا كاسي. هنا الناس بتتعرف على بعض، بتعمل شغل… إنتي مش في المستوى ده. اقعدي ورا وكلي واسكتي… وما
تحرجينيش.
حسيت الكلام واقف في زوري.
— أنا بشتغل.
ضحك بسخرية:
— المدونة بتاعتك دي مش شغل. وبعدين ما تقربيش من يوسف ثروت… سامعة؟ حتى ما تبصّيش له. الراجل ده مش في مستواكي.
وسابني ومشي.
واقف وسط الناس المهمة… بيضحك وبيسلم وكأنه واحد منهم.
ما كانش يعرف إن الراجل اللي حذرني منه… يوسف ثروت، المدير التنفيذي لشركة فانتج تيك… واحد من أهم العملاء عندي.
ولا يعرف إن الخطاب اللي خلى شركته تنتشر عالميًا الأسبوع اللي فات… اتكتب عندي على اللابتوب، وأنا باكل نودلز نص الليل.
بالنسبة له، أنا لسه "الأخت الغريبة".
اللي "بتكتب على النت".
اللي عمرها ما نجحت.
خدت نفس وروحت لترابيزة ١٩.
وكانت أسوأ مما توقعت…
كراسي أطفال… كوبايات بلاستيك… ألوان مرمية… طفل بيعيط… وعيال بتتخانق مين يكسب: الديناصور ولا العربية.
وخالتنا نايمة وفاتحة بقها.
كنت واقفة مكسوفة… لحد ما طفل قالّي:
— فستانك حلو.
ابتسمت غصب عني:
— شكرًا.
— أنا بحب الوحوش والعربيات.
— وأنا كمان.
الست اللي معاهم بصتلي بتعاطف:
— نفيّوكي هنا برضه؟
— واضح إني مش مناسبة.
ضحكت وقالت:
— هنا على الأقل محدش بيمثل.
وقعدت…
وزعت عصاير… فتحت كاتشب… ورسمت تنين لطفل اسمه كريم الصغير، وطلب مني أزود له جناحات ونار خضرا.
ومن مكاني، كنت شايفة كل حاجة…
ترابيزة "المهمين"… أخويا وسطهم… أمي بابتسامة مزيفة… أبويا فخور بابنه.
هم عمرهم ما فهموني.
كانوا شايفين كريم ناجح… وأنا مستخبية.
بس الحقيقة؟
كريم بيتكلم كتير… وأنا بفهم أكتر.
وعشان كده كتابتي مختلفة.
من وأنا عندي ٢٥ سنة… وأنا بشتغل مع ناس تقيلة: سياسيين، رجال أعمال، مؤسسات… كله بسرية تامة… وفلوسهم أكتر مما أهلي يتخيلوا.
بس عمري ما اتكلمت.
وهم عمرهم ما سألوا.
كنت بخلص رسم النار الخضرا… لما فجأة الجو اتغير.
الناس سكتت…
وكل العيون راحت ناحية
يوسف ثروت وصل.
أول ما دخل… القاعة كلها قامت له تقريبًا.