زعيم المافيا شافها وهي بتترفد
زعيم المافيا شافها وهي بتترفد عشان أنقذت بنته المصابة بالتوحّد وبعدها اتدخل ودمّر الكل
الطفلة الصغيرة كانت بتصرخ وهي مرمية على أرضية الرخام في أغلى بوتيك في القاهرة الجديدة وكل اللي في المكان كانوا يا أغنيا بزيادة، يا متصنعين، يا قلوبهم ميتة لدرجة إن محدش حاول يساعدها.
ماعدا كارما السيد.
هي الوحيدة اللي فهمت.
شافت الطفلة مكورة نفسها تحت الإضاءة القوية، حاطة إيديها على ودانها، ونفسها متقطع، وعيونها الزرقا مقفولة من الرعب.
وسمعت الصوت المكتوم اللي تحت الصريخ.
صوت خوف.
كارما عرفت فورًا إن دي مش طفلة مدلعة.
ولا نوبة غضب.
دي كانت بتتألم.
مديرة المحل، برلنت، خبطت بكعبها على الأرض وهي ماشية بعصبية وقالت
حد ينادي الأمن ويطلع البنت دي بره قبل ما الهانم تشوف المنظر ده!
كارما اتجمدت ثانية وبلوزة الحرير لسه في إيديها.
المحل كان من النوع اللي الست ممكن تدفع فيه نص مليون على شنطة وبرضه يحسسوها إنها داخلة بالغلط.
ريحة جلد وبرفانات غالية
وفلوس قديمة مالية المكان.
كارما شغالة هناك بقالها 8 شهور كفاية جدًا علشان تعرف إن برلنت يهمها بصمة على الإزاز أكتر من بني آدم بينهار قدامها.
الطفلة صرخت تاني المرة دي أقوى.
ست لابسة لؤلؤ رجعت لورا كأن البنت عندها مرض معدي.
برلنت قالت باشمئزاز
فين أهلها أصلًا؟ مين يسيب طفلة بالشكل ده تدخل محل محترم؟
طفلة بالشكل ده.
الجملة حرقت كارما من جواها.
اتحركت قبل ما تفكر.
ما تلمسوهاش.
برلنت لفت ببطء
نعم؟
كارما وقفت بينها وبين الطفلة، وقلبها بيدق بعنف.
هي محتاجة الشغلانة دي.
محتاجة كل جنيه فيها.
إيجار البيت متأخر.
مصاريف أختها في الجامعة بعد أسبوعين.
وفواتير علاج أمها لسه بتطاردهم كل شهر.
لكن الطفلة كانت بتترعش
كارما وطّت صوتها
ما تشديهاش. هي عندها ضغط حسي. النور عالي الصوت عالي والريحة خانقاها. محتاجة هدوء مش زعيق.
وش برلنت نشف
كارما، إنتِ
بياعة مش دكتورة. اتحركي.
لأ.
الكلمة خرجت قبل ما الخوف يلحق يمنعها.
المحل كله سكت ماعدا شهقات الطفلة.
كارما ركعت على الرخام، ناسبة الشراب بتاعها، وخلّت إيديها باينة قدام البنت.
هاي يا حبيبتي أنا كارما. مش هلمسك. الدنيا مزعجة أوي صح؟
البنت كانت بتهز نفسها وإيديها على ودانها.
كارما بصت حوالينها ولمحت الإضاءة البيضاء القوية فوق الفاترينة.
مدت إيدها وقفلتها.
برلنت صرخت
كارما! افتحي النور حالًا!
لكن كارما تجاهلتها.
سحبت شال كشمير فخم من على المانيكان، تمنه أكتر من مرتبها بشهور، وحطته بهدوء على كتف البنت.
لا ضيق ولا واسع.
بس تقيل شوية يطمنها.
كده أحسن إنتِ بأمان. ركزي مع صوتي بس.
وبدأت تهمهم بهدوء.
نفس اللحن اللي كانت بتعمله لابن خالتها لما الدنيا تبقى عالية عليه.
الصريخ بدأ يهدى.
النفس بقى أبطأ.
الهزة خفت.
كارما فضلت ثابتة.
من غير لمس.
من غير أوامر.
مجرد وجود.
بعد دقيقة، الطفلة فتحت عينيها.
ابتسمت كارما
أهو شاطرة. عملتي كويس أوي.
الطفلة بلعت ريقها
النور
طفيته.
الصوت
هديّناه.
إيديها نزلت ببطء من على ودانها.
اسمك إيه؟
همست
ميرا.
ابتسمت
كارما
اسمك جميل أوي يا ميرا.
لكن صوت برلنت قطع اللحظة زي السكينة
كارما السيد.
ميرا اتخضت ومسكت كم كارما بسرعة.
كارما وقفت ببطء، حاطة نفسها بينهم.
وش برلنت كان أحمر من الغضب
عصيتي أوامر مباشرة، ولمستي بضاعة غالية، وطفيتي الإضاءة، وحرجتينا قدام الزباين.
هي كانت محتاجة مساعدة.
كانت محتاجة تتشال من
دي طفلة.
دي إزعاج.
وشارت ناحية المخزن
لمي حاجتك. إنتِ مرفودة.
الكلمة نزلت على كارما كأنها باب بيتقفل على حياتها كلها.
مرفودة.
يعني مفيش إيجار.
يعني مفيش مصاريف جامعة.
يعني ديون أكتر.
يعني حياتها اللي ماسكاها بالعافية بتقع.
برلنت ضمت دراعاتها
وكمان تمن الشال هيتخصم من آخر مرتب.
كارما بصت لميرا
البنت كانت مرعوبة تاني.
حاسّة
إنها السبب.
فأخدت نفس طويل وقالت بهدوء
تمام. همشي بس بعد ما حد ييجي ياخدها.
برلنت صرخت
هتمشي دلوقتي وإلا هكلم الشرطة.
وفجأة
باب البوتيك اتفتح.
مش بصوت الجرس المعتاد
لا
بصمت تقيل.
تلات رجالة دخلوا.
اتنين ضخمين لابسين أسود، وعيونهم بتمسح المكان كله.
أما التالت
فأول ما دخل، الجو كله اتغير.
طويل.
عريض الكتفين.
لابس بدلة فحمية مفصلة عليه كأنها معمولاله مخصوص.
ما استعجلش.
ما رفعش صوته.
بس وجوده خلّى المكان كله يتوتر.
الستات بطلت تهمس.
الأمن رجع خطوة لورا.
وبرلنت نفسها اتلخبطت.
كارما عرفته فورًا.
عمر الروسي.
رجل الأعمال المشهور
والاسم اللي كل الناس بتهمس إنه ماسك نص الميناء وشوية رجالة يخلوا أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يعاديه.
عيونه الغامقة اتحركت بهدوء على المكان.
الزبائن.
برلنت.
كارما.
وبعدين
ميرا.
في لحظة، وشه اتغير.
بابا!
ميرا جريت عليه.
وعمر نزل فورًا على ركبة واحدة وخطفها في حضنه قبل ما تقع، ودفن وشه في شعرها وهو ماسكها كأن الدنيا كلها كانت هتضيع منه.
وهمس بصوت متكسر
ميرا يا قلب بابا حد زعلك؟
كانت الأنفاس محبوسة في البوتيك الفاخر، لدرجة أن صوت دقات الساعة الذهبية على الحائط صار كأنه طبول حرب. عمر الروسي كان لا يزال راكعاً على ركبة واحدة على الرخام البارد، يحتضن طفلته ميرا بقوة هزت كتفيه العريضين.
ميرا بصوت واهن وهي تشير بإصبعها الصغير نحو كارما بابا.. الدنيا كانت عالية أوي.. بس البنت دي طفت النور.. وحطت الشال ده عليا.. وحمتني.
عمر رفع رأسه ببطء. تلك العيون الغامقة التي لا تجرؤ عين على ملامستها، انتقلت من وجه ابنته لتستقر على كارما. نظر إلى مريلتها المكتوب عليها اسم المحل، إلى يديها التي كانت لا تزال ترتعش بخفة، وإلى الشال الكشمير الموضوع بعناية فوق كتفي طفلته.
وقف عمر بكامل طوله، وبحركة هادئة من يده، أشار لأحد رجاله الضخام.
شيل ميرا ووديها العربية.. شغل التكييف على الهادي، واقفل الراديو تماماً، قالها بصوت منخفض، لكنه حمل نبرة آمرة جعلت الحارس يتحرك في لمح البصر.
التفتت ميرا قبل أن تخرج، ونظرت لكارما شكراً يا كارما.
كارما ابتسمت
لها وسط رعبها العفو يا قلب كارما.. خلي بالك من نفسك.
بمجرد
أن أُغلق باب البوتيك خلف ميرا، تبدل الجو في المكان تماماً. هبط برود مرعب، كأن التكييف الإيطالي قد تحول فجأة إلى صقيع من القطب الشمالي. عمر الروسي أزر بدلته الفحمية، ونظر إلى برلنت المديرة التي كانت تقف وقد تجمدت الدماء في عروقها، وظهر التلعثم على شفتيها المطلية باللون الأحمر القاني.
برلنت بتلعثم وخوف عمر بيه.. أنا.. أنا بعتذر جداً لو حصل أي تقصير.. البنت دخلت فجأة وأنا مكنتش أعرف إنها بنت حضرتك.. كنا بس بنحاول نهدي المكان عشان..
عمر قاطعها بنبرة هادئة كالسم عشان إيه؟ كنتوا بتهدوا المكان بأنكم تنادوا الأمن يرمي طفلة في الشارع؟
زلزال في قلب القاهرة الجديدة
برلنت بدأت تهز رأسها بذعر، وتراجعت خطوة للخلف حتى اصطدم كعبها العالي