قبل ليله من زفافي
الصمت، الجميع بدأ يهمس، ثم ظهر صوتي من مكبرات الصوت، التسجيل الذي سجلته في تلك الليلة، كلماتهن، ضحكاتهن، خططهن، كل شيء انكشف أمام الجميع.
في البداية لم يفهم الضيوف، ثم بدأت الهمسات تتحول إلى صدمة، ثم إلى غضب، بعض الناس التفتوا نحو وصيفاتي، البعض الآخر نظر إليّ، وأنا فقط كنت أقف هناك، ثابتة، قوية، لم أبكِ، لم أصرخ، فقط تركت الحقيقة تتكلم، تارا حاولت التحدث، حاولت التبرير، قالت إنها مزحة، لكن التسجيل لم يترك لها مساحة، علا حاولت الهرب، لكن رجال الأمن أوقفوها عند الباب، ليس لأنني طلبت ذلك، بل لأن مدير الفندق كان قد أبلغهم مسبقًا، جاسر اقترب مني، وقف بجانبي، لم يقل شيئًا، فقط أمسك بيدي، وكان ذلك كافيًا، نظرت إليه، رأيت في عينيه نفس الشيء الذي شعرت به خيانة، لكن أيضًا وضوح، وضوح أننا اخترنا بعضنا رغم كل شيء.
وبعد لحظات، طلبت الميكروفون، وقلت بصوت هادئ أنا كنت فاكرة إن الصداقة حاجة مقدسة، وإن الناس اللي بيقفوا جنبي في أهم يوم في حياتي هيكونوا أول ناس يحموني، بس اللي حصل خلاني أفهم إن بعض الناس مش بيستاهلوا حتى مكان صغير في حياتنا، النهارده مش يوم انتقام النهارده يوم بداية جديدة، وأنا اخترت أبدأها من غير كذب، من غير خيانة، من غير ناس مش صادقة، ثم نظرت نحوهم وقلت أنتوا خلاص بره حياتي، لم أحتج أن أقول أكثر من ذلك، الأمن أخرجهم بهدوء، وسط نظرات الجميع، وبعض الهمسات التي لن ينسوها أبدًا، وعادت الموسيقى مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت مختلفة، كانت حقيقية، بدون زيف.
أكملت طريقي نحو جاسر، وقفنا معًا، تبادلنا النظرات، وابتسمنا، وكأن كل ما
بعد إنتهاء الحفل، والناس بدأت تنسحب بالتدريج
، الهدوء عاد تاني بس بشكل مختلف مش هدوء خوف زي اللي كان في الليلة اللي قبلها، لكن هدوء راحة هدوء حد أخيرًا أخد حقه بإيده من غير ما ينزل لمستوى اللي أذوه، كنت واقفة في البلكونة بتاعة الجناح، باصة على البحر، والهوا بيحرك طرحة الفستان بخفة، حاسة إني اتولدت من جديد، مش مجرد عروسة خلصت فرحها لا، واحدة قطعت جزء من حياتها وقررت تبدأ من الأول.
جاسر خرج ورايا، وقف جنبي من غير ما يتكلم في الأول، بس وجوده كان كفاية، بعد شوية قال بهدوء أنا عمري ما تخيلت إن في ناس ممكن تعمل كده ولا تخيلت إنك ممكن تكوني قوية بالشكل ده، ابتسمت من غير ما أبصله وقلت أنا نفسي مكنتش متخيلة بس يمكن كنا محتاجين اللي حصل ده علشان نعرف مين حوالينا بجد.
سكتنا لحظة، وبعدين سألني لو كنتي قولتيلي من الأول كنت ممكن أمنع كل ده من غير ما نوصله للحظة دي، بصيتله المرة دي وقلت ممكن بس ساعتها كنا هنفضل طول عمرنا مش متأكدين دلوقتي؟ كل حاجة
جاسر هز راسه، وقرب أكتر وقال أنا آسف، استغربت وسألته آسف على إيه؟، قال على أي لحظة حسستك فيها إنك لوحدك حتى لو من غير قصد، ابتسمت المرة دي بصدق وقلت أنا مكنتش لوحدي أنا بس كنت لسه فاكرة إني لازم أعتمد على ناس غلط.
جوه القاعة، كان أخويا ماجد لسه موجود، أول ما شافني دخل، حضني جامد وقال أنا فخور بيكي بجد، ضحكت وقلت لو كنت سيبتك كنت زمانك كسرت الفندق كله، رد بسرعة والله كنت ناوي بس شكلك كان عامل خطة أحلى، ضحكنا سوا، وكانت أول ضحكة حقيقية من قلبي من وقت طويل.
بعدها بكام ساعة، لما الدنيا هديت خالص، وصلني رسايل كتير من أرقام أعرفها كويس تارا، علا، والباقي جاني رسائل صوتية، فيها اعتذارات، تبريرات، بكاء واحدة بتقول إنها كانت بتهزر، واحدة بتقول إنها اتسحبت ورا الباقي، واحدة بتقول إنها مكنتش تقصد الموضوع يكبر كده بصيت لكل ده، وساعتها بس حسيت قد إيه كنت قريبة من ناس مايعرفوش معنى كلمة قصد أصلاً.
قفلت الموبايل، ومردتش على حد مش علشان أوجعهم لكن عشان خلاص، معنديش حاجة أقولها.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري جدًا قبل جاسر حتى، لبست روب أبيض بسيط، ونزلت أتمشى على الشط، البحر كان هادي، الشمس لسه بتطلع، والمكان فاضي
تقريبًا، قعدت على الرمل، وغمضت عيني شوية، افتكرت كل حاجة من أول لحظة سمعت فيها الضحك ورا الحيطة، لحد اللحظة اللي وقفت فيها قدام الكل وخلّيت الحقيقة تتقال.
الغريب إني ماكنتش حاسة بوجع كنت حاسة بقوة.
بعد شوية، سمعت صوت حد بيقرب، فتحت عيني لقيت واحدة من البنات اللي كانت شغالة في الفندق، قالتلي بابتسامة حضرتك
رجعت الجناح، لقيت جاسر صاحي وبيجهز قهوة، أول ما شافني قال اختفيتي فين؟، قلت كنت بس بسلم على نفسي الجديدة، ضحك وقال طب أنا نفسي أتعرف عليها، قربت منه وقلت هتعجبك وعد.
قعدنا سوا نشرب القهوة، وبدأنا نتكلم عن حياتنا الجاية مش الفرح، ولا اللي حصل لكن اللي جاي، قررنا نسافر يومين لوحدنا، بعيد عن أي حد، نبدأ من غير دوشة، من غير ناس كتير، من غير تمثيل.
وقبل ما نخرج من الفندق، طلبت من الإدارة نسخة من تسجيل الكاميرات مش علشان أفضحهم، لكن علشان لو حد حاول يقلب الحقيقة يبقى عندي الدليل، بس جوايا كنت عارفة إني غالبًا مش هحتاجه.
وإحنا خارجين، عدينا جنب نفس الممر اللي كانت فيه غرفهم، وقفت لحظة، بصيت على الباب نفس الباب اللي سمعت وراه كل حاجة، نفس الباب اللي خلاني أقرر أبقى شخص تاني، خدت نفس عميق، ولفيت ظهري ومشيت من غير ما أبص تاني.
في العربية، جاسر مسك إيدي وقال جاهزة؟، بصيت قدامي وقلت أكتر من أي وقت.
لأن الحقيقة اللي حصل مكنش مجرد انتقام ناجح كان اختبار، وأنا عدّيته مش علشان أثبت حاجة لحد لكن عشان أثبت لنفسي إني أقدر أحمي نفسي، وأختار نفسي، حتى لو العالم كله قرر يخذلني.
ومن ساعتها، بقيت عارفة حاجة واحدة بس
إن أسوأ خيانة ممكن تكشفلك أعظم قوة جواك.
وإن اللي حاولوا يدمروا يومي
كانوا السبب إني أبني حياة أقوى من أي يوم كانوا ممكن يسرقوه مني، وإني لازم أكون قوية في مواجهة أي مشكلة
وإن المحن بتكون رسالة تدينا المنح
تمت