تخلي عنها لاعتقاده أنها عاقر
تخلّى عنها لاعتقاده أنها عاقر، لكن حين رآها بعد أشهر تحمل الحطب، أوقف العربة والدموع في عينيه فقد كشف حجم بطنها عن خطئه الفادح.
توقّف تنفّس باتريسيو فارغاس.
لم يكن انطباعًا عابرًا، ولا التباسًا في الطريق. كان ضربة قاسية في صدره، كأن يدًا خفية أطبقت على قلبه فجأة.
أوقِف العربة أمر بصوتٍ لم يعرفه لنفسه.
شدّ السائق اللجام، فصهلت الخيول. وضعت أدريانا يدها على صدرها، متضايقة من التوقّف المفاجئ.
ما الأمر؟ سألت بانزعاج.
لكن باتريسيو لم يُجب.
كانت عيناه معلّقتين بصورةٍ عند حافة الطريق. امرأة تمضي بخطوات بطيئة، منحنية تحت ثقل الحطب، ووجهها مغطّى بوشاحٍ بالٍ، ويداها محمرّتان. كان ذيل فستانها ملوّثًا بطينٍ جاف، وحذاؤهاإن كانت ترتديه صباحًالم يعد في قدميها.
وتحت ذلك القماش البالي، بارزًا، مستديرًا، لا يُنكر، كان بطنها.
شعر باتريسيو أن العالم يميل.
لا تمتم.
رفعت المرأة رأسها قليلًا، ربما بسبب صوت العجلات، أو لذلك الصمت الغريب الذي أحاط بها فجأة.
عندها رأى عينيها.
بلون العسل.
العينان نفسيهما اللتان ملأتا بيته يومًا بالسكينة.
العينان نفسيهما اللتان تركهما تخبو حين اختار أن يصدّق همسات أمّه أكثر من المرأة التي كانت تنام إلى جواره.
إينيس خرج الاسم من شفتيه مكسورًا، غير مصدّق.
تجمّدت.
ولثانيةٍ واحدة، لم يتحرّك أحد. لا الريح.
كانت إينيس أول من تحرّك.
شدّت الحبل الذي يربط الحطب بقوّة، كأن ذلك الحمل هو الشيء الوحيد الذي ما زال يُبقيها واقفة. تصلّب وجهها. لا من دهشة، ولا من عاطفة.
بل من ألمٍ قديم.
من ذلك الألم الذي لم يعد ينزف، لأنه تعلّم أن يتصلّب.
فتح باتريسيو باب العربة ونزل متعثّرًا. غاصت حذاؤه في التراب، وكانت يداه ترتجفان.
إينيس يا إلهي
تراجعت خطوةً إلى الوراء.
خطوة واحدة فقط.
لكنها اخترقته كالسّكين.
نزلت أدريانا خلفه، رافعةً طرف فستانها باشمئزاز كي لا يتّسخ. نظرت إلى إينيس من أعلى إلى أسفل، ثم إلى باتريسيو، محاولةً أن تفهم لماذا بدا ذلك الرجل، الذي طالما كان ثابتًا، على وشك الانهيار في منتصف الطريق.
من هذه المرأة؟ سألت ببرود.
لم يُجب باتريسيو.
لم يستطع أن يُبعد عينيه عن بطن إينيس.
كبير. متقدّم. لا لبس فيه.
انفجرت الحسابات في رأسه. الأشهر. تاريخ الانفصال. الليالي التي سبقت النهاية. الرسالة التي لم يفتحها قط. اسم إينيس وهو يحترق في النار. الكلمات التي قذفها باحتقار أرضٌ عاقر امرأة عديمة الفائدة خطأ.
عاد كل شيء. دفعة واحدة.
وللمرة الأولى منذ سنوات، شعر باتريسيو فارغاس بالخجل من حمل اسمه.
أنتِ حامل قال أخيرًا، بصوتٍ خافت كاد أن يضيع في
أطلقت إينيس ضحكةً خفيفة.
لم تكن فرحًا.
كانت ضحكةً مكسورة بلا ضوء، كضحكة من بكى كل ما في داخله.
الآن ترى، يا سيّد فارغاس.
أغمض عينيه حين سمع كلمة سيّد.
في السابق كانت تقول باتريسيو.
كانت تنطق اسمه كأنه ملجأ.
هل هو لي؟ سأل، وما إن أنهى سؤاله حتى أدرك دناءته.
امتلأت عينا إينيس بشيءٍ أخطر من الدموع.
احتقار.
طردتني كأنني عار. أحرقت رسالتي دون أن تقرأها. تركت القرية كلّها تظنّ أنني امرأة جافّة أو أسوأ. ناداني أبي وصمة، وأغلقت أمي الباب في وجهي. حملت الحطب وهذا الطفل في بطني بينما أنت تتنزّه بين الحرير. ومع ذلك تجرؤ على سؤالي هذا.
سقطت كل كلمة عليه بدقّة قاسية.
شحبت أدريانا.
باتريسيو ماذا تقول هذه المرأة؟
ظلّ ينظر إلى إينيس، لكنه لم يعد يرى فقط المرأة الواقفة أمامه.
رأى الزوجة التي تركها وحيدة.
رأى الجوع الذي رفض أن يتخيّله.
رأى الطين في قدميها.
رأى المعصمين المشدودين بالحبال.
رأى ابنه ينمو وسط الإهانة التي صنعها بيديه.
لم أكن أعلم قال، لكنه بدا له نفسه جبانًا.
مرّرت إينيس يدها على ظهرها، كأن ثقل الحطب وثقل هذا اللقاء أكبر من أن يُحملا معًا. انقطع نفسها لحظة، ومرّ طيف ألم على وجهها.
تقدّم باتريسيو خطوةً نحوها بدافعٍ غريزي.
إينيس، اتركي ذلك. ستؤذين نفسك.
لقد آذيتني بما فيه الكفاية.
أراد أن يُجيب.
أراد أن يقول
لكن في تلك اللحظة، أطلقت إينيس أنينًا مكتومًا.
انفلت الحبل من يديها.
سقط الحطب على الأرض بصوتٍ جاف.
وفي اللحظة نفسها التي بدأت فيها ركبتاها بالانهيار، وبدأت بقعة داكنة تنتشر تحت فستانها، اندفع باتريسيو نحوها وقلبه ممزّق، مدركًا متأخرًا أنه ربما خسر كل شيء.
أدركها باتريسيو قبل أن ترتطم بالأرض.
إينيس!
خرج اسمها من شفتيه كاستغاثة مكسورة وهو يسندها بين ذراعيه. كانت شاحبة. شاحبة أكثر مما ينبغي. كانت البقعة تحت فستانها تواصل الاتساع، وبدا وكأن الهواء قد اختفى من الطريق.
تراجعت أدريانا خطوة إلى الوراء.
دم همست مذعورة.
لم يعد باتريسيو يسمعها.
يا أوسيبيو! زمجر في وجه السائق افتح العربة! حالًا!
بين ذراعي باتريسيو، فتحت إينيس عينيها لوهلة قصيرة. كان الألم قد أفرغ وجهها من كل لون. أطبقت فكّيها محاولة ألا تتأوّه، كأنها حتى في تلك اللحظة ترفض أن تمنحه لذة رؤيتها منهارة تمامًا.
لا لا تلمسني تمتمت.
لكن وخزة جديدة اخترقت بطنها، فانغرست أصابعها، على غير إرادة منها، في طيّة سترته.
شعر باتريسيو بتلك الحركة كأنها حكمٌ عليه.
حملها برفق. ولأول مرة منذ أشهر، عاد جسد إينيس إلى ذراعيه، وكان هذا الاكتشاف أشد تمزيقًا له من أي إهانة لقد أصبحت أخف وزنًا. أخف بكثير. وتحت بطنها المتقدّم، كانت
أجلسها داخل العربة على