قيل وفاتها بشهر واحد فقط اعترفت لي أمي
قبل وفاتها بشهر واحد فقط، اعترفت لي أمي أن لديّ ثلاثة إخوة أثرياء يعيشون في بغداد… لذلك حملت حقيبتي البلاستيكية المربعة، وصعدت إلى حافلة متجهة إلى العاصمة، وذهبت أبحث عنهم. لكن عندما وصلت إلى مركز الشرطة وأعطيتهم أسماءهم، نظر إليّ الضباط وكأنني فقدت عقلي… لأن أخي الأكبر كان واحدًا من أشهر رجال الاستثمار في العراق، والثاني ممثلًا معروفًا على مستوى الوطن العربي، والثالث أشهر ستريمر بالعراق.
أمي انتظرت حتى آخر شهر من حياتها لتخبرني بالحقيقة.
الحقيقة التي أخفتها أكثر من عشرين سنة.
— يا خريف… عندكِ ثلاثة إخوة أكبر منكِ.
كنت أجلس قرب سريرها، أقشر يوسفي، بينما المطر يضرب سقف بيتنا الصغير في أطراف الموصل. ظننت أن الحمى جعلتها تهذي. لكنها أمسكت يدي بقوة.
— أنا مو مشوشة… هم موجودين فعلًا.
ثم أخبرتني بكل شيء.
عندما كانت حاملًا بي، خانها أبي. وكانت عائلته من الأثرياء. أثرياء بطريقة ما تشبه حياتنا أبدًا. وعندما قرروا الانفصال، أجبرتها عائلته أن تترك أبناءها الثلاثة عندهم، لأنها لم تكن تملك عملًا ولا مالًا ولا أي طريقة تعيشهم بها.
— قدرت آخذكِ معي فقط لأنكِ بنت… هذيك العائلة طول عمرها كانت تهتم بالورثة الذكور فقط.
لم أرَ أمي تبكي بتلك الطريقة من قبل.
ولا حتى يوم أخبرها الطبيب بأنها مصابة بالسرطان.
— خريف… بعد ما أموت… دوري عليهم.
وكان ذلك آخر طلب مهم قالته لي في حياتها.
بعد الجنازة، جمعت كل ملابسي داخل حقيبة بلاستيكية كبيرة مخططة بالأحمر والأبيض والأزرق، وأخذت الورقة الصغيرة التي كتبت عليها أسماء إخوتي، وسافرت إلى بغداد.
لكن لحظة وصولي، اكتشفت شيئًا مرعبًا:
بغداد كانت أكبر من قدرتي على الفهم.
سيارات في كل مكان.
ضجيج لا يتوقف.
وجوه كثيرة.
وأحياء متشابكة تجعلني
أنا بالكاد كنت أعرف كيف أتحرك وحدي خارج مدينتنا الصغيرة.
لذلك فعلت الشيء الوحيد الذي خطر في بالي.
الشيء الذي كانوا يعلموننا إياه في المدرسة دائمًا:
“إذا ضعتِ أو احتجتِ مساعدة… ابحثي عن شرطي.”
دخلت إلى مركز شرطة قريب، وأنا أضم حقيبتي البلاستيكية إلى صدري، وقدمت شهادة ميلادي مع الورقة التي تحتوي على الأسماء.
الضابط كان هادئًا في البداية…
حتى قرأ الاسم الأول.
ثم رفع نظره نحوي ببطء.
قرأ الاسم الثاني.
ثم الثالث.
وتغيرت ملامح كل الموجودين في الغرفة بطريقة غريبة جدًا.
كأنني قلت لهم إني بنت شخصية يعرفها البلد كله.
— هذول فعلًا إخوانك؟ — سألني أحدهم.
— هذا اللي أمي قالتلي ياه.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم أمسك أحد الضباط الهاتف فورًا.
لم أكن أفهم ما الذي يحدث.
بعد قليل، اقتربت مني شرطية وسألتني بهدوء:
— أنتِ أصلًا تعرفين من هم؟
هززت رأسي بالنفي.
كادت تضحك من شدة الصدمة.
— أخوكِ الأكبر يدير واحدة من أكبر شركات الاستثمار ببغداد.
شعرت أن عقلي توقف.
— والثاني؟
— ممثل مشهور جدًا… أكيد شايفته بالإعلانات والمسلسلات.
— والثالث؟
— أشهر ستريمر بالعراق… عنده ملايين المتابعين.
في تلك اللحظة، كنت متأكدة أنهم أخطأوا بالشخص.
أنا جاية من مدينة ينقطع عنها الماء مرتين بالأسبوع.
كيف ممكن يكون هؤلاء عائلتي؟
لكن السجلات كلها كانت متطابقة.
في النهاية، أخبروني أنهم تواصلوا مع الأخ الأكبر، وأنه قادم ليأخذني بنفسه.
لذلك خرجت أنتظر أمام المركز، وأنا ممسكة بحقيبتي البلاستيكية الكبيرة.
كان يقف بجانبي شاب أصلع، ذراعاه مليئتان بالوشوم، وملامحه كلها تقول إنه يحب المشاكل.
بدأ يتحدث معي فجأة.
— أنتِ هم تنتظرين أهلك؟
هززت رأسي.
— أنا قبل شوي دخلت بعركة قوية… واحد
لم أعرف ماذا أقول، فاكتفيت بابتسامة صغيرة.
لكنه استمر بالكلام وكأننا نعرف بعض منذ سنوات.
— بس عادي… معلمي عنده فلوس. أكيد راح يرسل السيارة حتى تطلعني.
وفي تلك اللحظة تمامًا، توقفت سيارة رانج روفر سوداء أمام المركز.
ابتسم الشاب بفخر.
— شفتي؟ هذي سيارتي. سعرها يجيب شقق.
ثم نظر إلى حقيبتي البلاستيكية وضحك بخفة.
— وأنتِ؟ شجابو أهلك حتى ياخذوج؟
أجبته بصدق:
— ما أعرف… أنا أصلًا ما شفت إخوتي بحياتي.
نظر إليّ بطريقة مختلفة فجأة، وكأنه شعر بالشفقة عليّ.
— إذا تريدين… أوصلك بعدين. نشرب قهوة أو أي شي.
وهنا فقط فهمت أنه يغازلني.
كنت على وشك الرد، عندما ظهرت سيارة أخرى عند زاوية الشارع.
وفجأة، شهق الشاب من الصدمة.
— لااا… مستحيل! رولز رويس إصدار محدود!
حتى رجال الشرطة التفتوا نحو الشارع.
السيارة السوداء اللامعة تقدمت ببطء…
ثم توقفت أمامي تمامًا.
اتسعت عينا الشاب الموشوم بشكل جنوني.
— هاي سعرها خرافي…
فُتح باب الراكب.
ونزل رجل طويل جدًا، أنيق بشكل مبالغ فيه، ووسيم بطريقة غير طبيعية، وهو ينظر إلى صورة على هاتفه.
ثم رفع عينيه نحوي.
إلى الهودي القديم الذي أرتديه.
إلى حقيبتي البلاستيكية.
إلى حذائي المغطى بغبار السفر الطويل.
ساد الصمت لثانيتين.
ثم سأل بصوت جاد وحازم:
— أنتِ خريف السامرائي؟
وقبل أن أستطيع الرد حتى…
قفز الستريمر من المقعد الخلفي بسرعة، وهو ينزع نظارته السوداء، بينما نصف رجال الشرطة كانوا ينظرون نحوه وكأن شخصًا غير طبيعي نزل أمامهم للتو. أنا لم أكن أفهم أي شيء مما يحدث. بصراحة، كنت أظن أنهم أخطأوا بالشخص بالكامل. أما الشاب الموشوم الذي كان يقف بجانبي، فتوقف عن الكلام فورًا، وحتى وقف بطريقة أكثر احترامًا، وكأنه يحاول أن
الرجل الأنيق بقي يحدق بي مباشرة، بملامح جادة، كأنه يقارن وجهي بصورة قديمة محفوظة في ذاكرته.
— أنتِ خريف السامرائي؟ — كرر السؤال.
هززت رأسي ببطء.
اتسعت عينا الستريمر بشكل واضح.
— مستحيل… تشبه أمي فعلًا.
شعرت بشيء غريب ينقبض داخل صدري عندما قال كلمة “أمي”.
ليس “والدتكم”.
ليس “أمك”.
أمي.
اقترب الرجل الأنيق خطوة أخرى.
— أنا أدهم.
الأخ الأكبر.
رجل الاستثمار المعروف.
وبصراحة، أول فكرة خطرت ببالي وقتها أنه يبدو غالي الثمن أكثر من اللازم حتى يكون أخي.
بدلة داكنة مثالية.
ساعة فاخرة.
ووجه رجل ينام قليلًا ويعطي الأوامر كثيرًا.
لكن عينيه…
كانتا نفس عيني أمي تمامًا.
وهذا وحده أضعف دفاعاتي قليلًا.
أما الستريمر، فاقترب مني بسرعة بدون حتى أن يسألني.
فعلها بسرعة لدرجة أن حقيبتي البلاستيكية كادت
تسقط من يدي.
— أنا غيث — قال مبتسمًا — الثالث. أو مثل ما يقول الإنترنت… المفضل عند الناس.
رجال الشرطة ما زالوا يراقبون المشهد بصدمة كاملة.
أما الشاب الموشوم، فكان يبدو نادمًا جدًا لأنه حاول مغازلتي قبل دقائق.
وأنا بقيت متجمدة في مكاني.
لأنهم كانوا يبدون وكأنهم خرجوا للتو من مجلة فاخرة…
بينما أنا كنت أرتدي هودي قديمًا، وشعري مربوطًا بعشوائية، وحذائي مليئًا بغبار الطريق الطويل.
نظر أدهم إلى حقيبتي الكبيرة.
— هذا كل اللي جبتيه وياكِ؟
هززت رأسي.
وفي تلك اللحظة، تغير شيء في ملامحه.
لم يكن شفقة.
كان ألمًا.
كأنه فهم أخيرًا كيف كانت حياتي طوال تلك السنوات.
غيث أخذ الحقيبة مني فورًا.
— شنو حاطة هنا؟ صخور؟
— ملابس.
نظر إليّ باستغراب.
— بس شنطة وحدة؟
لم أجب.
بصراحة، بدأت أشعر بالخجل من مجرد وقوفي أمامهم.
ثم حدث شيء لم أتوقعه أبدًا.
أدهم خلع
لم يقل شيئًا.
لكن تلك الحركة الصغيرة ضربتني بقوة.
لأنها كانت تمامًا شيئًا كانت أمي ستفعله.
ركبنا الرولز رويس وسط صمت كامل.
الشاب الموشوم بقي يحدق بالسيارة وكأنه خرج من حادث نفسي، بينما رجال الشرطة فتحوا لنا الطريق.