أمي قالت مفيش حفله عيد ميلاد

لمحة نيوز

أمي قالت: "مفيش حفلة عيد ميلاد، إحنا محتاجين الفلوس عشان مصاريف أختك." وعلى العشا، تليفوني رن: "يا ريسة، طيارتك الخاصة جاهزة." الشوكة وقعت من إيد بابا.
​عشا عيد ميلادي التسعة وعشرين كان مفروض يبقى هادي، مجرد ليلة عائلية في بيت أهلي في طنطا. بس بدل كدة، أمي رمت القنبلة قبل حتى ما ألمس الأكل.
​قالت لي: "مفيش حفلة عيد ميلاد.. إحنا محتاجين الفلوس لمصاريف سفر أختك."
​الكلمتين نزلوا على التربيزة أتقل من طقم السرفيس نفسه.
​أختي الصغيرة، "سلمى"، بطلت أكل. وأبويا، "الحاج فرج"، فضل باصص لطبقه. أنا كنت قاعدة بالبلوزة اللي اشتريتها مابين الاجتماعات، ولابسة الساعة اللي مجلس الإدارة هاداني بيها بعد ما شركتنا خلصت أكبر صفقة في السنة. مفيش حد على التربيزة دي كان عارف أنا وصلت لإيه بجد. بالنسبة لهم، أنا شغالة في "استشارات شركات". المصطلح العايم ده كان أسهل بكتير من إني أشرح لهم إزاي سيبت طنطا وأنا عندي 23 سنة وحولت مكتب تأجير طيارات صغير لواحد من أكبر شركات الطيران الخاص في المنطقة.
​أمي، "ست

ليلى"

، كملت كلامها وكأنها بتشرح حالة الطقس: "سلمى شافت سنة صعبة ومضغوطة، وتستاهل سفرية حلوة قبل ما تبدأ في تجهيزات الفرح. إنتي الكبيرة يا (إيمان)، وأكيد فاهمة يعني إيه تضحية."
​ضحكت ضحكة قصيرة كدة: "لغيتي عيد ميلادي عشان سلمى عايزة تصيف؟"
​ردت: "ماتلغاش ولا حاجة، ما إحنا بنتعشى أهو."
​"يعني العشا ده بدل الهدية؟"
​سلمى اتكلمت أخيراً: "يا ماما، أنا مطلبتش كدة."
​بس هي معترضتش برضه.
​في اللحظة دي، موبايلي هز على التربيزة. الكل بص للشاشة. في العادي كنت بقلبه على ظهره لما أكون مع أهلي، بس المرة دي اسم السكرتيرة بتاعتي، "نيرمين"، كان منور الشاشة.
​كان المفروض أطنش، بس يمكن عشان كنت متنرفزة، أو عشان زهقت من إني بصغر نفسي في البيت ده، رديت.
​نيرمين مضيعتش ثانية: "يا ريسة، طيارتك الخاصة جاهزة. الإقلاع من مطار القاهرة كمان 40 دقيقة. المستثمرين بتوع دبي قدموا ميعاد الاجتماع. كابتن "حازم" بيسأل لو لسه محتاجة طيارة الـ (جلف ستريم) تجهز لرحلة العودة بكرة الصبح."
​الأوضة فجأة بقى فيها سكون الموت.

​الشوكة وقعت من إيد بابا وخبطت في الطبق وعملت رنة معدن حادة.
​سلمى بصت لي وكأنها متعرفنيش. أمي بربشت بعينها مرتين وقالت: "بتقولي إيه اللي جاهزة؟"
​قفلت السكة وحطيت الموبايل: "طيارة الشركة.. أنا هاخدها وأسافر دبي."
​محدش نطق حرف.
​بعدها أمي ميلت لقدام، وعينيها لمعت فجأة بطريقة مشوفتهاش قبل كدة لما كنت بحكي عن شغلي، وسألت السؤال الوحيد اللي كان فارق معاها:
​"إنتي معاكي فلوس قد إيه يا إيمان؟"
​أمي سألتني: "معاكي كام يا إيمان؟"
​السؤال ده كان زي السكينة اللي قطعت صمت الأوضة. مكنش سؤال فيه فخر أو إعجاب، لأ، كان فيه طمع، لمعة عيون كانت مستنية اللحظة دي من سنين.
​أنا مكنتش حاسة بالخوف، كنت حاسة بالاشمئزاز. كنت عايزة أصرخ وأقول "معايا ملايين"، "معايا شركة"، "معايا طيارة خاصة"، بس قررت إن ده مش الوقت المناسب.
​جاوبتها بهدوء، وأنا عيوني في عيونها: "معايا اللي يكفيني يا أمي، واللي يخليني أعيش مستورة."
​أمي محستش بالرضا من الإجابة، حاولت تضغط عليا تاني: "يا بنتي، قولي بس، إحنا أهلك، وإنتي
الكبيرة،

ومسؤولة عننا، ومسؤولة عن سلمى."
​سلمى حاولت تتكلم، بس أمي سكتتها بنظرة.
​في اللحظة دي، بابا اتكلم، صوته كان هادي بس قوي: "ليلى، بس. إيمان معملتش حاجة غلط، وهي مش مسؤولة عن سلمى، ولا مسؤولة عننا."
​الكل بص لبابا باستغراب، أول مرة يقف في صف إيمان.
​أمي سكتت، بس عيونها كانت بتقول كلام كتير. سلمى كانت بتبص للأرض، مكنتش قادرة تبص في وش إيمان.
​أنا خلصت العشا بسرعة، وخرجت من البيت. كنت حاسة بضيق في صدري، بس كنت حاسة كمان بالراحة. كنت حاسة إني كبرت، وإني خلاص مابقتش إيمان الصغيرة اللي كانت بتسمع كلام أمها من غير اعتراض.
​ركبت عربيتي، ومشيت. كنت رايحة المطار، دبي كانت مستنياني، ومستقبلي كان بين إيديا.
​أنا كنت عارفة إن اللي حصل النهاردة هيغير كل حاجة في علاقتي بعيلتي، بس كنت عارفة كمان إن ده هو التغيير اللي كنت محتاجاه.
​أنا كنت جاهزة للخطوة اللي جاية، وجاهزة إني أثبت لنفسي، ولعيلتي، وللعالم كله، إني إيمان، مش بس الكبيرة، بس إيمان القوية، إيمان اللي حققت أحلامها، وإيمان اللي محدش
هيقدر
يوقفها.
​..... النهاية

تم نسخ الرابط