مراتي لبنها كان ناشف
مراتي لبنها كان ناشف وكنت بظلمها وأقولها: "أنتي مابتأكليش".. لحد ما روّحت البيت بدري واكتشفت أمي بتأكلها إيه من ورايا!
— "أنتي إيه من الستات؟! في أم في الدنيا مابتعرفش تأكل ابنها وتشبعه؟! كلي كويس واتغذي عشان ينزل له لبن!"
الكلمات دي خرجت من بقي وأنا واقف في نص الصالة، وابني الرضيع بيصرخ صريخ يهز الشقة كلها من الجوع، ومراتي "آية" قاعدة على طرف السرير منهارة ووشها أصفر وشفايفها ناشفة، بتحاول ترضعه وهو كل شوية يسيب صدرها ويعيط أكتر. وقتها كنت شايف نفسي راجل مضغوط وتعبان ومقهور من الشغل والديون والمسؤولية، ومكنتش شايف إني في الحقيقة كنت بجور على أضعف بني آدم في البيت كله. آية كانت لسه والدة من 15 يوم بس، لكن شكلها كان كأنها خارجة من حرب. البنت اللي كنت أتخانق مع الدنيا كلها عشان ضحكتها، بقت تمشي بالعافية،
حجر، وعينيها مليانة خوف وذنب غريب. كانت كل شوية تبصلي وتقول: "والله يا رامي بحاول.. والله باكل وبشرب وبعمل كل حاجة عشان اللبن ينزل"، وأنا بدل ما أصدقها كنت أزعق وأقول: "أمال ليه الواد بيصرخ؟!" لأن أمي "الحاجة شريفة" كانت طول الوقت تهمس في وداني إن آية مدلعة ومابتعرفش تبقى أم، وإن الست الصح لازم تستحمل وتسكت وتخدم جوزها وابنها حتى لو بتموت. أمي كانت عايشة معانا من قبل الولادة بأسبوع، وكانت واخدة البيت كله تحت سيطرتها، وأنا بحكم إني ابنها الوحيد اللي دايمًا بيثق فيها، مكنتش بتخيل أبدًا إنها ممكن تعمل حاجة تأذي مراتي. كل شهر كنت أديها فلوس البيت كاملة وزيادة وأقولها: "خلي آية تاكل أحسن أكل"، وكانت تبصلي بحنية مزيفة وتقول: "دي عايشة ملكة يا حبيبي". وكنت أصدق. كنت أرجع من الشغل ألاقي
وإنها بتدلع زيادة، وفي نفس الوقت أشوف آية ساكتة طول الوقت، مطفية، حتى الضحكة اختفت من وشها. ساعات كنت أدخل المطبخ بالليل ألاقيها بتشرب مية بس، ولما أسألها عن الأكل تقول: "أكلت". مكنتش أعرف إنها كانت بتكدب عشان ماتوقعنيش بين أمي وبينها. كنت غبي. غبي لدرجة إني لما ابني يعيط كنت أبص لمراتي بقرف كأنها السبب، ومفكرتش مرة إن جسمها المنهك ده ممكن يكون مش لاقي ياكل أصلًا. في ليلة من الليالي بعد صريخ متواصل من يوسف، فقدت أعصابي وزعقت فيها بعنف، وهي كانت قاعدة على السرير بترتعش وبتعيط من غير صوت، وقالتلي وقتها جملة هتفضل تطاردني طول عمري: "أنا جعانة يا رامي". لكني حتى وقتها مفهمتش. افتكرتها بتبالغ. تاني يوم نزلت شغلي، وفي نص اليوم حصل عطل كبير وكلنا روحنا
كريم حتى، وكنت فرحان إني أخيرًا هفرح مراتي. دخلت البيت لقيته هادي بطريقة تخوف، الباب موارب، ومفيش صوت. دخلت المطبخ بهدوء، وهناك شوفت المشهد اللي كسرني نصين. آية كانت قاعدة على الأرض ورا السفرة، قرفصانة، وبتاكل بسرعة مرعبة من طبق قديم وهي بتبص ناحية الباب بخوف كأنها سارقة. أول ما شافتني اتخضت وخبت الطبق. لما شديته من إيدها ريحة الأكل ضربت في وشي. رز بايت، بواقي شوربة متعفنة، عضم فراخ ممصوص، وحتة سمك ريحتها تقرف. بصيتلها مصدوم، وهي وقعت على ركبها تبكي وتقول: "أرجوك متقولش للحاجة شريفة.. أنا كنت جعانة". حسيت الدنيا بتلف بيا. سألتها وأنا مخنوق: "يعني إيه جعانة؟!" قالت وهي بترتعش: "حماتك كانت بتديني بواقي الأكل بعد ما تخلص أكل