أنا مطلعتش عيني وطافحه الدم طول الصيف عشان ( حكايات مني السيد )
أنا مطلعتش عيني وطافحة الدم طول الصيف عشان تيجي أمك في الآخر تلهف المحصول كله في شوالات على الجاهز!
... الكلمة دي خرجت مني فجأة، بعد ما خلاص، صبري نفد وجبت آخري.
الحكاية بدأت من حتة أرض صغيرة ببيت ريفي قديم ورثته نهى عن ستها الله يرحمها في أطراف الشرقية. كان بيت قديم بتراس مكركب وجنينة مهجورة بقالها سنين. ستها اتوفت من تلات سنين وسابتلها الحتة دي في الوصية، ومن ساعتها والموضوع مركون في دماغ نهى، موجود وخلاص، والدنيا واخدة الواحد بدوامتها ومشاغلها.
لحد ما جه ربيع السنة دي وكل حاجة اتغيرت. في شهر أبريل، نهى قالت لما أنزل أبص على البيت والأرض وأشوف الشتا عمل فيهم إيه. نزلت من العربية، لفت في الأرض، ومسكت الطين بإيديها. كانت طينة سمرا أصيلة، تقيلة ومريحة وشبعانة. الحواض كانت هايشة ومليانة حشائش، بس رسمة الأرض القديمة لسه واضحة. شجر الليمون والتين كان لسه شادد حيله، والنعناع والملوخية اللي كانت طالعة عشوائي سادة السكك لدرجة إنها مكنتش عارفة تعدي وسطهم.
وقفت نهى تبص على الأرض المهملة وقالت لنفسها لا، الحتة دي لازم تنضف وتترد فيها الروح من تاني.
نهى شغالة مصممة جرافيك في شركة إعلانات في المعادي، خمس أيام في الأسبوع وتمن ساعات قدام الشاشة، زنقة تسليمات وتعديلات عملاء مابتخلصش.
الأرض دي كانت طوق نجاة، حاجة تعوضها عن خنقة المكاتبتشغل إيديها، تشم ريحة الطين، وتبعد عن الشاشات وال Deadlines. ومكنتش متخيلة إن الموضوع هيسحبها بالشكل ده.
جوزها طارق شجعها في الأول، أو على الأقل، بالكلام حلو أوي، يلا بينا ننزل نروق عليها، وأنا معاكي في إجازة الجمعة خطوة بخطوة. بجد يا طارق؟ طبعاً يا بنتي! بطاطس وخيار وطماطم أورجانيك من أرضنا؟ ده مفيش أحسن من كده، أنا بموت في الحاجات دي.
نزلت نهى واشترت شتلات وبذور وشيكارتين سماد، وقعدت ترسم تقسيم الأحواض بالورقة والقلم. جه أول يوم جمعة في شهر مايو، ونهى نزلت لوحدها. طارق قالها يا ستي أنا مفركش وتعبان من شغل الأسبوع كله وعايز أريّح وأنام، هزت راسها وراحت من غيره.
الجمعة اللي بعدها مروحش برضه، طلعله مشوار ضروري مع واحد صاحبه. بعده كان الجو حر يقطع النفس، وبعده قالك الطريق مكسر، وبعدها الحجة المعتادة الجمعة الجاية بقى يا نهى هكون معاكي، تمام؟
وطبعاً، الجمعة الجاية دي مجتش أبداً.
نهى فضلت تروح لوحدها كل إجازة. الجمعة ده يوم مقدس، وأحياناً تاخد معاه نص السبت كمان. تصحى من الساعة سبعة الصبح، تملا الترمس قهوة، وتركب العربية؛ ساعة إلا ربع على الطريق الزراعي، وبعدين ربع ساعة في مدق تراب يكسر العضم. تشتغل لحد بعد الضهر، وأحياناً تكمل لحد العصر. تعزق، تسقي، تقلم الشجر، وتتربس وتكافح الآفات.
الأول، كانت ترجع بشوية خضار وورقيات جرجير وفجل ونعناع طازة، وبعدها خيار وطماطم بلدي مسكرة. طارق يستقبلها في الصالة، يبص على الكياس بفرحة ويقولها يا سيدي على الجمال! قطعي لنا شوية جنب الغدا ونزلي جبنة قريش.
ياكل ويمدح في حلاوة الخضار البلدي، بس عمره ما جاب سيرة الأرض ولا فكر يعرض إنه يروح يساعدها.
الحاجة عفاف، أم طارق، ست عندها حاجة وستين سنة كده بس ماشاء الله صحتها بمبي وليها كلمة ونظر في كل حاجة في الدنيا، كانت عارفة بموضوع الأرض. نهى فتحت معاها الموضوع أكتر من مرة في الدردشة، وإنها بتزرع الأرض وبتروق عليها. فكانت حماتها تهز راسها وتقول جدعة يا بنتي، الأرض عرض ومبتخونش اللي يخدمها، وتقفل الكلام عند هنا. عمرها ما فكرت حتى تقولها أساعدك، ولا فكرت تركب معاها العربية تونسها. روايات و اقتباسات
الصيف جه حامي والأرض ردت جميل كل نقطة عرق نهى نزلتها. الخيار طالع مقرمش ومسكر، والطماطم نزلت على تلات فترات بكميات مهولة، ومحصول البطاطس كان حكايةنهى قلعت يجي حداشر شوال بطاطس. غير البامية والبتنجان الرومي والكوسة والملوخية، خير كتير فاض عن البيت لدرجة إن إيديها كانت بتوجعها وتتشنج من كتر جمع المحصول كل جمعة.
على دخلة شهر أغسطس، نهى بدأت مرحلة التخزين والخزين لبيتها؛ تسبيك طماطم، تخليل خيار ولمون، تجفيف ملوخية، وتفريز بامية وصلصة شطة تملى البيت خير وبركة. كانت تسهر عليها بالليل وفي الإجازات، بعد ما خف نزولها للأرض شوية.
البرطمانات والأكياس كانت مرصوصة بنظام يفرح النفس في دواليب المطبخ والديب فريزر. نهى كانت بتبص لشغلها بده بفرحة متتوصفش، فرحة الشخص اللي شايف تعبه وعرقه متجسد قدامه حاجة ملموسة.
طارق يدخل المطبخ، يفتح الفريزر ويبص على الرصات ويقول عاش والله يا نهى، الحاجات دي هتكفينا وتبقى عمار للبيت طول الشتا. ده الترتيب يا طارق، الحمد لله. حلو أوي، الشتا ده هناكل بمزاج...
يوم جمعة بعدها بأسبوعين، نهى رجعت من مشوار بره العصر، لقت باب الشقة موارب وصوت دربكة وكركبة طالعة من المطبخ.
دخلت براحة، لقت الحاجة عفاف حماتها واقفة، ومعاها منى أخت طارق، وشايلين في إيديهم شناط سفر كبيرة وشكاير خيش من بتاعة الرز. وطارق واقف في النص، ماسك كرتونة وعمال يرص فيها من برطمانات المخلل والصلصة!
نهى وقفت متنحة مكانها من المفاجأة خير يا جماعة؟ في إيه؟
الحاجة عفاف لفت وبصت لها بابتسامة صفرا باردة أهلاً يا نهى يا حبيبتي، جيتي في وقتك! طارق ربنا يباركله كلمني وقالي إن عندكم خير بالهبل من الأرض، قلت بدل ما الحاجه تتركن وتبوظ في الفريزر وأنتوا نفرين بس ومابتطبخوش كتير، ننزل ناخد منابنا ومناب إخواته، ونوزع الباقي على حبايبنا في العيلة عشان يدعولك يا ستي!
نهى بصت على الفريزر لقيته على الحديدة، والرفوف اللي قعدت تسهر بالليالي ترص فيها برطمانات المربى والصلصة كانت شبه فاضية، وشكاير البطاطس متكومة على باب الشقة جنب أسانسير العمارة مستنية تنزل في عربية أخته!
نهى لفت لطارق وعينيها بتطق شرار، وطارق واقف باصص في الأرض وبيفرك في إيديه بكسوف مصطنع إيه يا نهى... ما براحة في إيه، مش الخير كتير برضه؟ دي أمي وإخواتي يعني، هو إحنا هندقق في شوية خضار؟
هنا بقى الدم ضرب في نفوخ نهى، والهدوء كله طار، وصرخت في وشه بالكلمة اللي قطعت عرق الصمت
أنا مطلعتش عيني وطافحة الدم طول الصيف، وإيدي شققت من الطين والشمس حرقت وشي، عشان تيجي أمك في الآخر تلهف المحصول كله في شوالات على الجاهز! نزّل الكرتونة دي من إيدك حالاً، والشنط دي متخرجش بره عتبة الباب!
السكوت اللي نزل على الصالة فجأة كان يقطّع بسكينة.
الكرتونة اللي في إيد طارق فضلت متعلقة في الهوا ثواني، وبعدين نزلت ببطء على رخامة المطبخ بصوت مكتوم.
الحاجة عفاف، اللي كانت ماسكة في إيدها كيس كبير مليان بامية متفرزة، عينيها وسعت ونظرتها الباردة اتقلبت في ثانية لملامح ست متعودة تآمر وتطاع، والكلمة منها متتكسرش. أما منى أخت طارق، فرجعت خطوة لورا وربعت إيديها على صدرها بنظرة لوم وتحدي، من عينيات شوفي مرات أخويا اللي مش وش نعمة.
أنا باخد على الجاهز يا نهى؟... الحاجة عفاف نطقت الجملة دي بنبرة واطية مسمومة، وهي بتبص لنهى من فوق لتحت، بقى شوية الخضار دول هما اللي هيطلعوا عينك عشانهم وتنسي الأصول؟ أنتي بتعايريني بشوية بطاطس وطماطم من زرع ربنا؟
يا ماما مش كده... طارق اتدخل وصوته مهزوز، وشه كان مخطوف وعمال يبص لنهى برجاء، كأنه بيستعطفها تبلع الإهانة وماتفضحهوش، نهى متقصدش يا ماما، هي بس جاية من بره هلكانة والشغل ضاغط عليها...
نهى قربت خطوة ووقفت قدامهم في الصالة، رمت شنطة إيدها ومفاتيح العربية على ترابيزة السفرة بصوت رزع، وعينيها رايحة جاية بين الشكاير اللي متستفة جنب الباب والتلاجة المفتوحة على البحري.
لأ يا طارق، أقصد، وأقصد كل حرف! نهى بصت لحماتها مباشرة من غير ما تطرف عينيها، المسألة مش مسألة خضار يا حاجة عفاف، المسألة مسألة تعب شهور محدش فيكم حس بيه. هو مين اللي كان بيصحى الفجر في عز الحر؟ مين اللي كان بيشيل الفاس وينضف الطين بإيديه؟ مين اللي ضهره كان هيتقطم في الشمس كل جمعة عشان الزرع ده يقوم؟ أنتي مجيتيش ولا خطيتي برجلك خطوة، ولا حتى اتصلتي بيا في التليفون تقوليلي كلمة طيبة يا بنتي عامية في إيه في أراضيكي!
ودلوقتي، جاية على البارد المستريح، تشيلي شقى تلات شهور من غير حتى ما تستأذني؟ ده بيتي ودي حاجتي، ولا أنتوا داخلين على وكالة بلدي؟
منى لوت بوزها وردت بنبرة مستفزة يا ساتر يا رب، سترك ورضاك! هو طارق ابن البطة السودة يا نهى؟ مش ده بيته برضه ولا أنتي ناسية؟ البيت ده خيره كله لطارق وأهله، وبعدين هو اللي اتصل بأمي وقالها تعالي عبي اللي أنتي عايزاه، أنتي هتفضحينا على شوية كراتين؟ إيه اللؤم ده!
الدم كان بيفور في نفوخ نهى، حست إنها لو سكتت ثانية كمان هتتخنق. لفت لمنى وقالتلها بصوت قاطع وحاسم طارق جوزي على عيني وراسي، بس البيت ده قايم بيا وبيه، والأرض دي أرض ستي وأنا اللي زرعتها بعرقي وفلوسي. طارق ممدش إيده في حفرة، ولا حط جنيه في شتلة، ولا حتى كلف نفسه يقوم معايا يوم جمعة واحد يونسني!
طارق ملوش إنه يوزع من تعبي ولا يفرّق من خيري كأنه فتوة المنطقة وبيمنّ عليا!
طارق وشه احمر من الكسوف، بس بدل ما يحس بغلطه، حس إن كرامته اتهانت قدام أمه وأخته. نفخ صدره ورفع صوته محاولاً يثبت إنه راجل البيت نهى! احترمي نفسك، أنتي زودتيها أوي! أمي ميتعلاش الصوت عليها في بيتي، والشنط دي هتخرج وهتنزل في عربية منى، وإلا هيكون ليا معاكي تصرف تاني خالص!
نهى بصتله، ومكنتش مصدقة إن ده نفس الراجل اللي كان بياكل من إيديها الجمعة اللي فاتت وبيقولها تسلم إيدك يا قمر. بصتله بنظرة خلاها يبص في الأرض غصب عنه. نظرة مفيهاش خوف، فيها قرف وخذلان.
وريني هتخرجها إزاي يا طارق، وريني.
نهى مشيت بمنتهى الثبات لحد باب الشقة، وقفت قدامه وسدت الممر، وربعت إيديها أي شنطة هتتحرك خطوة بره، هطلب البوليس وأعمل محضر سرقة. هقول إنكم داخلين تنهبوا حاجتي، وأنت عارف كويس إن الورق ورق الأرض باسمي، والفواتير بتاعة كل حاجة باسمي. متفتكروش إني عشان طيبة ومبحبش المشاكل يبقى تاكلوا حقي عيني عينك!
الحاجة عفاف شهقت وحطت إيدها على صدرها بوليس؟! هتدخلي البوليس بين الراجل وأمه يا فاجرة؟
بقى أنتي يا حتة عيلة تتبجحي فيا وتقولي هحبسكم عشان شوية بطاطس؟ شوفت يا طارق؟ شوفت بنت الأكابر اللي اخترتها وعملت
لها شنة ورنة؟ أهي بتهددنا بالكلابشات في قلب بيتك!
أمي، وطي صوتك عشان الجيران.
.. طارق كان هيموت من الرعب إن الفضيحة تطلع على السلم، الجيران في العمارة كلهم عارفين بعض، وهو دايماً بيحب يظهر بمظهر السيّد المتجوز في هدوء.
جيران إيه وزفت إيه! الحاجة عفاف رمت الكيس اللي في إيدها على الرخامة بعنف، الطماطم اللي كانت جواه اهرست شوية من الخبطة، أنا ماليش قعدة في البيت الملعون ده ثانية واحدة! قومي يا منى، سيبي لها قوطتها وبطاطسها تاكلهم بالسم الهاري، إحنا مش شحاتين عشان نقف نتشحت من واحدة قاطعة من شجرة زي دي!
منى بصت لنهى بحقد وهي بتسيب الشنط مكانها حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا بعيدة، قطعتي أرحامنا وطردتي أمنا... بكرة تشوفي ربنا هيعمل فيكي إيه على القرشنة دي.
نهى مردتش عليهم بكلمة تانية. كانت وافقة زي الصنم، قلبها بيدق بسرعة بس مفيش دمعة واحدة نزلت من عينيها.
الخذلان مبيجيبش دموع، بيجيب نشفان ريق وبرود يكسر الحجر.
الحاجة عفاف مشيت وهي بتتحسب وبتدعي بكل الأدعية اللي حافظاها، ومنى وراها بتنفخ، وطارق نزل يجري وراهم على السلم يحاول يبوس إيد أمه ويراضيها ويقولها حقك عليا يا أمي، متزعليش، هاجيلك لحد عندك وأصالحك.
صوت الباب وهو بيترزع وراهم كان هو النقطة اللي أنهت الزوبعة وبدأت العاصفة الحقيقية في الشقة.
نهى فضلت واقفة مكانها لدقيقة كاملة.
الهدوء رجع، بس كان هدوء تقيل يخنق. الصالة كانت مقلوبة؛ شناط خيش مرمية، كراتين مقطوعة، وأكياس ملوخية طالعة من التلاجة بدأت تلين وتنزل ميتها على السيراميك. نهى مشيت ببطء نحو المطبخ، شافت كيس الطماطم المفروم، والبرطمانات اللي متلخبطة.
قعدت على كرسي السفرة، حطت راسها بين إيديها، وافتكرت طارق أول الصيف وهو بيضحك ويقولها يلا شدي حيلك وأنا في ضهرك. افتكرت كل جمعة كانت بترجع فيها مهدودة، إيديها وجعاها من الشوك وحروق الشمس ملهلبة كتافها، وهو نايم تحت التكييف للمغرب، ولما تصحيه يقولها أنا أصلي مجهد يا نهى مقدرتش أصحى.
كانت بتعدي، وتقول مش مهم، هو برضه شقيان في شغله، وأنا بحب أعمل كده بمزاجي. بس اكتشفت إن العطاء لما بيزيد عن حده مع ناس معندهاش أصل، بيتحول لحق مكتسب، ولما تيجي تفرمل، بتطلع أنتي الشريرة الوحشة اللي قطعتي الخير.
بعد نص ساعة، صوت المفتاح لف في الباب.
نهى مرفعتش راسها.
طارق دخل، قفل الباب وراه براحة تامة، كأنه بيتسلل. وقف في الصالة، وبصلها، وعينيه كانت مليانة غضب مكتوم، غضب راجل اتهان في وسط أهله ومش عارف يلاقي لنفسه مخرج غير إنه يقلب الترابيزة عليها.
مرتاحة كده؟... طارق قالها بنبرة صوت باردة وواطية بس محملة بالشر، برافو عليكي يا نهى. سقطتي من نظري، ونزلتي في عيني لسابع أرض. أمي نازلة من هنا بتعيط وضغطها عالي بسببك، ومستحيل هتدخل البيت ده تاني طول ما أنتي فيه.
نهى رفعت راسها بهدوء غريب، وبصت في عينيه وأنت يا طارق؟ موقفك إيه من اللي حصل؟
موقفي إنك ست أنانية ومبتعرفيش الأصول! طارق قرب منها وشاور بصباعه في وشها، أنا ميهمنيش الزرع ولا الأرض ولا كل الهبل اللي أنتي فرحانة بيه ده! أنتي كسرتي كلمتي قدام أمي وأختي، وقللتي مني ومن رجولتي في بيتي، والمسألة دي مش هتعدي بالساهل. الشنط دي كلها أنتي هتنضفيها بايدك دي، وتاخدي منها وتيجي معايا بكرة لحد رجل أمي تبوسيها وتعتذري لها، وإلا.
..
نهى وقفت فجأة، وحطت وشها في وشه من غير ما تتراجع ملّي واحد، وقالتله وإلا إيه يا طارق؟ كمل جملتك... سامعاك.
الكلمة فضلت معلّقة في الهوا، كأنها سكينة حامية نزلت بين الاتنين.
طارق عينه زاغت لثواني. رجولته المصطنعة اللي اتنفخ بيها قدام أمه وأخته كانت بتبدأ تتفش قدام النظرة الثابتة اللي في عين نهى. هو متعود منها على الطيبة، متعود على نهى اللي بتبلع الكلمة البايخة عشان المركب تسير، نهى اللي لما كان يكسّل عن مشاوير الجمعة تبتسم وتقوله ولا يهمك يا حبيبي، ارتاح أنت. مكانش متخيل إن البنت الهادية دي ممكن تقف الوقفة دي، بالعين القوية دي، من غير حتى ما صوتها يترعش.
بلع ريقه بصعوبة، ونزل صباعه اللي كان بيشوح بيه، بس نبرته فضلت واطية ومليانة حقد مستخبي وإلا مش هتعرفي تعيشي معايا يوم واحد تاني في البيت ده. شوفي بقى هتختاري إيه يا تمشي عدل وتنزلي لأمي تعتذري وتطيبي خاطرها ونلم الفضيحة، يا كل واحد فينا يروح لحاله، وساعتها كلي بقى في بطاطسك وطماطمك لحد ما تشبعي!
نهى بصتله بنظرة طويلة، كانت بتدرسه كأنها بتشوفه لأول مرة في حياتها. تلات سنين جواز عدوا قدام عينيها في لحظة تنازلاتها الصغيرة، تراجعها الدايم عشان ميحصلش نكد، موافقتها على خروجات أهله اللي بتيجي على حساب صحتها ومصاريفها، استنزافه البطيء لفلوسها ومجهودها وهو بيقنعها إن إحنا واحد وجيبنا واحد.
وفجأة، لقت نفسها بتبتسم. ابتسامة وجع بس فيها خفة روح غريبة، كأن جبل كان كاتم على نفسها وانزاح.
تمام يا طارق، نهى قالتها بصوت هادي جداً، أهدى من الهوا اللي قبل العاصفة، أنت اخترت، وأنا سمعت.
لفت ضهرها ودخلت أوضة النوم من غير ولا كلمة زيادة.
طارق وقف في الصالة مكانه مذهول. كان متوقع عياط، متوقع تبريرات، متوقع إنها تستعطفه وتقوله متهدمش بيتنا عشان كيس ملوخية. البرود ده قلقه، بس الغرور عماه. قال لنفسه سيبها، هتقعد في الأوضة تلطم وتفكر، وبكرة الصبح هتيجي تبوس الأيادي عشان أصلحها. دخل الصالون ورزع الباب وراه وفتح التليفزيون على آخره عشان يثبت لنفسه ولها إنه مش فارق معاه.
جوه الأوضة، نهى مدمعتش دمعة واحدة.
كان عندها شغف غريب بالحركة، طاقة طلعت فجأة بدلت كل الإحباط لخطوات عملية محسوبة. سحبت شنطة سفر كبيرة من تحت السرير، فتحت الدولاب، وبدأت تلم هدومها الأساسية. بس الأهم من الهدوم، راحت للدرج السري بتاع الكومودينو طلعت عقد الأرض الريفية، الوصية بتاعة ستها المسجلة في الشهر العقاري، قسيمة الجواز، شهادة ميلادها، ودفتر الشيكات وحساب البنك اللي باسمها لوحدها. حطت كل ده في شنطة اللاب توب بتاعتها.
طلعت البلكونة براحة، فتحت التليفون وكلمت صاحبتها سارة، أقرب الناس ليها وزميلتها في الوكالة سارة، أنتي في شقتك في المعادي؟ آه يا نهى، لسه مخلصة شغل وراجعة، مال صوتك؟ في إيه؟ أنا جاية أبات عندك يومين، وهحكيلك كل حاجة لما أوصل. يا بنتي خضيتيني، بيتي مفتوحلك في أي ثانية، مستنياكي.
نهى قفلت التليفون. خرجت للصالة بخطوات ثابتة وجرت الشنطة وراها.
طارق طلع من الصالون على صوت عجل الشنطة وهو بيتحرك على السيراميك، وشه اتقلب أصفر لما شافها لابسة طرحتها والشنطة في إيدها إيه ده؟ رايحة فين بالشنطة دي؟ هو أنا سمحتلك تخرجي؟
نهى وقفت عند باب الشقة، لفت نص لفة وبصتله أنت قولت يا اعتذر وأبوس الرجلين يا كل واحد يروح لحاله. وأنا كرامتي متسمحليش أعتذر لحد على حقي، والبيت ده مش ملكك لوحدك عشان تساومني عليه، الإيجار دافعاه من مرتبي نص بالنص، بس أنا اللي بقرف أقعد في مكان فيه حد رخيص كده. الشقة دي هتفضل قاعد فيها النهاردة، وبكرة الصبح ليا معاك كلام تاني.
فتحت الباب ونزلت. طارق جري وراها لحد بسطة السلم وصوته طالع بالغيظ انزلي! افتكري إنك أنتي اللي مشيتي برجلك! وربنا ما أنتي راجعة هنا تاني إلا لما تجيلي زاحفة!
نهى مركبتش حتى الأسانسير؛ نزلت على السلم بخطوات واثقة وسريعة، كأن كل درجة بتنزلها بتبعدها عن هم كان هيموتها بالبطيء.
ركبت عربيتها، حطت الشنطة في الكنبة اللي ورا، ودورت الموتور. وهي بتدوس بنزين، حست بنفس طويل بيملى صدرها لأول مرة من سنين.
في شقة سارة، الحكاية اتفرشت على ترابيزة المطبخ مع كوبايتين شاي بلبن سخنين. نهى حكت كل حاجة؛ مش بس عن خناقة شوالات البطاطس والصلصة، حكت عن السنين اللي عدت وهي بتسند طارق في مصاريفه، عن قسط عربيته اللي كانت بتدفع نصه، عن الجمعيات اللي كانت بتقبضها عشان تجهز شقتهم وتجدد عفشها، عن أمه اللي كانت طول الوقت بتتعامل معاها على إنها أكيلة عيش ومستكترة عليها أي نجاح في شغلها.
سارة سمعت لحد ما خلصت، وخبطت بكفها على الترابيزة بغيظ يا نهى أنتي غلطانة من الأول! العطاء لما بيزيد مع ناس جعانة بيفتكروه فرض! بقى الحيزبونة دي بنتها متجوزة وقاعدة برنسيسة في بيتها، وجاية تنهب شقاكي أنتي؟ وعايزك تعتذري كمان؟ ده عين العقل إنك مشيتي، بس أوعي تسيبي حقك، طارق مفكرك ضعيفة عشان ملكيش إخوات ولاد يقفوله.
نهى شربت رشفة من الشاي وبصت لسارة بثبات مين قالك إني ضعيفة؟ أنا كنت ساكتة بمزاجي عشان كنت فاكرة إن البيت بيتبني بالصبر، بس لما لقيت الصبر هيتبني على كرامتي وهياكلوا لحمي وعظمي، لأ.
أنا مش هسيب مليم واحد، والأرض دي مش هيدوقوا منها
حبة طماطم واحدة تاني.
ناوية على إيه؟ ناوية أرد الصاع صاعين، بس بالقانون والأصول، مش بالردح في الشوارع.
السبت الصبح، الشمس كانت طالعة سخنة. نهى منمتش غير ساعتين بس كانت فايقة جداً. أول خطوة عملتها، كلمت أستاذ مجدي، محامي العيلة القديم اللي كان صاحب والدها الله يرحمه وماسك كل تركاتهم. قابلته في مكتبه في وسط البلد وشرحتله الموقف كامل، وحطت قدامه كل الورق.
أستاذ مجدي ظبط نضارته الطبية وبص في الورق بهدوء يا بنتي، من ناحية الأرض، محدش يقدر يمس طوبة منها؛ دي وصية شرعية مسجلة ومفيهاش غلطة، وملوش أي صفة قانونية فيها. ومن ناحية الشقة، عقد الإيجار باسم مين؟ باسمنا إحنا الاتنين، وإيصالات التحويل البنكي لنص الإيجار والمصاريف بتطلع من حسابي الشخصي لحساب صاحب العمارة بقالها سنتين. ممتاز. كده ملوش حجة يطردك ولا يقولك البيت بيتي. وبالنسبة للمنقولات وقايمة الجواز؟ القائمة معايا، وممضية منه ومكتوب فيها كل حاجة بالقرش. خلاص، سيبيلي الملف ده. إحنا هنمشي في خطين إنذار رسمي بالتمكين من الشقة، وفي نفس الوقت دعوة لإثبات حيازة، وقبل ده كله، خطوة استباقية عشان ميعرفش يلعب في أي حاجة تخصك.
خرجت نهى من عند المحامي، ومراحتش الشقة. ركبت عربيتها وخدت طريق الشرقية.
كانت الساعة داخلة على اتناشر الضهر. وصلت الأرض الريفية، الريحة كانت ريحة ندى متبخر وطين شمس. شافت الجنينة والأشجار اللي سهرت عليهم. حست بوجع خفيف، بس اتحول فورا لإصرار.
راحت ل عم محروس، الغفير العجوز الطيب اللي كان بيحرس الأراضي اللي جنبها وبيعطف على أرض ستها من زمان. نادت عليه يا عم محروس! طلع الراجل وهو بيمسح إيده في جلابيته أهلاً يا ست نهى! خطوة عزيزة، في حاجة في الزرع ولا إيه؟ لا يا عم محروس، تسلم إيدك. بس من النهاردة، البوابة دي تتقفل بالجنزير والقفل ده، طلعت قفل حديد جديد شرياه من الطريق، وممنوع أي بني آدم يخطو جوه الأرض دي غيري. لو طارق جوزي جه، أو أمه، أو أي حد من طرفهم، متفتحش البوابة، ولو حاولوا يدخلوا بالعافية، كلم النقطة فورا وكلمني. فاهم يا عم محروس؟ عم محروس بص في عينيها وفهم إن في حريقة والعة أمرك يا بنتي، رقبتي سدادة، ومفيش دبانة هتدخل غير بإذنك.
نهى قفلت البوابة الكبيرة بإيدها، وسمعت صوت طقة القفل الحديد وهو بيقفل على التعب اللي بنيته. خلاص، اللي بره بره.
على مدار اليومين اللي بعدهم، طارق بدأ يستوعب إن الموضوع وسع منه.
كان متخيل إنها راحت بيت خالتها أو أختها وهتتصل بعد 24 ساعة، بس التليفون مرنش. ولما حاول يتصل بيها يوم الأحد بالليل، لقى الرقم مقفول. كلم شركة الإعلانات بتاعتها، السكرتيرة قالتله ببرود أستاذة نهى واخدة إجازة عارضة ومش موجودة.
الحاجة عفاف كانت قاعدة عنده في الشقة، فارشة في الصالة مع منى بنتها، وعمالين يقلبوا في البيت ويدوروا على أي حاجة بقولك إيه يا طارق، البت دي شكلها لئيمة وراحت تعمل لك مصيبة!
سيبك منها، هي اللي خسرانة، بكرة ترجع تبوس الجزم. قوم إنت بس بكره انزل على الأرض وهات لنا باقي شوالات البطاطس اللي هناك عشان نلحق نبيع نصها ونفرز الباقي قبل ما تبوظ، دي خيرها يملى بيوت! منى أخته ردت أيوه يا واد يا طارق، وماتنساش تجيب قفصين طماطم كمان عشان الصلصة قربت تخلص عندي في البيت.
طارق حس بغصة في حلقه. هو مكنش عايز الموضوع يوصل للخراب، بس طمع أمه وضغطها خلوه ينساق وراهم زي الأعمى. قالهم حاضر، بكرة بعد الشغل هسافر الشرقية وأحمل العربية كلها وأرجع.
يوم التنين العصر، طارق وصل مدق التراب بتاع الأرض في الشرقية بعربيته، وكان مأجر عربية نص نقل وراه عشان يشيل المحصول كله على الجاهز زي ما كان متعود.
وقف قدام البوابة، لقى القفل الحديد الكبير والسلسلة التخينة.
نزل من العربية ورزع الباب عم محروووس! يا عم محروس افتح! طلع عم محروس من عشته، وقف ورا السور السلك وهو ساند على عصايته أيوة يا أستاذ طارق، خير؟ افتح يا راجل إنت الزفت ده، معايا عربية نقل عشان نشيل المحصول! عم محروس رد بهدوء يستفز الحجر معلش يا بيه، معايا أوامر مشددة من الست نهى صاحبة الملك، ممنوع حد يعتب هنا، لا أنت ولا غيرك. أنت اتجننت يا راجل أنت؟! ست نهى مين، أنا جوزها وليا حق في كل شبر هنا! افتح بدل ما أكسر الباب فوق دماغك! اكسر يا بيه، والنقطة مابينها ومابين هنا خمس دقايق، والشاويش إسماعيل مستني رنة مني، وأنت عارف الحكومة مبتهزرش في التعدي على الأملاك المسجلة.
طارق ضرب الدركسيون بإيده من الغيظ لما لقى سواق النقل بيبصله بنفاد صبر ها يا باشا؟ هنحمل ولا إيه؟ العداد شغال! استنى أنت هنا! طارق طلع تليفونه وجرب يتصل بنهى، بس كان محظور من كل حتة واتساب، تليفون، فيسبوك. مكنش قدامه غير إنه يرجع يجر أذيال الخيبة ويدفع لسواق النقل أجرته ع الفاضي.
يوم التلات، طارق رجع شقته في القاهرة مهدود ومفضوح. فتح الباب لقى المفاجأة الكبرى مستنياه.
نهى كانت واقفة في الصالة.
بس مكنتش لوحدها.
كان معاها أستاذ مجدي المحامي، ومعاهم راجلين شغالين في نقل العفش، ومعاهم أمين شرطة شايل محضر إثبات حالة رسمي!
أمه كانت واقفة في زاوية الصالة وشها مزرق وعمالة تصرخ حرامية! جايبة رجالة تنهب شقة ابني!
ومنّى بنتها كانت ماسكة التليفون وبتصور وهي بترتعش.
طارق دخل يجري في إيه هنا؟! أنتوا بتعملوا إيه في بيتي؟! أستاذ مجدي خطى لقدام بكل هيبة قانونية وطلع كارنيه المحاماة والمحضر الرسمي أهلاً يا أستاذ طارق. إحنا هنا بنفذ قرار إثبات حالة وبنمكن الست نهى من أخذ متعلقاتها الشخصية وأجهزتها اللي مثبتة في قائمة المنقولات بالفواتير باسمها. والشرطة هنا عشان تمنع أي شغب أو تعدي من الوالدة الكريمة أو الأخت.
طارق بص لنهى ودموعه كانت قريبة من القهر نهى... أنتي بتعملي فيا كده؟ جايبالي الشرطة والمحامين في بيتي؟ ده أنا جوزك!
نهى بصتله ببرود شديد، كانت بتشاور للعمال ينقلوا حاجتها اللاب توب، شاشتها الخاصة بالشغل، الكاميرا الاحترافية، كتبها، هدومها، وأجهزتها الكهربائية اللي اشترتها من حر مالها قبل الجواز جوزي اللي كان عايزني أجي أزحف وأبوس الأيادي عشان شوية بطاطس؟ جوزي اللي كان باعت عربية نقل يسرق أرضي امبارح؟ لا يا طارق، أنت نسيت إنك راجل من اللحظة اللي سمحت فيها لأمك تهينني في وشي وأنت واقف تضحك وتبرر لها.
الحاجة عفاف زعقت سيبها تغور يا طارق!
تاخد عفشها في ستين داهية، بكره أفرشلك أحسن منه وأجوزك ست ستها!
نهى وقفت وبصت للحاجة عفاف بابتسامة نصر خلت الست العجوزة تسكت فجأة فرشيله يا حاجة، بس ابقي ادفعي له بقى نص الإيجار اللي هدفع بيه بكره إشعار إخلاء باسمي من عند صاحب العمارة عشان مش هجدد العقد، وادفعي له قسط العربية بتاعه اللي كنت بشيله عنه كل شهر، وادفعي له القروض اللي كان بيسد بيها نمرة الوجاهة الاجتماعية بتاعته قدام أهلك! وريني بقى هيعيش إزاي من غير بنت الأكابر اللي مش وش نعمة!
طارق وشه شحب تماماً. الحقيقة المرة نزلت عليه زي الصاعقة. هو كان مسنود عليها في كل تفصيلة في حياته وهو مش دريان؛ من أول طبق الأكل اللي بيتحط قدامه بأورجانيك الأرض، لحد الالتزامات المالية اللي كانت بتشيلها من غير ما تحسسه بنقص.
العمال خلصوا تحميل الشنط والحاجة الأساسية الخاصة بنهى في خلال ساعة تحت عيون أمين الشرطة اللي كان كاتب كل مسمار في الدفتر.
نهى وقفت عند عتبة الباب، بصت للشقة اللي بنتها بإيديها لآخر مرة. مكنش فيها أي ذرة ندم، كان فيها راحة ضمير مفيش زيها. بصت لطارق اللي كان واقف ساند على الحيطة زي التايه ورقة طلاقي توصلني على مكتب أستاذ مجدي خلال أسبوع يا طارق. وإلا قايمة المنقولات هتتحرك في المحكمة، وأنت عارف كويس عقوبة تبديد العفش شكلها إيه. بطاطسي وطماطمي وخيري مش هتشوفوا منهم حبة رمل تاني، اشبع بقى ببر أمك اللي على قفايا.
نزلت نهى، وصوت كعب جزمتها على السلم كان زي دقات ساعة بتعلن نهاية مرحلة كاملة.
ركبت عربيتها مع سارة، وبصت وراها من المراية لشباك الشقة اللي كان طارق واقف وراه بيضرب كف بكف ومامته لسه صوتها طالع بالزعيق واللوم عليه هو المره دي أنت السبب، ودتنا في داهية وضيعت دهبها وفلوسها!
.
بعد شهرين كاملين...
كانت شمس نوفمبر دافية وحنينة في أطراف الشرقية.
الأرض كانت متغيرة تماماً. الحواض متقسمة بنظام هندسي بديع، والممر متفرش زلط أبيض، وباب الجنينة مدهون أخضر وعليه يافطة خشب صغيرة محفور عليها يدوي مزرعة نهى.
نهى كانت واقفة لابسة بنطلون جينز وكاب شمس وشيميز كاروهات، وماسكة مقص تقليم في إيدها، بتلم آخر محصول من الجوافة الشتوية والبرتقال. جنبها كان في عربية فان صغيرة مكتوب عليها ستيكر شيك لبراند خضار وفاكهة أورجانيك، وشابين من ولاد البلد في الشرقية بيساعدوها في التعبئة برعاية وبنظام.
نهى استقالت من شركة الإعلانات بعد ما قررت تحول الأرض لمشروع حقيقي؛ استغلت مهاراتها في التصميم والماركتنج، وعملت صفحة على السوشيال ميديا بتوصل خضار وفاكهة أورجانيك طازة للمنازل في التجمع والمعادي والشيخ زايد. الطلبات بدأت تنهال عليها لدرجة إنها شغلت معاها عم محروس وولاده واتنين فلاحين من القرية، والأرض اللي كانت مهملة ومركونة، بقت مصدر دخل بيكبر كل يوم وبيغطي وزيادة.
تليفونها رن، بصت في الشاشة، كان أستاذ مجدي ألو، إزيك يا أستاذة نهى؟ أهلاً يا أستاذ مجدي، بشرني؟ قسيمة الطلاق في جيبي رسمي النهاردة، وطارق مضى على كل التنازلات عشان نسحب قضية التبديد وقفلنا الصفحة دي للأبد. مبروك يا بنتي، حريتك رجعتلك كاملة. الله يبارك فيك يا أستاذ مجدي، تعبتك معايا.
قفلت نهى التليفون، وخدت نفس عميق وريحته تراب مبلول وشجر ليمون.
بصت للغيط الممتد قدامها، وحست إن كل تعب وكل عرق نزل منها في الصيف مكانش ضايع، ده كان التمن اللي دفعته عشان تعرف قيمتها الحقيقية، وعشان تفهم إن الأرض دي، زي الحياة بالظبط اللي يخدمها بعرق جبينه تطرح له سكر وخير، واللي يمد إيده عليها بالحرام والطمع، متديلوش غير الحصى والشوك.
النهاية