كليها من علي الأرض

لمحة نيوز

​"كليها من على الأرض!".. زعق ورمى تورتة عيد ميلادي.. مشيت من غير ولا كلمة، بعتلي قالي: "إحنا فركشنا".. رديت عليه: "بكرة الصبح اسمي هيتشال من كل حاجة."
"كليها من على الأرض!".. صرخة محمود هزت الصالة وزي ما يكون ضربني قلم على وشي.

​تورتة عيد ميلادي كانت مرمية مقلوبة عند رجلي، الكريمة البمبي مغرقة الباركيه، والشموع مكسورة مية حتة، والفتافيت مبهدلة الدنيا تحت الكراسي. تلات ثواني بالظبط ومحدش نطق.. والدته وقفت مسمرة قدام رخامة المطبخ وحاطة إيدها على بوقها من الصدمة، وأخوه باصص في طبقه ومش قادر يرفع عينه، أما ليلى صاحبة عمري، فكانت بتبص لمحمود وكأنها أول مرة تكتشف الحقيقة اللي كنت مخبياها عنها سنين.

​الغريبة إني معيطتش.. ودي كانت أكتر حاجة فاجئتني.

​محمود رمى التورتة عشان "ضحكت بصوت عالي" على كلمة قالتها ليلى.. ده كان مبرره! قال إني أحرجته في بيته، وفي عز عزومة عيد ميلادي، وقدام أهله.. فجأة مد إيده، مسك علبة التورتة، وهبدها في الأرض بكل غله.

​"نظفي القرف ده!".. نطقها وهو بيجز على سنانه.

​بصيت للمهزلة اللي في الأرض، وبعدين بصيتله.. وشه كان محقن بالدم، وفكه مشدود، وإيده بتترعش من الغضب اللي دايماً كان بيلبسهولي ويقولي "إنتي السبب". افتكرت كل مرة اعتذرت فيها عشان المركب تسير، كل غدوة دفعت تمنها وهو بيتهمني إني بخيلة، كل مرة كان يقولي البيت "بيتنا" مع إن تحويشة عمري هي اللي دفعت المقدم، واسمي هو اللي محطوط في عقد التمويل العقاري جنبه.

​سحبت شنطتي من على الكرسي بكل هدوء.

​ملامح محمود اتغيرت لما لقاني مميلتش ألم اللي انكسر.

​"إنتي رايحة فين؟"

​مشيت من جنبه ولا كأني سمعاه.. ليلى حصلتني فوراً، ومن ورانا كان صوته بيعلى وهو بينده عليا، وبعدين بدأ يحدف كلام زي الدبش لما مارديتش.. كملت مشي لحد ما قفلت الباب ورايا، وهوا أبريل الساقع خبط في وشي.

​ليلى خدتني في عربيتها، قعدت جنبها والفستان بتاعي لسه عليه أثر كريمة، وعيني على الموبايل ورسايل محمود اللي بدأت تنزل زي المطر:

​"إنتي بتكبري

الموضوع."

​"ارجعي لمي القرف اللي عملتيه ده."

​"إنتي اللي خليتي شكلي وحش قدامهم."

​"خلاص.. إحنا فركشنا وكل شيء قسمة ونصيب."

​الرسالة الأخيرة دي بالذات خلت إيدي تبطل ترعش.

​كتبت الرد ببطء، وكنت قاصدة كل حرف:

​"تمام.. وبكرة الصبح اسمي هيتشال من كل حاجة تخصك."

​عملتله "بلوك"، ورجعت ضهري لورا في الكرسي، ولأول مرة من سنين حسيت إني عارفة أتنفس.

​لأن محمود ميعرفش إن البيت، وتأمين العربية، ونظام الموبايل، وكارت الائتمان، وحتى قرض المشروع اللي ضغط عليا عشان أمضي كضامن ليه.. كل ده من بكرة الصبح هيبقى مشكلته هو لوحده!

​تفتكروا محمود هيعمل إيه لما يكتشف إن "البرستيج" اللي كان عايش فيه هيتهد فوق دماغه؟

ليلى كانت بتسوق وهي ساكتة تماماً، عارفة إن أي كلمة دلوقتي ممكن تخنقني. أنا كنت فاتحة الموبايل، وعيني مسبتة على الساعة وهي بتقلب على 12:01 بعد نص الليل.. يعني النهاردة مبقاش عيد ميلادي، النهاردة بقى يوم "الحساب".

​دخلنا شقة ليلى، رميت شنطتي، وبدون

ولا كلمة، دخلت الحمام. وقفت قدام المراية.. بصيت لآثار الكريمة البمبي اللي على طرف فستاني، وابتسمت. كانت ابتسامة غريبة، باردة، أول مرة أشوفها على وشي. محمود كان فاكر إن كسر التورتة هو اللي هيكسرني، مكنش يعرف إنه كسر آخر حاجة كانت ربطاني بيه.. الخۏف من "كلام الناس" والخۏف من "الوحدة".

​طلعت لقيت ليلى مجهزة لي بيجامة وشاي. قعدت، مكنش عندي رغبة أتكلم عن اللي حصل. مفيش داعي نلوك

في المحكي. أنا دلوقتي عقلي بقى "آلة حاسبة" مبتقبلش الغلط.
​فتحت لابتوب ليلى.. مكنش فيه وقت للنوم.

​أول حاجة عملتها، دخلت على تطبيق البنك.. "تغيير الرقم السري لبطاقة الائتمان المشتركة". البطاقة دي أنا اللي عاملاها، وهو كان كارت إضافي باسمه بس بيخصم من حسابي أنا.. دلوقتي، محمود وهو قاعد بيتعشى، أو بيحاول يفرغ غضبه في أي حاجة، أول ما هييجي يستخدم الكارت عشان يشتري سجاير أو يدفع أي حاجة.. الكارت هيديله "مرفوض". ودي كانت مجرد "المقبلات".

​الساعة 1 صباحاً: دخلت على حسابي

في شركة الاتصالات.. محمود عامل خط "فاتورة" باسمي،

تم نسخ الرابط