عزمت خطيب ابنتي على العشاء

لمحة نيوز


صرخت مريم فورًا
لم أخطط لشيء! كنتُ فقط خائفة منك!
لكن سامي لم يكن يستمع.
ظل يحدّق في الهاتف للحظات، ثم أغلق البث بعصبية وألقى الجهاز على الأرض حتى تحطم.
وفي الخارج
ارتفعت أصوات الرجال أكثر.
يا سامي افتح الباب!
نحن نسمع الصراخ!
افتح قبل أن نكسر الباب!
بدأت أنفاسه تتسارع لأول مرة.
وأحسستُ أن سيطرته التي كان يتباهى بها بدأت تتفكك.
لكنه فجأة أمسك شعري بعنف أكبر، وقرّب السكين من رقبتي حتى شعرتُ بطرفها البارد يلامس جلدي.
شهقتُ من الألم.
أما مريم فصرخت وهي تركض نحوه
اترك أمي!
لكنه دفعها بقوة حتى ارتطم جسدها بطرف الأريكة.
ثم صرخ لأول مرة منذ دخوله الشقة
ابقَي مكانك!
ساد الصمت لثوانٍ.
حتى الرجال خارج الباب صمتوا بعد سماع صوته.
كان وجه سامي مختلفًا تمامًا الآن.
عيناه حمراوان.
وأنفاسه متقطعة.
ولم يعد ذلك الشاب الهادئ الذي جلس قبل قليل يتحدث عن الصلاة والاحترام.
قال وهو يضغط على ذراعي بقوة
كل هذا بسببكِ.
ثم نظر إلى مريم
كنتُ سأجعلكِ تعيشين كملكة لكنكِ أردتِ إذلالي.
صرخت مريم وسط بكائها
أنتَ مريض!
فشدني معه خطوة وهو يقترب منها أكثر.
وقال من بين أسنانه
أنا ضحّيت بكل شيء لأجلكِ!
ثم أشار إلى الباب بعصبية
والآن العمارة كلها تشاهدني كأنني مجرم بسببكِ!
في الخارج، عاد الطرق على الباب بعنف أكبر.
ثم سمعنا صوت رجل آخر يقول
الشرطة في الطريق!

وهنا فقط
ظهر الخوف الحقيقي على وجه سامي.
تراجع خطوة إلى الخلف.
ثم خطوتين.
وكأن

كلمة الشرطة أعادته إلى الواقع فجأة.
ولأول مرة
لم يعد يبدو غاضبًا
فقط.
بل بدا كرجل يشعر أن كل الصورة التي صنعها عن نفسه بدأت تنهار أمام الجميع.
نظر سريعًا نحو النافذة
ثم نحو الباب
وكأنه يبحث عن طريقةٍ للهروب.
لكنه أدرك أن أصوات الرجال في الخارج تحاصر الشقة بالكامل.
أما مريم فاستغلت اللحظة وركضت نحوي بسرعة.
أمسكتني وهي تبكي
أنتِ بخير؟!
لكن سامي رفع السكين نحونا بعنف وهو يصرخ
لا تقتربا من الباب!
توقفنا فورًا.
كان يرتجف الآن.
ويده التي تمسك السكين لم تعد ثابتة.
وكان يتكلم كمن فقد السيطرة على أفكاره.
قال بصوت متقطع
إذا دخل أحد أقسم أنني سأقتلهم أولًا ثم أقتل نفسي
شعرتُ بمريم ترتعش بجانبي.
أما أنا فكنت أحاول التفكير بأي طريقة لإنهاء هذا الكابوس.
ثم فجأة
رنّ هاتف سامي.
نظر إلى الشاشة.
وكان اسم والدته يظهر عليها.
تجمّد للحظة.
ثم ضغط على الهاتف بعنف حتى أغلقه.
لكن الهاتف عاد يرنّ مرة ثانية.
ثم ثالثة.
وفي كل مرة، كان وجهه يزداد اضطرابًا أكثر.
ثم سمعنا صوت رجل يصرخ من الخارج
افصلوا الكهرباء!
وبعد ثوانٍ
دوّى صوت ارتطامٍ قرب صندوق الكهرباء في الممر.
ثم انطفأت الشقة كلها
دفعة واحدة.
غرق المكان في ظلام كامل.
وارتفعت شهقة مريم بجانبي.
ساد الظلام لثوانٍ طويلة بدت كأنها دقائق.
ولم نعد نسمع سوى أنفاس سامي المرتبكة.
ثم أضاء ضوء هاتفه المرتعش جزءًا من وجهه للحظة
فرأيت لمعان السكين يهتز بين أصابعه.
كان يتحرك بعشوائية
داخل الظلام، وكأنه يبحث عن مخرج أو طريقة للهرب.
وفجأة
دوّى صوت ارتطامٍ عنيف بباب الشقة حتى اهتزّت الجدران.
ثم صرخة رجالٍ من الخارج
ابتعدوا عن الباب!
تلتها ضربة ثانية.
ثم ثالثة.
وفي اللحظة نفسها جاء صوت حاد من الممر
شرطة! افتح الباب فورًا!
تراجع سامي خطوة إلى الخلف.
ثم رفع السكين نحونا من جديد.
لكن هذه المرة
لم يعد يبدو مخيفًا كما كان قبل دقائق.
بل بدا كإنسانٍ انهار كل شيء داخله فجأة.
قال بصوتٍ متقطع
هي السبب
وأشار إلى مريم.
هي التي أوصلتني لهذا.
صرختُ فيه لأول مرة دون خوف
أنتَ الذي دمّرت نفسك!
ارتجفت يده أكثر.
وفي اللحظة التالية
انطلقت ضربة هائلة على الباب.
ثم انكسر القفل أخيرًا.
وانفتح الباب بعنف.
دخل رجال الشرطة أولًا.
وخلفهم بعض رجال العمارة والجيران.
وفي
اللحظة التي رأى فيها سامي كل تلك الوجوه
ارتخت أصابعه فجأة.
فسقطت السكين من يده على الأرض.
رنّ صوتها في الشقة كأنه نهاية شيءٍ ثقيل ظل يخنقنا شهورًا.
اندفعت مريم نحوي فورًا.
ثم ارتمت في حضني وهي تبكي بشكلٍ هستيري.
أما أنا
فكنت ما أزال عاجزة عن استيعاب أن كل هذا يحدث فعلًا داخل بيتي.
اقترب أحد رجال الشرطة من سامي بحذر.
لكن سامي لم يقاوم.
ظل واقفًا مكانه شاحب الوجه، ينظر إلى الأرض كأن كل قوته اختفت فجأة.
ثم قيدوا يديه.
وفي أثناء إخراجه من الشقة
رفع رأسه نحو مريم.
لثانية واحدة فقط.
لكنني رأيت في عينيه شيئًا جعل الدم يبرد داخلي.
لم يكن ندمًا.
ولا
خوفًا.
بل غضبًا مريضًا لأنه فقد السيطرة عليها.
فشددتُ مريم إلى صدري أكثر.
وبعد دقائق
امتلأت الشقة بأصوات الجيران والأسئلة والهمسات.
كانت أم ياسين تبكي وهي تضم مريم.
وأحد الرجال يقول
والله لو لم نرَ البث ما صدّقنا.
أما مريم
فكانت جالسة على الأريكة ترتجف بالكامل.
اقتربتُ منها ببطء.
جلستُ أمامها.
ثم أمسكتُ وجهها بين يديّ.
وقلتُ بصوتٍ مرتجف
لماذا تحملتِ كل هذا وحدكِ
يا ابنتي؟
فانفجرت بالبكاء من جديد.
وقالت بصعوبة
كنتُ خائفة عليكِ يا أمي
ثم شهقت وهي تحاول التقاط أنفاسها
في أول مرة طلبتُ منه أن ننفصل أمسك يدي بقوة وقال إن أول شخص سيؤذيه إذا تركته سيكون أنتِ.
أغمضتُ عينيّ للحظة وأنا أشعر بأن قلبي يتمزق.
وأضافت
كنتُ أظن أن صمتي سيحميكِ
ثم نظرت حولها إلى الشقة الممتلئة بالناس، والباب المكسور، وآثار الفوضى في كل مكان.
وقالت بصوتٍ ضعيف
لكنني كنتُ أموت كل يوم.
وأنا أبكي معها لأول مرة منذ سنوات.
وفي تلك الليلة
فهمتُ شيئًا لن أنساه ما حييت.
فترة الخطوبة ليست مجرد وقتٍ لشراء الأثاث أو انتظار موعد الزفاف
بل فرصة حقيقية لاكتشاف الطباع التي يحاول البعض إخفاءها.
فالإنسان مهما أتقن التمثيل
لا يستطيع أن يُخفي حقيقته إلى الأبد.
الخوف المفاجئ.
العزلة.
الرغبة في السيطرة.
الغيرة المَرَضية.
مراقبة الهاتف.
منع الطرف الآخر من العمل أو الخروج أو الكلام بحرية.
كلها ليست حبًّا
بل بدايات خطرٍ حقيقي.
وكم من امرأةٍ تجاهلت تلك العلامات
ثم
وجدت نفسها تعيش داخل خوفٍ يومي لا ينتهي.
أما
مريم
فقد نجت تلك الليلة.
لكنني أعلم أن هناك فتياتٍ كثيرات ما زلن حتى الآن يجلسن في صمت
خوفًا من شخصٍ يظنه الجميع رجلًا محترمًا

تم نسخ الرابط