عروسه ابنها كانت لسه غرقانه في النوم بقلم انجي الخطيب
بت، الدكتور قال إيه؟ الحركة بحساب، والراحة دي عشان خاطر النونو اللي هيشرف.
محمود كان بيشوف أمه وهي بتمسح وتكنس وتطبخ وتطلع تنزل على السلم ورجليها بتوجعها، ومع ذلك مابتشتكيش، كان بيحاول يشيل عنها، بس هي كانت بترفض وتقوله سيبني يا محمود، ده كفارة عن اليوم اللي مسكت فيه العصاية، أنا بدعي ربنا يسامحني في كل خطوة بخطيها عشان خاطر سما وابنك.
في الشهر الخامس، سما بدأت تحس بحركة النونو، ندهت على روحية بفرحة تعالي يا ماما، تعالي حسيه بيخبط!، روحية حطت إيدها على بطن سما وهي بتعيط من الفرحة، وفي اللحظة دي الباب خبط خبطات قوية ومرعوبة، محمود فتح الباب ولقى حماه والد سما داخل ومعاه شنطة كبيرة ووشه مخطوف، وقال بصوت عالي الحقوا يا جماعة.. المصيبة جت من حتة مكنتش على البال!.
كلهم اتجمعوا في الصالة، وأبو سما طلع ورقة من الشنطة وقال لمحمود وروحية البيت اللي إحنا فيه ده، والأرض اللي حوليه، طلع عليها نزاع قضائي قديم من حكومة المحافظة، وفيه قرار إزالة وتنفيذ فوري للشارع كله عشان كوبري جديد، ومعانا 48 ساعة بس ونخلي المكان!.
روحية اتصدمت نخلي فين يا راجل؟ وسما؟ سما ممنوعة من الحركة، الدكتور قال لو نزلت السلم في خطر على حياتها وعلى العيل!. محمود قبض إيده بغل مش هنمشي، مش هخرج مراتي من هنا وهي في الحالة دي، بس أبو سما رد بيأس القرار نهائي يا ابني، والبلدوزر هيجي بعد بكرة.
سما كانت سامعة كل حاجة من جوه، وبدأت تترعش، روحية دخلت لها بسرعة وحضنتها متخافيش يا بنتي، طول ما فيا نفس مش هسمح
لقرار ولا لبلدوزر يهز شعرة منك، لو
وفعلاً، بدأت رحلة سباق مع الزمن، روحية بدأت تلم البيت في شناط وهي بتعيط على ذكرياتها في البيت، بس عينيها كانت على أوضة سما، وفي يوم التنفيذ، الناس كلها كانت في الشارع والبلدوزرات بدأت تقرب، ومحمود واقف مش عارف يعمل إيه، والست روحية وقفت في البلكونة وصرخت في الناس يا عالم! يا هووه! فيه روح هنا بتموت، ارحمونا!.
وفجأة، وسط الزحمة دي، سما صرخت صرخة هزت البيت كله آآآآه.. إلحقيني يا ماما روحية.. أنا شكلي بولد!. الدنيا اتقلبت، إزاي تولد وهي لسه في أول السادس؟ والبيت هيتهد فوقيهم، والناس تحت بتزق والشرطة بتحاول تخلي الشارع.
روحية مكنش قدامها غير حل واحد، بصت لمحمود وقالتله بصوت زي الرعد اقفل الباب ده بالترباس، مش هنخرج، ولو هيهدوا البيت يهدوه علينا، أنا اللي هولدها هنا!.
البيت كله كان بيتهز من خبط العمال وصوت المكن اللي بره، والست روحية قفلت الترباس وبقت عاملة زي السبع، ملامحها اتغيرت وبقت قوية لدرجة إن محمود خاف منها. زعقت فيه روح يا محمود هات كل الملايات النضيفة وميّة سخنة بسرعة، واقفل الشيش بتاع الأوضة ده مش عايزة الهوا يلمسها!.
سما كانت بتتقلب من الوجع وبتصرخ، وجسمها كله بيترعش من الخوف والألم، كانت بتبص لروحية وكأنها طوق النجاة الأخير. روحية قعدت جنبها على السرير، مسحت عرقها بكف إيدها وقالتلها بحنان مخلط بحزم جمدي قلبك يا بت، أنا معاكي، والي خلق النفس دي مش هيضيعها، استشهدي واضغطي على إيدي.
بره محمود كان بيحاول يمنع العمال والمهندس
اللي واقف، وصوته
جوه الأوضة، كانت روحية بتعمل معجزة، بتفتكر كل اللي شافته زمان وهي بتولد، وبتدعي بقلب محروق. سما كانت بتفقد الوعي وترجع، وروحية تشجعها كمان يا سما، هانت يا بنتي، النونو عايز يشوف الدنيا، كمان خبطة واحدة!. وفجأة، وسط ضربات المطارق بره، طلع صوت رفيع أوي.. صرخة بيبي لسه مكملش أيامه، صرخة شقت السكون اللي حل فجأة في الشارع.
روحية بكت وهي شايلة الحتة الصغيرة دي بين إيديها، لفتها في حتة قماش قطن وبستها، وبصت لسما اللي كانت نايمة شبه ميتة بس بتبتسم جبتي راجل يا سما، جبتي حتة سكرة. في اللحظة دي، خبط الباب هدي، ودخل محمود والدكاترة اللي عرفوا يوصلوا أخيراً.
الدكتور جرى على سما والبيبي، وبعد ما فحصهم بص لروحية بنظرة إعجاب وقال إنتي بطلة يا أمي، لولاكي كان زماننا بنواجه كارثة، البيبي محتاج حضانة فوراً بس حالتهم مستقرة.
لما نزلوا سما والبيبي في النقالة، الشارع كله وقف يسقف، والبلدوزرات تراجعت لورا وكأنها بتحترم اللحظة دي. روحية وقفت في البلكونة لآخر مرة، بصت للحيطان اللي شافت شقاها وفرحتها، ومسحت دموعها وقالت لمحمود خلاص يا ابني، البيت مش حيطان، البيت هو القلوب اللي بتخاف على بعضها.. يلا بينا، المهم إننا سوا.
خرجت روحية وهي
ساندة
بعد سنتين من اليوم اللي غير حياتهم، كان البيت الجديد في المنطقة الهادية ملى الدنيا ضحك ولعب. روحية كانت قاعدة في الصالة، وسما قاعدة جنبها بتشربوا الشاي، وهما بيتفرجوا على ياسين الصغير وهو بيجري في كل حتة ويحاول يشد مفرش التربيزة.
روحية ضحكت وقالت يا واد اهدى شوية، طالع شقي لمين بس؟، سما بصت لحماتها بحب وردت طالع لستُّه روحية، مش هي اللي عودته إن كلمته هي اللي تمشي في البيت؟. روحية طبطبت على إيد سما وقالتلها يغور البيت وتغور الدنيا، المهم إنك قمتيلي بالسلامة يا بنتي، إنتي عارفة إنك بقيتي أغلى عندي من محمود نفسه؟.
محمود دخل عليهم وهو شايل أكياس الفاكهة وسمع الجملة، ضحك وقال ماشي يا ست الكل، يعني أنا دلوقتي بقيت في المركز التالت بعد ياسين وسما؟، الكل ضحك بصوت عالي، والجو كان كله دفا وأمان.
سما قامت وبست راس روحية وقالت أنا عمري ما هنسى إنك وقفتي قدام الدنيا كلها عشان تحميني أنا وابني، ربنا يخليكي لينا يا أمي. روحية دمعت من الفرحة وحضنتها، وافتكرت اليوم اللي كانت داخلة فيه بالعصاية، واستغفرت ربنا في سرها وهي شايفة إن الحب والحنية هما اللي بيبنوا البيوت بجد، مش السيطرة ولا الزعيق.
واتلمت العيلة كلها على سفرة واحدة، سما وحماتها إيدهم في إيد بعض، وياسين بيلعب في وسطهم، وكأن الحكاية بتقول إن أصعب البدايات ممكن تنتهي بأجمل نهاية لو القلوب صفت والمودة دخلت المكان.
تمت
بقلم
انجي