قرر عمي تزويجي من ابنه الفاشل
أعمل في المدرسة طوال النهار وأعود للشقة فأعمل أيضا في تجهيز الطعام والتنظيف وغسل الملابس وكيها ورعاية شؤون أطفالي تمر الأشهر ولا أستلم فلسا واحدا من الراتب المزعوم وعندما أطالبه بالمال فإنه يقول بأنه يدفع إيجار الشقة ويشتري متطلبات المنزل وهو ينفق علي وعلى أسرتي فلا يبقى من الراتب أي شيء
تحولت حياتي إلى سلسلة بغيضة من التعب والإرهاق والضغوط النفسية الصعبة أرتدي الحجاب في البيت طوال الوقت وفي المساء أدخل غرفتي وأنا في غاية الإرهاق والتعب فيأتي زوجي الذي كان نائما طوال النهار أو مسترخيا أمام شاشة التلفاز فيطالبني بحقوقه الزوجية وإن لم أستجب له أتعرض للضرب والشتم أمام الصغار فأحاول ترضيته منعا للمشاكل
توسلت إلى عمي كي يعفيني من مهمة التدريس فأجلس في منزلي وأتفرغ للعمل فيه ورعاية الأطفال، واقترحت عليه أن يأخذ زوجي ويكلفه بأي عمل في المدرسة ولكنه رفض فهو يعلم بأن ولده إنسان فاشل لا يتحمل المسؤولية وهو لا يريد أن يدفع راتبا لمدرسة أخرى تعمل بدلا مني وهو أيضا لا يريد أن يدفع أجور خادمة تتحمل مسؤولية التنظيف والطبخ بدلا عني
الدنيا تضيق بي ولا أدري ماذا أفعل مع هذا العم الذي تحجر قلبه على الرغم
حاولت إقناعه باستئجار شقة ثانية ليقيم فيها هو والعاملون لديه ولكنه رفض ذلك وعاد ليتهمني بالجحود والرغبة في طرده مع أنه قد رباني وأنفق علي منذ أن كنت صغيرة حتى تخرجت وصرت معلمة أسكت وأبتلع دموعي وحسرتي وشعوري بالظلم والقهر
متنفسي الوحيد
كانت لدي صديقة أتصل بها وأحدثها عن متاعبي، وهي على إطلاع بكل تفصيلات حياتي منذ بدايتها كانت تنصحني باستمرار بأن أرفض استغلال عمي بأي شكل من الأشكال وتحت أي ظرف كانت تقول لي ضعفك هو السبب الوحيد الذي جعل عمك يستغلك، كوني قوية وحددي مصيرك بنفسك
كنت استمع إليها ولا أعرف كيف أصبح قوية فالخوف الذي زرعه عمي بداخلي منذ طفولتي كان قويا لدرجة تمنعني من الوقوف بوجهه ومنعه من استغلالي بهذا الشكل لم أفكر يوما بكسر هذه القيود إلا بعد أن ضاقت حلقاتها وأحسست بأنها ستقتلني، لذلك قررت أن أتمرد على وضعي كله
اتصلت بصديقتي وأخبرتها بقراري فرحبت به فسألتها إن كانت على استعداد لتتحملني أنا وأطفالي لبعض الوقت فأكدت لي رغبتها التامة في مساعدتي
أخذت أطفالي وتسللت هاربة من سجني
بعد مدة بسيطة شجعتني صديقتي على رفع قضية أطالب فيها بالطلاق للضرر، وساعدتني للعودة إلى عملي السابق فتنفست الصعداء وشعرت بأنني أولد من جديد
بعد تركي المنزل غضب عمي غضبا شديدا، وقرر أن يزوج ابنه من إحدى المعلمات انتقاما مني، وأن يتركني معلقة لفترة حتى أتأدب ثم قام برفع قضية نشوز دعاني فيها لبيت الطاعة، وقد رفضت دعواه بعد أن تم الكشف على الشقة والظروف المعيشية غير اللائقه لسكن الزوجة والأطفال
وأخيرا فقد حصلت على حكم بالطلاق فتحررت بشكل نهائي من تلك العبودية البغيضة التي دامت لأكثر من عشرين عاما
بعد ثلاث سنوات من طلاقي عرفت بأن زوجة طليقي إنسانة شريرة وقاسية لعبت دورا كبيرا في حياتهم وكانت السبب في فشل المدرسة وسوء سمعتها مما أدى إلى إغلاقها، وقد أصيب عمي بأمراض متعددة وعرفت بأنه قد ندم على كل ما فعله بي، وأنه أصبح يعاني سكرات الموت
أرسل إلي طالبا رؤيتي ورؤية الأطفال فأخذتهم إليه وأنا مترددة وخائفة تصورت بأنه ربما قد هيأ لي فخا ليعيدني إلى عبوديته، ولكن ما سمعته من أخبار ضعفه ومرضه وقلة حيلته شجعني على دفع التردد
لم أصدق عينيّ هل هذا هو عمي نفسه؟ لم يفت على فراقي له سوى أعوام قليلة فكيف شاخ في هذا الوقت القصير؟ انكسر جبروته وولت هيبته وقوته، هزل جسده، ونحف وجهه بشكل كبير فبدا أنفه بارزا وعيناه غائرتان تحيط بهما هالة سوداء، وكأنه قد مات منذ زمن لولا صوته و حركت عينيه الذابلتين لما تأكدت من أنه لازال حيا بصراحة لا أدري هل سقطت دموعي لحبي له وتعاطفي معه؟ أم سقطت بسبب ذكريات الظلم التي داست على طفولتي وشبابي؟
لم اقترب منه كثيرا واكتفيت بإرسال أولادي ودفعهم للسلام عليه، أخذ يبكي وهو ينظر إلي قائلا سامحيني يا ابنتي لقد آذيتك قلت له سامحتك يا عمي ولم أزد على ذلك شيئا فمد يده وأعطاني شيكا فيه مبلغ كبير من المال وقال هذا مالك الذي تركه لك أبوك
أخذت أولادي وعدت لبيتي وأنا أفكر به، وأقول لنفسي إن سامحته أنا فهل سيسامحه ربه؟ ألم يفكر بمثل هذه الساعة؟ لماذا ظلمني؟ لماذا حبس مالي كل تلك السنين؟ لماذا بخل علي وحرمني من كل شيء؟ لماذا تركني أعيش الذل والحاجة وأنا تحت جناحه يتيمة وضعيفة لا حول لي ولا قوة؟ ألم يفكر بأن الله سيحاسبه على كل ذلك؟ ما فائدة التوبة الآن قبل الموت وقبل الرحيل وفي لحظات الضعف الأخيرة