بعد 3 ايام من فرحي بقلم مني السيد
بعد تلات أيام بس من فرحي، لقيت أبويا وأمي داخلين عليّ ومعاهم ورق عشان ياخدوا شقتي ويدوها لأخويا.. بس وقت ما وقعت، محدش فيهم كان يتخيل هو هيخسر إيه!
وقعي بقى وخلصينا.. كفاية أذية في أخوكي!
دي كانت أول جملة سمعتها من لسان أبويا بعد تلات أيام من دخلتي. كانت أمي وقتها بتحط صينية عليها شوية منين وقراقيش جايباها من الفرن وهي داخلة، وحطتها على السفرة ببرود وكأنهم جايين يشربوا شاي العصاري في يوم عادي
أخويا محمود كان واقف ساند ضهره على الباب، ومرسومة على وشه ابتسامة حد واثق إنه خلاص بقى يملك حاجة لسه مش بتاعته. أنا وجوزي طارق كنا لسه حتى مالحقناش نفتح كراتين الهدايا ولا نفرح بشقتنا.
عرفت إن في مصيبة جاية من أول ما أبويا دخل من غير ما يستنى عزومة. فضل يلف في الصالة بتاعة شقتي اللي في التجمع وكأنه بيعاين ملكية خاصة له. أمي قعدت وشبكت صوابعها وبصت لي بنظرة الحنان المزيفة اللي بتستعملها دايماً لما تعوزني أوافق على حاجة من غير شوشرة. طارق كان واقف ورايا، ساكت، ومراقب الموقف بتركيز، وحط إيده على كتفي يحسسني إنه معايا.. هو عمره ما كان بتاع مشاكل، بس عمره ما سابني لوحدي.
أبويا
ده تنازل عن
الشقة.. وقعي عليه.
قريت الورق مرتين عشان أستوعب. شقتي.. باسمي.. ومحمود هو المتنازل له. شقتي اللي شقيت فيها أكتر من عشر سنين، عاوزين ياخدوها منه بكل بساطة ويدوها له!
سألت بصدمة وأنا أديهاله ليه يا بابا؟
أبويا نفخ بضيق وقال عشان هو محتاجها أكتر منك.. هو لسه بيبدأ حياته.
محمود بدأ يتكلم عن مشروع جديد وفرصة عمر، وإنه محتاج مكان يستقر فيه عشان يركز. أمي طبطبت على إيدي وقالت متوفرة على روايات و اقتباسات
إنتي طول عمرك القوية يا مريم.. والظهر اللي بنسند عليه.
القوية.. الكلمة دي بسمعها من وأنا عندي 11 سنة، وفي عيلتنا الكلمة دي مكنتش مدح، كانت حكم بالأشغال الشاقة. معناها إنتي اللي تستحملي، إنتي اللي تتنازلي، إنتي اللي تعدي. محمود يطلب والكل يجري ينفذ له، وأنا لما كنت أحتاج، يقولوا لي ده اللي بيبني الشخصية. بقلم مني السيد
أنا اشتريت الشقة دي وأنا عندي 32 سنة، بعد سنين من النبطشيات والسهر في المستشفى كتمريض، وشغل في أيام الأعياد، وجمعيات، وتحويش مليم على مليم. أوضتين وصالة وبلكونة فيها جهنمية كانت لسه بتفتح،
أهلي ما ساعدونيش بمليم، وقتها كانوا بيصرفوا على كورسات محمود اللي كان بيسيبها في نصها
عشان يفتح محل بلايستيشن قفل بعد شهرين، وبعدها عربة أكل، وبعدها فكرة تانية فاشلة.. وإحنا اللي كنا بنلم وراه دايماً.
بصيت للورق، وحسيت إن 38 سنة من عمري متلخصة في ورقة واحدة.
بصيت لأبويا وقلت له لو وقعت.. خلاص كدة هترضو عني؟
رد من غير تردد أيوه.
مسكت القلم.. ووقعت بالراحة، وبإيد ثابتة. أمي ابتسمت بارتياح، ومحمود بدأ يبص للحيطان وكأنه بيختار لون الدهان الجديد.
ماكنوش يعرفوا إن أنا وطارق كنا مستنيين اللحظة دي بقالنا شهور..
وماكنوش يتخيلوا أبداً إيه اللي هيحصل أول ما يخرجوا من باب الشقة!
بقلم مني السيد
الجزء الثاني اختفاء في صمت
أول ما عربية أهلي لفّت من أول الشارع، طارق قفل الباب بالمفتاح، وصب لنفسه كوباية مية وبص لي من المطبخ وسألني بهدوء متوفرة على روايات و اقتباسات
جاهزة؟
سألته باستغراب لإيه؟
رد بكلمة واحدة عشان نختفي.
ماكنش فيه صويت، ولا دموع، ولا كركبة.
الحقيقة إن طارق كان بقاله سنتين شايف أهلي بعين المراقب اللي بره اللعبة. أنا خدت سنين عشان أفهم، لكن هو فهمهم من أول كام شهر. وفي ليلة، وإحنا بنتعشى، سألني سؤال فضل
محفور
في عقلي
هتعملي إيه يا مريم يوم ما يطلبوا منك حاجة مابقتيش قادرة تديها؟
ماعرفتش أرد.. عشان كدة هو قرر يضمن إني يوم ما أوصل للحظة دي، ما أكونش لوحدي ولا مكسورة. بقلم مني السيد
قبل الفرح بسنة، طارق دخل معايا شريك قانوني في الشقة، ووثقنا ده في الشهر العقاري رسمي.. من غير إعلانات ولا وجع دماغ. مش عشان كنا بنخطط للانتقام، بس عشان كنا عارفين إن عيلتي عاجلاً أو آجلاً هييجوا يطالبوني بضريبة إني البنت المسؤولة.
على الساعة تسعة بالليل، الشقة بقى ليها صدى صوت مرعب. لمست الحيطان، وبصيت للبلكونة والورد اللي فيها، وافتكرت قد إيه تعبت عشان أبني البيت ده.. وهما في نص ساعة، وبكل بساطة، كانوا عاوزين يهدّوا كل ده وهما بياكلوا قراقيش
قبل ما نمشي، سبنا ظرف أبيض