ماما بتقولي متقوليش لبابا
أبويا... ضهري بيوجعني أوي مش عارفة أنام. ماما قالت لي ماليش حق أقولك. كنت لسه راجع من مأمورية شغل لما همسة بنتي كشفت السر اللي أمها كانت عاوزة تداريه. بابا.. ماما عملت حاجة وحشة، وحذرتني إني لو قلتلك كل حاجة هتبقى أسوأ.. أبوس إيدك ساعدني، ضهري واجعني أوي. الكلمات دي ما طلعتش في صرخة، دي طلعت في وشوشة مكسورة مهزوزة بالعافية مسموعة من باب أوضة نوم مدهونة بألوان هادية في حي راقي في التجمع، نوعية الأحياء اللي كل حاجة فيها شكلها مثالي من بره. أحمد وقف مكانه في الطرقة وإيده لسه ماسكة الشنطة، قلبه اتقبض بطريقة عمره ما حسها قبل كده. بنته ليلى، اللي عندها تمانية سنين، كانت واقفة نص مستخبية ورا الباب، جسمها منكمش وعينيها مليانة خوف. قرب منها بهدوء وقال تعالي يا حبيبتي في حضني. لكنها ما تحركتش، بالعكس لما مد إيده لمست كتفها طلعت شهقة ألم وبعدت بسرعة وهي بتقول أرجوك ما تلمسنيش.. ضهري بيوجعني. سحب إيده فورًا وهو حاسس إن صدره بيتكسر، وقال بصوت مكسور طيب قولي لي إيه اللي حصل. بعد تردد طويل قالت العصير وقع مني.. ماما اتعصبت وزقتني في الدولاب.. ضهري خبط في المقبض بتاع الباب وما عرفتش آخد نفسي. الدم غلى في عروق أحمد لكنه حاول يسيطر على
نفسه، وقال طب تعالي نقعد شوية. قعدها على السرير بحذر شديد ورفع القميص من على ضهرها بحذر أول ما شاف العلامة حس إن الدنيا اسودت قدامه. كدمة كبيرة مزرقة على ضهر طفلة صغيرة. إيده اترعشت وهو بيبص لها. حاول
دي كانت زي السكين في قلبه. أحمد حس إن في حاجة أكبر من اللي سمعه. ركع قدام بنته وقال بهدوء دي أول مرة؟ ليلى سكتت وبعدين هزت راسها بالنفي وبعدها همست لا. أحمد بص لمراته ببطء وكأن ملامحها بقت غريبة عليه. قال يعني إيه لا؟ ليلى بلعت ريقها وقالت في مرة قبل كده لما كسرت الكوباية. ندى صرخت بس كفاية كذب! لكن ليلى ارتعشت ورا أبوها أكتر. أحمد رفع إيده وقال بصرامة اسكتي. دي كانت أول مرة يرفع صوته بالشكل ده.
لكنه رد الموضوع كبر لما بنتي بقت تخاف من أمها. أخد ليلى وخرج بيها من البيت. في العربية كانت ماسكة إيده بقوة كأنها خايفة يختفي. الدكتور كشف عليها وقال إن الكدمة قوية لكن الحمد لله ما فيش كسر. أحمد طول الوقت كان قاعد جنبها ساكت لكن جواه عاصفة. لما رجعوا البيت كانت ندى قاعدة في الصالة وعيونها حمرا من العياط. بصت لهم وقالت بصوت مكسور أنا غلطت. أحمد سكت شوية وبعدين قال الغلط لما يتكرر يبقى خطر. ندى بصت لليلى وقالت وهي بتعيط أنا آسفة يا حبيبتي. ليلى ما ردتش فضلت مستخبية في حضن أبوها. اللحظة دي كانت أقسى لحظة على ندى لأنها فهمت إن الخوف اللي زرعته في بنتها أكبر من كلمة اعتذار. الأيام اللي بعدها كانت
بس شغل وفلوس ومأموريات الأبوة أحيانًا معناها إنك تسمع همسة صغيرة وتنقذ قلب صغير قبل ما ينكسر للأبد.
مرت شهور بعد اللي حصل، والبيت اللي كان شكله مثالي من برّه بقى مليان صمت تقيل. أحمد حاول يرجّع الإحساس بالأمان لليلى بأي طريقة. بقى يروح شغله ويرجع بدري، يساعدها في واجباتها، يحكي لها حواديت قبل النوم زي ما كانت تطلب منه وهي أصغر. في الأول كانت ليلى لسه بتخاف كل ما حد يرفع صوته كانت كتافها تنكمش، وكل ما الكوباية تقع من إيدها كانت تبص حوالين نفسها بسرعة وكأنها مستنية حد يزعق. أحمد كان بيلاحظ ده كله، وكل مرة قلبه يتوجع أكتر.
ندى من ناحيتها بدأت تروح جلسات علاج نفسي، بناءً على إصرار أحمد. في البداية كانت بتروح وهي مقتنعة إن كل ده مبالغة، وإن المشكلة اتضخمت. لكن مع الوقت بدأت تسمع حاجات عن نفسها ما كانتش عايزة تسمعها قبل كده. بدأت تفهم إن الغضب اللي جواها كان أكبر من مجرد عصبية لحظة. كان تعب سنين، إحساس بالوحدة،