خلفت وأنا عندي 41 سنه بقلم شروق خالد
المحتويات
برستيج ومنظرة كدابة انهار في تلات ثواني. الناس بدأت تتهامس وتعرف الحكاية، وهو واقف وسط القاعة مكسور، عينه في الأرض، مش عارف يهرب فين من نظرات الشفقة واللوم اللي حواليه.
خرجت من القاعة وأنا ماسكة إيد ابني، ابن الست اللي كبرت اللي طلع أذكى وأرجل من أبوه بمراحل. بصيت ورايا لآخر مرة، وشفت محمود لوحده، ندى سابته وخرجت متعصبة من الفضيحة، وهو واقف وسط حطام كدبته، عرفت وقتها إن ربنا مبيسيبش حق حد، وإن الرد الحقيقي مبيجيش بالخناق، بيجي بالنجاح اللي بيكسر العين.
محمود فضل واقف مكانه زي الصنم، والناس حواليه بتبص له بصات كلها احتقار بعد ما القصة اتكشفت في لحظة. ندى لما لقت المنظر كدة، ومحمود بقى شكله وحش قدام رجال الأعمال والناس المهمة، سحبته من إيده وخرجوا بسرعة من القاعة وهي بتبرطم وتلومه إنه حطها في الموقف ده.
بعد الحفلة بكام يوم، الجرس ضرب. فتحت لقيت محمود واقف قدام الباب. كان باين عليه الكبر فجأة، لبسه غالي بس عينه مكسورة.
بص لي بتردد وقالي كريمة.. أنا.. أنا مكنتش أعرف إن ياسين وصل لكل ده.. أنا فخور بيه.
ضحكت ضحكة وجع ممزوجة بقوة وقولتله فخور بيه بصفتك إيه؟ الراجل اللي رماه وهو عنده تلات
أسابيع؟ ولا اللي عاير أمه بسنها وقالي
حاول يدخل بس وقفته البيت ده دخله راجل واحد بس، وهو ابني. أنت ملكش مكان هنا، ولا ليك مكان في حياته.
طلع ياسين من جوه، وبص لأبوه بمنتهى الهدوء، مكنش فيه غل، كان فيه حاجة أصعب بكتير.. كان فيه عدم اهتمام. قاله جملة واحدة يا أستاذ محمود، أنا ممتن ليك إنك مشيت، لأنك لو كنت فضلت، كنت هتعلمني إن الرجولة هي الهروب، بس أمي علمتني إن الرجولة هي المواجهة والسند. شكراً إنك وفرت عليا وقت كنت هضيعه وأنا بحاول أرضيك.
محمود لَفّ وضهره محني، وعرف إن الفلوس والشركات والست الصغيرة ميعوضوش لحظة ندم واحدة على ابن ضيعه من إيده.
أنا وياسين قفلنا الباب، وبصينا لبعض وضحكنا. أنا دلوقتي عندي 56 سنة، وفي عز شبابي بنجاح ابني، وهو بقى مهندس أد الدنيا، وكل ما حد يسألني جبتي الذكاء ده منين؟، بقولهم بكل فخر ده ابن الست اللي كبرت، اللي طلعت بتفهم أكتر من الدنيا كلها.
مرت الأيام، وبقت سيرة ياسين على كل لسان، والشركات الكبيرة بدأت تتنافس عشان تمضي معاه عقود لمشروعه. وفي وسط كل ده، محمود حاله اتشقلب.. القروض اللي كان واخدها عشان المظاهر
والمنظرة بدأت تضغط عليه، والبنك بدأ يطالبه
ندى، اللي كان فاكرها شبابه اللي رجع، أول ما لقت المركب بتغرق، بدأت تدور على مركب تانية. وفي ليلة، محمود رجع بيته لقاها لمت كل حاجتها، والدهب اللي جابهولها، وسابت له ورقة واحدة أنا لسه صغيرة، ومش هضيع عمري مع واحد مفلس ومكسور.
جاله جلطة خفيفة من الصدمة، وقعد في المستشفى وحيد، مفيش حد يسأل عنه ولا حتى ندى ردت على تليفوناته. ولما الخبر وصل لياسين، بص لي وسألني يا أمي، هتروحي له؟.
قولتله يا ابني، إحنا اتربينا على الأصول، الوجع قديم والمسامحة صعبة، بس الواجب واجب.
روحت له المستشفى.. كان منظره يصعب على الكافر. أول ما شافني، دموعه نزلت وقال بصوت يادوب طالع سامحيني يا كريمة.. ندى سابتني، والفلوس راحت، وملقتش غيرك أنتِ وابني اللي قولت عليه مش هيفلح.. طلع هو الوحيد اللي فالح في حياتي كلها.
بصيت له بمنتهى الهدوء وقولتله أنا مش جاية عشان أعاتبك، العتاب ده للناس اللي لسه ليهم مكان في القلب. أنا جاية أقولك إن ياسين دفع لك مصاريف المستشفى كلها، وهيتكفل بمصاريف علاجك لحد ما تقوم بالسلامة.. مش عشان أنت أبوه، عشان هو متربي، وعشان ابن العجوزة ده قلبه أنضف وأكبر من الدنيا كلها.
حاول
يمسك إيدي، بس سحبتها براحة وقولتله الفرق بيني
خرجت من المستشفى، ولقيت ياسين مستنيني بالعربية، ساندني وركبت جنبه.. بصيت في المراية وشفت تجاعيد وشي، بس المرة دي شفتها علامات نصر.
القصة مخلصتش بوقوع محمود، القصة خلصت لما أنا وياسين كملنا طريقنا وإحنا مش شايلين هم حد، وعارفين إن ال 41 سنة اللي ولدت فيهم، مكنوش نهاية زي ما هو قال، دول كانوا بداية لأحلى قصة نجاح في حياتي.
شروق خالد
بعد شهور، محمود خرج من المستشفى، بس مكنش هو محمود بتاع زمان. الشركة ضاعت، والفيلا اللي كان واخدها تقسيط اتسحبت، وندى اختفت تماماً من حياته كأنها كانت كابوس وفاق منه. ملقاش مكان يروح فيه غير شقة قديمة كان مأجرها لواحد من عماله، قعد فيها لوحده بين أربع حيطان، معندوش ونيس غير الندم وصورة لياسين كان قصها من الجرنال لما اتنشر خبر تفوقه.
في يوم، كان فيه حفلة كبيرة بمناسبة افتتاح مركز ياسين للتكنولوجيا، وياسين أصر إني أكون معاه وأنا اللي أقص الشريط. وأنا واقفة جنبه، لمحت من بعيد راجل عجوز، لابس بدلة قديمة وواقف ورا
الزحمة، بيحاول يشوف
اللي بيحصل من غير ما حد يحس بيه.
ياسين شافه،
متابعة القراءة