تركت زوجه الأب طفلين توأم في المطار
تخلّت زوجة الأب عن التوأم وصعدت إلى الطائرة؛ وشهد رجلٌ ذو نفوذٍ كبير ذلك فماذا حدث بعد ذلك؟
الجزء الأول
كان مطار القاهره الدولي مكتظًا بالعجلة والحقائب وأناسٍ يحدّقون في الشاشات بدل أن ينظر بعضهم إلى بعض. كان من تلك الأماكن التي يستطيع فيها أيّ شخص أن يختفي دون أن يلحظ أحد.
وهذا بالضبط ما حدث لطفلين في الخامسة من العمر.
كانت المرأة ذات المعطف البيج تمشي بسرعة، تحمل حقيبةً فاخرةً على ذراعها، وتضغط شفتيها كأنها متأخرة عن أمرٍ مهم. خلفها كان يجري صبيّ وفتاة متطابقان، بشعرٍ أشقر مجعّد وعيونٍ فاتحة، وتلك الطريقة الصامتة في اتّباع بالغٍ لم يعدا ينتظران منه حنانًا. كان الصبي يعانق دمية دب إلى صدره، وكانت الفتاة لا تفلت يده.
وصلت المرأة إلى صفّ المقاعد أمام البوابة 17، واستدارت قليلًا، وأشارت إلى مقعد، وقالت شيئًا ابتلعه ضجيج المطار. أطاع الطفلان فورًا.
جلسا.
نظرت إليهما لثانية.
لا قبلة.
لا لمسة.
لا تفسير.
ثم سلّمت بطاقة صعودها، وعبرت بوابة المغادرة، واختفت.
لم يتوقف أحد.
لم يتوقف أحد سوى سواء رجل واحد اسمه مراد الحديدي
كان اسمه يغيّر الهواء في أي غرفة. رجل أعمال عند البعض، محسن عند قلة، ورجل خطِر في نظر الغالبية. كان في الأربعين من عمره، يحمل سمعةً صُنعت بالصمت وقرارات باردة، ولديه قدرة غريبة
على جعل الآخرين يخفضون أصواتهم عند حضوره. كان حراسه يتحركون على المسافة الدقيقة قريبين بما يكفي لحمايته، وبعيدين بما لا يعيقونه.
سيدي، غيّروا موعد إقلاع رحلتك همس مساعده
لم يُجب مراد
لم يكن ينظر إلى الشاشة. كان ينظر إلى الطفل.
كان الصغير يحدّق في الباب الذي اختفت خلفه المرأة.
عندها فعل مراد شيئًا لم يفعله لأحد منذ سنوات.
مشى نحوهما.
انحنى حتى صار في مستواهما. نظر إليه الصبي قليلًا؛ أما الفتاة فثبتت نظرها فيه دون خوف. وقد أربكه ذلك أكثر من أي تهديد.
أين أمكما؟ سأل بصوتٍ ألطف مما ظن أنه يملك.
شدّ الصبي الدب أكثر.
ليست أمّنا قال.
سقطت الجملة مسطّحة، بلا دراما، كحقيقةٍ تكررت مراتٍ كثيرة.
حوّل مراد نظره إلى الفتاة.
ما اسمك؟
ملك
وأخوك؟
ادم
كم عمركما؟
خمس سنوات أجاب آدم نحن الاثنان. نحن توأم.
جلس مراد إلى جانبهما بدل أن يواصل استجوابهما. لم يُرد أن يبدو تهديدًا آخر.
هل سيأتي أحد لأجلكما؟
هزّت ملك رأسها ببطء.
ظلّ ادم ينظر إلى الباب.
في البعيد، بدأ الطائرة تبتعد عن ممر الصعود. رأى مراد اللحظة الدقيقة التي فهم فيها الطفل أن تلك المرأة قد رحلت حقًا.
كانت حركة صغيرة.
ثبت
وجهه. امتلأت عيناه، لكنه لم يسمح للدموع أن تنزل.
شعر مراد بشدّة غريبة في صدره، كذكرى مدفونة على نحو سيئ.
هل أنتما جائعان؟ سأل.
نظر إليه آدم لأول مرة بشيءٍ غير الفراغ حذر.
ثم نظر إلى ملك
أومأت قليلًا.
قليلًا قال الصبي.
مدّ مراد يده، كفًّا إلى الأعلى، دون فرض.
استغرق آدم ثلاث ثوانٍ ليقرر. ثم وضع يده الصغيرة في يده.
أما ملك ، فبدون تردد، أمسكت بيد آدم ، الذي تجمّد كأن أحدهم سلّمه قنبلة ملفوفة بشريط.
أخذهما إلى صالة المطار الخاصة. كانت هناك سجادة، وإضاءة خافتة، وأرائك واسعة، وطاولة عليها فواكه ومعجنات وسندويشات. أكل آدم ثلاثًا بسرعةٍ مضبوطة
أجرى مراد اتصالين.
الأول، لامرأة في السجل المدني تدين له بمعروف.
والثاني، لمحاميه.
طفلان تُركا في المطار قال مباشرة أريد أن أعرف ما الذي يمكن فعله قانونيًا وما الذي لا يمكن.
حين عاد إلى الطاولة، كان آدم قد نام جالسًا، جبهته على ذراعه، والدب مضغوط إلى صدره. في حين بقيت ملك مستيقظة، تراقبه.
هل أنت شرطي؟ سألت.
لا.
تأملته قليلًا.
هل أنت طيب؟
مراد الحديدي ، الذي أمضى خمسة عشر عامًا يجعل الآخرين يجيبون، لم يعرف ماذا يقول.
قبلت ملك صمته كإجابة كافية.
ادم يخاف من الظلام
قالت لاحقًا وهي تقضم فراولة إذا انطفأ الضوء يمسك يدي.
اهتزّ هاتف مراد في جيبه.
قرأ الرسالة مرة ثم أخرى.
اسم عائلة التوأم كان كمال
كان والدهما، طارق كمال ، قد توفي قبل أحد عشر أسبوعًا في حادث بناء.
وكان مراد يعرف هذا الاسم.
يعرفه لأنه قبل سبع سنوات، على الطريق الصحراوي ، اشتعلت سيارته بعد كمين. الأبواب عالقة. النار تتقدم. النهاية محسومة.
الرجل الذي اقتحم اللهب ليخرجه كان ميكانيكيًا شابًا يعمل في ورشة قريبة.
طارق كمال
عرض عليه مراد المال تلك الليلة. لم يقبله.
قال فقط إذا أردت حقًا أن تردّ لي الجميل، فافعل شيئًا جيدًا للعالم يومًا ما.
والآن كان ولداه نائمين وينتظران في مطار، متروكين كأمتعة بلا مطالب.
شدّ مراد فكه.
لقد عاد الدَّين إليه.
وهذه المرة كان له عينان لطفلين.
الجزء الثاني دين النار
ألغى مراد رحلته إلى الخارج دون تفكير.
لم يسأل مساعده عن السبب . كان يعرف متى يكون الصمت
جمع المحامي بقية القصة سريعًا توفيت الأم البيولوجية بمرض حين كانا في الثانية. تزوج طارق امرأة تُدعى سميره قبل عام. بعد الحادث، قبضت التأمين وبدأت تخطط لحياة جديدة في مدينه نصر
حياة بلا ملك وادم
أريد رقم الجدة من جهة الأب أمر مراد وكل ما لديكم عن تلك المرأة.
كانت الجدة شيماء
، تعيش في مصر الجديده عمرها واحد وسبعون عامًا، ولديها عملية
ورك مقررة.
اتصل بها عند السادسة صباحًا.
أخبرها بما حدث بلا تزيين. صمتٌ خشن على الطرف الآخر.
هل هما بخير؟ سألت أخيرًا.
نعم.
إذن سآتي.
سأرتب الرحلة.
من أنت؟ سألت.
نظر إلى الطفلين.
رجلٌ يدين بالحياة لابنك.
لكن قبل وصول الجدة، اندلعت العاصفة.
قدّمت سميره بلاغًا ادعت أن طفليها اختُطفا.
وصل شرطيان وأخصائية اجتماعية.
الأطفال هنا قال مراد أكلوا. وتواصلوا مع جدتهم.
تقول زوجه ابيهما إنك أختط.فتهما قالت الأخصائية.
قال مراد الكاميرات ستقول الحقيقه
وقالت الكاميرات الحقيقة.
ساعه وثلاثة وأربعون دقيقه فقط.
امرأة تُجلس طفلين وتمضي بلا التفات.
انتهت الكذبة.
سألت الأخصائية
هل كانت زوجة أبيك تحبكما؟
كانت تطبخ لنفسها أولًا ثم نأكل نحن إن بقي شيء.
ساد الصمت.
جلس ادم قرب مراد
أبي كان لديه صورة قال لسيارة تحترق قال إن رجلًا خرج حيًا لأنه أنقذه.
نظر إلى يديه.
هل أنت ذلك الرجل؟
نعم.
ثم سأل
هل ستتركنا أنت أيضًا؟
خفض مراد نظره.
ليس هذه الليلة.
اكتفى الطفل.
الجزء الثالث الوعد الذي وُفي
وصلت الجدة عند الخامسة مساءً.
كانت امرأةً صغيرة الجسد، يكسو الشيب شعرها، وتحمل في عينيها تعب سنواتٍ طويلة، لكنه كان تعبًا ممزوجًا بقوةٍ