حفل الزواج ممنوع حضور من هم اقل من 18 عام بقلم مني السيد
أنا اسمي كريمة، ولمدة تمانية وتلاتين سنة كنت أنا عمود البيت في عيلة الشناوي. لو بتفهم يعني إيه البنت الكبيرة في عيلة مصرية متوسطة، هتعرف إن اللقب ده مش مجرد صلة قرابة؛ دي وظيفة.
أنا كنت المسؤولة عن أجندة المواعيد، ومنظمة المناديل والورد في المآتم، واللي عارفة بالظبط مين من خالاتي عندها حساسية من الجلوتين، وأني عم من أعمامي ماينفعش يقعد جنب مين بعد تالت كوباية شاي عشان الخناقات متبدأش.
إخواتي، تسنيم وريهام، كانوا واخدين المساحات اللي أنا سايباها فاضية لهم. تسنيم، البنت الوسطانية، كانت بطلة محترفة؛ مابتسجلش دخول في أوضة، دي بتعمل مشهد دخول. أي نجاح ليها كان لازم يبقى مانشيت رئيسي، وأي مشكلة تافهة كانت بتقلبها تراجيديا يونانية وبعدين فيه ريهام الصغيرة، اللي عايشة في حالة طفولة متأخرة دايمة، وأبويا وأمي بيتعاملوا مع دلعها ده وكأنه خفة دم فطرية.
أنا كنت العاقلة.. وفي لغة العيلة، عاقلة دي كود معناه مختفية لحد ما نحتاج لها. أنا اللي كنت بسهر أغسل المواعين وتلال الأطباق، وإخواتي قاعدين في البلكونة بيشربوا قهوة وبيفتكروا طفولة أنا قضيت معظمها وأنا أُم بديلة ليهم. كنت فاكرة إن ده تمن الحب، وإني لما
كل ده اتغير لما تبنيت مريم. كان عندي تلاتين سنة، وهي عندها تلاتة. جت
لي ومعاها شنطتين صغيرين ونظرة عين تقيلة، كأنها شايلة على كتافها خيبات أمل جبل. مريم ماكانتش طفلة دوشة، لا بتصوت ولا بتطلب اهتمام. كانت بتمارس الحذر كأنه فن. بتراقب.. بتستنى.. وبتمسح كل أوضة بتدخلها بعنيها بتدور على مخرج.
أول مرة قالت لي ماما كنا في العربية، كان يوم تلات عادي. ماكانش إعلان تاريخي، كان سؤال تايه ومكسوف ماما.. ممكن نجيب تفاح؟. الكلمة دي ماعدتش كدة وخلاص، دي ثبتتني في الأرض. وفي اللحظة دي، أخدت عهد على نفسي البنت دي مش هتكون زيادة في حياتي أبداً. هبني لها عالم ماتكونش فيه مجرد مقبولة، لا.. تكون فيه أساسية.
للأسف، نسيت إن عيلتي شايفة دايرتنا دي نادي مغلق. بالنسبة لهم، مريم كانت إضافة لطيفة، عمل خيري، أو بنت كريمة. كانوا بيستخدموا الألقاب دي كأنها أسوار. التجاهل ماكانش بيجي خبطة واحدة، كان تآكل بطيء وموجع. في الطريقة اللي أمي بترص بيها صور أحفادها اللي من دمها على البوفيه، وصورة مريم محطوطة على تربيزة جانبية.. باينة، بس مش في المركز. في الطريقة اللي تسنيم كانت تتكلم بيها عن العيلة قدام مريم،
كنت بشوف مريم وهي بتحاول تردم الفجوة دي ببراءة طفلة مصدقة إنها لو بقت شاطرة كفاية، العالم هيبطل يتهز من تحتها. لما كان
عندها تمانية سنين، قضت تلات أسابيع بترسم لوحة دقيقة للعيلة كلها عشان عيد ميلاد أمي. رسمت نظارة بابا المعوجة، وتكشيرة ريهام المشهورة. أمي فتحتها وقالت يا حبيبتي، .. شوفي يا كريمة البنت خيالها واسع إزاي، وحطتها مقلوبة على الرخامة. وبعد عشر دقائق، كارت مطبوع اشتراه ولاد ريهام كله شخبطة مالهاش معنى اتعلق على الثلاجة وسط زغاريد ويا روحي على الحلاوة. شفت وش مريم.. ماعيطتش. لمت لوحتها في سكات، طبقتها مربعات صغيرة، وحطتها في جيبها.
كنت بقول لنفسي إني حساسة زيادة، وإن الدم بيحن ومحتاجين وقت بس. بس الوقت ماليّنش قلوبهم؛ ده جمد جحودهم.
لما تسنيم أعلنت خطوبتها، الفرح كان لازم يبقى أسطوري. شهور وهي مهووسة بالكروت والخط العربي. مريم، اللي بقى عندها 17 سنة، كانت فرحانة لها بجد. ساعدتني نختار الهدية المثالية، وسجلت عندها صور فساتين شيك ومحتشمة للفرح.
بعدين وصل الظرف.
كان تقيل، لونه كريمي، ومكتوب عليه اسمي أنا
جوه، تحت كارت الدعوة، كان فيه ورقة صغيرة. الكلام مطبوع بخط رقيق زي الدانتيل، بس الرسالة كانت زي المقصلة
للحفاظ على هدوء ورقيّ الحفل، الحضور مقتصر على البالغين فوق 18 سنة فقط. لا توجد استثناءات. نشكركم على تفهمكم لجعلها سهرة للكبار فقط.
فضلت باصة للورقة. مريم كان فاضل لها أربع شهور وتتم ال 18. كانت
طالبة متفوقة، فنانة هادية، وكبيرة أكتر من تسنيم نفسها. دي ماكانتش قاعدة ضد الأطفال اللي بيعيطوا في الأفراح؛ دي كانت ضربة جراحية هدفها يفكروني إن مريم مالهاش مكان في الدايرة المقدسة لعيلة الشناوي.
مريم دخلت وأنا ماسكة الكارت. شافت وشي. سألت أنا مش معزومة، صح؟. قلت لها دي قاعدة للسن. مريم بصت في الأرض هي قاعدة للكل، ولا قاعدة متفصلة عشاني؟.
في اللحظة دي، كريمة العاقلة ماتت. فهمت إني عشان أحافظ على السلام مع إخواتي، كنت بحارب ثقة بنتي في نفسها. مكلمتش تسنيم أتحايل عليها، ولا طلبت استثناء. طلب الاستثناء معناه اعتراف إن بنتي حِمل محتاج إذن خاص. بدل ده، دخلت على موقع الفرح وعملت لن أحضر.
الرد كان لحظي. شات العيلة، اللي دايماً بيدور حول أزمات ريهام أو نصايح بابا في الزرع،