بعد ما أبويا وأمي طردوني
الظابط لَف وشاش المونيتور بتاع الكمبيوتر ناحيتي، وتابع بصوت قاطع:
— الرائد عمر: «والأبشع من كدة يا مدام مريم.. الكشوفات بتثبت إنهم قدموا للبنك طلب رسمي باسمك وتوقيعك "المزوّر" لتسييل الوديعة العقارية اللي جَدك سابهالك، عشان يشتروا بيها قصر جديد في كومباوند فخم في التجمع الخامس باسم أختك (نهى).. وورق السفر بتاعهم لـ دبي محجوز بكرة الفجر! أبوكي وأمك ما أفلسوش.. هما سرقوا ورثك وثروتك بالكامل، وقرروا يطردوكِ في المطر إنتي وبنتك الرضيعة عشان م تطالبيش بحقك، ويختفوا بالمليارات مع بنتها المفضلة نهى!»
الدم هرب من عروقي، وحسيت إن جدران القسم بتلف بيا. تذكرتُ كلام أمي في المطبخ وهي بتقولي
بكل برود: *(إحنا أفلسنا ومبقاش معانا مليم)*، وتذكرت نظرة أبويا وهو بيشرب الشاي ومكلفش نفسه يبص عليا وأنا شايلة بنتي فيروز اللي كانت هتموت من السخونية! كانوا بيخططوا لإبادتني نفسياً وطردي في الشارع، عشان أعيش غرقانة في الفقر وأصدق كذبة إفلاسهم، بينما هما بيستعدوا للعيش كالملوك في دبي من شقايا وخير جدي اللي كتبه باسمي!
جدي منصور التهامي وقف بكامل طوله، وعروق رقبته ظهرت من كتر الغل، وخبط بعصاه المرصعة بالفضة على أرضية المكتب بعنف:
—
في تمام الساعة ٢ بعد نص الليل، انطلقت سيارات الشرطة ومعاهم عربية جدي الكاديلاك الضخمة نحو الفيلا القديمة في مصر الجديدة.
أول ما القوة اقتحمت البيت، كان الصالون مقلوب عبارة عن شنط سفر فخمة ومرصوصة، وأمي (جيجي) واقفة لابس فستانها الغالي وعمالة تلم مجوهراتها، وأبويا (مدحت) ماسك باسبورات السفر والفيزا، وأختي (نهى) واقفة في نص الصالة وريحة برفانها مالي المكان، وماسكة في إيدها المفتاح القطيفة بتاع العربية المرسيدس البيضا الزيرو!
أول ما شافوني داخلة ومعايا جدي ورجال المباحث، الباسبورات سقطت
من إيد أبويا، وأمي شحب وجهها وبقيت بيضا زي الحيطة وقاطعة النفس تماماً!
— أمي بتلعثم ورعب: «بابا؟! مريم؟! أنتم جيتوا هنا إزاي؟ وفيه إيه؟ والشرطة دي داخلة بيتنا كدة ليه؟»
تقدمتُ أنا بخطوات ثابتة وثقة هزت أركان الصالة، وبنتي فيروز كانت نايمة في أمان جوة الشال الجديد اللي جدي جابهولي من المستشفى.
— مريم ببرود قاتل: «جيت أخد المرسيدس البيضا بتاعتي يا نهى.. وجيت أخد الـ ٢٨ مليون جنيه اللي سرقتوهم من حسابي يا مدحت بيه.. وجيت أوريكم العيشة والحياة الحقيقية اللي أمي كانت بتقولي اتعلميها برة في المطر!»
الرائد عمر الألفي تقدم وحط الكلبشات الحديدية في إيد أبويا وأمي وسط صراخهم وعياطهم الذليل:
— الرائد عمر: «اتفضلوا معانا.. أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بتهم التزوير والسرقة وخيانة الأمانة، وتم عمل حظر سفر وفصل لجميع حساباتكم البنكية والحجز على القصر الجديد في التجمع!»
نهى بدأت تصرخ وتلطم على وشها بانهيار ورمت مفتاح المرسيدس تحت رجلي: «مريم! أرجوكي بلاش الفضايح! أنا ماليش ذنب.. بابا وماما هما اللي قالوا لي إنهم هيأمنوا مستقبلي من حسابك لأنك مش محتاجة الفلوس دي كلها!»
جدي منصور بص لها باحتقار وقال للحراس: «خدوا الشنط دي كلها على المخازن.. والبيت ده من اللحظة دي قفل بأمر القانون، والكلبشات
دي هي المكان الطبيعي للي يجوع بنته الرضيعة ويخون أمانة دمه!»
سُحب الأب والأم وأختي بملابسهم الفخمة لسيارات الترحيلات وسط فضيحة هزت العيلة كلها وصدمت
بعد مرور عام كامل على تلك الليلة التاريخية الموعودة في مايو ٢٠٢٦..
الشمس كانت دافية وجميلة تملأ حديقة القصر الجديد بتاعي في التجمع الخامس، ريحة الياسمين والورد مالي المكان، وبنتي فيروز كبرت وبقت زي الفل وصحتها بمبي وبتجري وتضحك من قلبها.
كنتُ قاعدة في التراس الكببر بعمل وجبة لفيروز، وعربيتي المرسيدس البيضا الزيرو واقفة في الجراج بتلمع تحت نور ربنا. جدي منصور التهامي كان قاعد جنبي بيشرب قهوته ومبتسم وهو بيبص لي بفخر شديد:
— جدي منصور: «شايفة يا مريم يا بنتي؟ لولا المطر والساقعة اللي ربنا سخرهم ليلتها عشان أقف بعربيتي وأشوفك، كانت الكذبة دي كملت وكانوا دمروا حياتك.. ربنا صانك بأصلك الطيب وجبر بخاطر بنتك البريئة.»
ابتسمتُ من كل قلبي ودموع الفرحة في عيني، وحضنت بنتي فيروز وبست راسها بحنية. اتعلمت مريم إن الأهل مش بالدم.. الأهل هما اللي بيحنوا، ويصونوا، وبيكونوا درع حمايتها في عز العاصفة. وسيبنا الخونة يشبعوا بضلمة سجنهم وفقرهم، وعشنا إحنا فوق السحاب بالحق والرحمة والنور والكرامة العظيمة التي لا تموت
للأبد.
**تمت.**