الحقيني يا طنط هو قالي
بعينيه الحادة وقال
فين البنت؟
الراجل رمش بسرعة زيادة عن اللزوم.
بنت مين؟
في اللحظة دي، صوت خبط خفيف جدًا طلع من آخر الطرقة.
تك تك تك.
أحمد اتحرك فورًا.
الراجل حاول يقف يعترض طريقه
استنى بس حضرتك
لكن العسكري زقه على الحيطة.
أحمد جري لآخر الطرقة، وفتح باب أوضة مقفول بالمفتاح.
ولما الباب اتفتح
الدنيا وقفت.
الأوضة كانت صغيرة جدًا.
شباكها متقفل بخشبة من برة.
والحيطة كلها شخابيط أطفال.
وركن السرير كانت قاعدة ليلى.
بنت صغيرة، يمكن سبع سنين، حضنة رجلها لصدرها، وشعرها منكوش، وفي حضنها عروسة مقطوعة الإيد.
أول ما شافت أحمد، اتكمشت في نفسها بخوف.
وقالته بنفس الهمس اللي سمعه في التسجيل
أنا كنت شاطرة والله.
الجملة ضربت أحمد في قلبه.
قرب منها ببطء جدًا، وشال الجاكيت بتاعه وحطه على كتفها.
محدش هيزعقلك يا حبيبتي.
البنت بصت له بعينين مرعوبتين وقالت
هو هيضربني؟
أحمد حس بغصة في زوره.
لأ.
محدش هيقربلك تاني.
بس الكارثة الحقيقية لسه ما ظهرتش.
العسكري اللي كان بيفتش البيت نادى بصوت متوتر
يا فندم تعالى هنا.
أحمد خرج من الأوضة واتجه للمطبخ.
أرضية المطبخ كان فيها باب خشب صغير متغطي بسجادة.
باب مخزن سفلي.
أو حاجة شبهه.
العسكري قال بصوت منخفض
الباب متقفل من برة.
أحمد قلبه دق بعنف.
ونزل فتح القفل بنفسه.
أول ما الباب اتفتح، طلعت ريحة خانقة من تحت ريحة عفن ودواء ورطوبة.
سلط الكشاف.
وكانت الصدمة.
تحت، في قبو صغير ضيق
كان في سرير أطفال قديم.
وسلسلة حديد متربطة في رجله.
الدم جمد في عروق أحمد.
ليلى ماكنتش أول ضحية.
الراجل اتقبض عليه فورًا.
اسمه حسام، أربعيني، شغال فني تكييف، ومعروف وسط الجيران إنه راجل محترم وهادي.
ودي كانت أكتر جملة أحمد كره يسمعها طول شغله.
راجل محترم.
الجيران وقفوا في الحارة مصدومين، والستات بتقول
ده كان بيشتريلها شيبسي كل يوم!
عمرنا ما سمعنا صوت!
أيوه.
لأن الشياطين الحقيقية مبتصرخش.
ليلى اتنقلت المستشفى.
والأطباء اكتشفوا آثار اعتداءات قديمة ومتكررة.
لكن اللي قلب القضية من جريمة بشعة لكارثة كاملة، كان كلام ليلى بعد يومين.
الأخصائية النفسية كانت قاعدة معاها بالرسم والألوان، ولما سألتها
مين علمك تقولي وجع أول مرة بس؟
ليلى ردت ببساطة مرعبة
بابا.
سكتت الأخصائية.
وكان بيقولك إيه تاني؟
البنت رسمت بيت صغير بالقلم الأحمر، وقالت
كان يقولي البنات
أحمد أول ما سمع الجملة، حس الأرض بتميد بيه.
زي ماما.
يعني في أم.
وكانت اختفت.
التحريات بدأت تدور ورا مرات حسام.
الجيران قالوا إنها هربت من سنة ونص.
حسام قال في المحضر إنها سابت البيت ومشيت.
لكن محدش شافها وهي ماشية.
ولا حتى شنطتها خرجت.
أحمد رجع البيت تاني بنفسه.
وبدأ يبص بعين الخبير مش الضابط.
في الحيطان.
في البلاط.
في الشرخ الصغير اللي جنب باب المطبخ.
وفي حتة سيراميك لونها مختلف سنة بسيطة عن الباقي.
وقف فوقها.
وسكت.
بعدين قال للعساكر
هاتوا التكسير.
بعد ساعة
ريحة الموت طلعت من تحت الأرض.
وتم العثور على جثة ست مدفونة أسفل أرضية المطبخ.
بقايا هيكل ومعاه سلسلة دهب عليها اسم
نهى.
مراته.
ليلى كانت عايشة فوق جثة أمها طول السنة ونص اللي فاتوا.
القضية هزت المنطقة كلها.
الصحافة اتكلمت عن سفاح بين السرايات.
والناس بدأت تطلع حكايات أقدم.
طفلة كانت بتختفي من الدرس ويرجعها متأخر.
صوت عياط بالليل.
ريحة غريبة من البيت.
لكن محدش اتدخل.
وده كان أكتر شيء مرعب.
إن الشر ساعات بيعيش وسط الناس عادي لأن الكل بيقول
مالناش
في التحقيقات، حسام اعترف بعد ضغط طويل.
قال إن مراته اكتشفت اعتداءه على البنت، وهددته تبلغ عنه.
فضربها.
الضربة قتلتها بالغلط.
فدفنها تحت البيت.
وبعدين كمل حياته كأن شيئًا لم يكن.
أما ليلى
فكان بيحبسها ويهددها بنفس المصير.
ولقنها الجملة
وجع أول مرة بس.
علشان تسكت.
إلى الأبد.
المحكمة كانت من أصعب القضايا اللي أحمد حضرها.
ليلى دخلت القاعة ماسكة لعبة جديدة، وشعرها متظبط، لكن عينيها لسه شايلة خوف أكبر من سنها بكتير.
ولما القاضي سألها إذا كانت تعرف المتهم
بصت لحسام وسكتت.
بعدين قالت جملة خلت القاعة كلها تبكي
ده كان بابا قبل ما يبقى الوحش.
حسام انهار وقتها.
لكن خلاص.
انتهى.
اتحكم عليه بالإعدام.
بعد شهور
أحمد كان رايح يزور دار الرعاية اللي نقلوا فيها ليلى مؤقتًا.
لقى البنت قاعدة بترسم.
قرب منها وقال
بترسمي إيه يا ليلى؟
ورته الرسمة.
بيت.
وشمس كبيرة.
وبنت واقفة في الجنينة.
من غير شبابيك مقفولة.
ومن غير باب متقفل عليها.
أحمد ابتسم لأول مرة من قلبه من يوم البلاغ.
وقالها
حلوة.
ليلى بصتله وسألته بصوت صغير
هو الوحوش بتموت؟
أحمد سكت ثواني.
وبعدين رد بهدوء
لأ
بس ساعات الحقيقة
والمرادي
الحقيقة بدأت بمكالمة همس من طفلة صغيرة، محدش كان متوقع إنها تنقذ نفسها وتنقذ أرواح تانية معها.