في عيد جوازنا جوزي وقف قدام كل المعازيم
في ذكرى جوازنا، جوزي أعلن قدام كل الضيوف: "25 سنة كفاية أوي. أنا مش عايز أكمل الجوازة دي، ومش عايز أشوف وشك في الشقة بكرة!" نسي الغبي إن الشقة ملكي أنا. أخدت منه المايك وقلت كلمة خلته مش عارف ينطق.
جوزي دمر جوازنا وكاس العصير في إيده، وابتسامته صفرا تخوف. استنى لحد ما الصالة كلها هديت، وأصحابنا وجيراننا وقرايبنا رفعوا تليفوناتهم عشان يسجلوا "كلمة ذكرى الجواز الرومانسية".
بصلي فريد وقال: "25 سنة كفاية أوي. أنا عايز ننفصل، ومش عايز أشوف وشك في الشقة بكرة".
لمدة تلت ثوانٍ، محدش في القاعة كان بيتنفس.
صالة الرقص في المطعم كانت بتلمع حوالينا، الشموع الدهبي بتترعش على الترابيزات البيضا، وبتاع الكمان وقف في نص المعزوفة. فريد كان واقف بثقة وسط القاعة وبصالي بنظرة انتصار، وكأنه خلاص بقى متحكم في كل حاجة.
في حد ضحك بـ توتر.
وفريد كان مستمتع باللقطة أوي.
رفع كاسه لفوق وقال: "متبقوش مصدومين كدة يا جماعة، إلهام عارفة كويس إن الجوازة دي ميتة من سنين".
بصيت له من آخر الترابيزة الطويلة اللي تورته الذكرى السنوية عليها ومحدش لمسها. تورتة عليها 25 وردة سكر.. وردة لكل سنة طبخت فيها، وسامحت، وسكتت, وابتسمت وسط الإهانات، وسبته يفتكر إن سكوتي ده ضعف.
أختي همست: "إلهام..."
رفعت إيدي براحة.. مش دلوقتي.
فريد قرب من المايك أكتر وقال: "هي هتبقى كويسة، ما هي عندها الهواية الصغيرة بتاعتها.. مكتب الاستشارات ده".
بعض الضيوف داروا وشهم، مكسوفين عشاني.
أخو فريد صقف مرة واحدة وقال: "أخيراً.. جه الوقت".
في اللحظة دي بالذات، في حاجة جوايا هديت تماماً.
ماتكسرتش.. هديت.
فريد كان فاكر إنه رتب لـ إعدامي قدام الناس. عزم كل اللي يهموه عشان يشوفوا فديحتي. هو اللي طلب التورتة، ونقى القاعة، وحجز المصور.. كان عايز صور تذلني.
بس هو نسي حاجة واحدة.
الرجالة اللي من عينة فريد مبيقرأوش الورق اللي بيمضوا عليه.
طبقت المنديل وحطيته جنب طبقي ووقفت.
الجو في القاعة اتقلب.
ابتسامة فريد وسعت وقال: "اوعي يا إلهام.. متخليش المنظر يبقى أوحش من كده".
مشيت ناحيته براحة، وصوت كعبي كان بيرن على الأرض الرخام. كل خطوة كانت واضحة، هادية، وحاسمة.
أخدت المايك من إيد فريد.
عنينا جت في عين بعض.
ولأول مرة الليلة دي، ابتسامته تتهز.
بصيت للضيوف، وبعدين بصيت له.
وقلت بهدوء: "عايزني برة الشقة بكرة؟"
هز راسه وقال: "آه".
ابتسمت.
وقلت: "ده هيبقى صعب شوية.. عشان الشقة دي عمرها ما كانت بتاعتك أصلاً".
القاعة كلها سكتت أكتر، لدرجة إن صوت الهوا في التكييف بقى مسموع. فريد ضحك ضحكة صفرا، وبص لأخوه عشان يستمد منه ثقة، وقال وهو بيعدل جاكت بدلته: "بلاش جنان يا إلهام، وبلاش تفتحي على نفسك فتحة مش هتعرفي تقفليها قدام الناس. الشقة باسمي، والكل عارف كده".
قربت من المايك أكتر، وصوتي طلع هادي، رزين، ومفيهوش أي رعشة خوف. بصيت للمصور اللي
لفيت لفريد وقلت له: "أنا واثقة إنك ناسي، لأنك مابتقرأش غير الأرقام اللي بتدخل جيبك. الشقة اللي إحنا قاعدين فيها، واللي فرشتها بفلوس جهازي وشقايا، كانت باسم والدك الله يرحمه. وقبل ما يموت بـ ست شهور، لما شاف وساختك مع طوب الأرض وخاف عليا وعلى بنتك، كتبلي الشقة دي بيع وشراء رسمي، ومُسجلة في الشهر العقاري".
ملامح فريد بدأت تتغير، واللون هرب من وشه.
كملت وأنا ببص للناس: "مش بس الشقة يا فريد.. فاكر القرض الكبير اللي أخدته من سنتين عشان تكبّر شركتك؟ وإنت بتمضي على ورق الضمان في مكتب الاستشارات 'الصغير' بتاعي، مضيت لي على وصلات أمانة وشروط جزائية برهن الشركتك ومكتبك ليا في حال الإخلال بالسداد. وإنت طبعاً مسددتش ولا مليم من سنة ونص، وكنت بتجدد بـ 'كلمة'.. الكلمة اللي ملهاش لازمة دلوقتي".
أخو فريد وقف، وشه جاب مية لون، وزعق: "إنتي بتقولي إيه يا ست إنتي؟ إنتي هتتبلي علينا؟"
طلعت تليفوني من الشنطة بكل برود، وفتحت الإيميل، وبصيت للمصور تاني وقلت له: "بما إنك شاطر وبتعرض الصور على الشاشة الكبيرة دي.. ارجوك هفتحلك اللينك ده تعرضه للضيوف الكرام عشان يشوفوا عقد البيع المسجل، ووصولات الأمانة، وحكم الحجز التنفيذي اللي طالع على الشركة.. واللي ميعاده بكرة الساعة 10 الصبح".
الشاشة الكبيرة اللي ورايا، واللي كان المفروض يتعرض عليها صور "قصة حبنا"
الهمس في القاعة اتقلب لـ همهمة وصدمة، وأصحاب فريد اللي كانوا بيسجلوا بالفيديو نزلوا تليفوناتهم ومبقوش عارفين يبصوا فين.
بصيت لفريد اللي كان واقف زي الصنم، عرقان، وعينيه بتلف في المكان وكأنه بيدور على مخرج من الكابوس ده.
قربت منه خطوة أخيرة، وطبطبت على كتفه بالراحة وقلت في المايك عشان الكل يسمع: "25 سنة فعلاً كفاية أوي يا فريد. الشنط بتاعتك هتلاقيها بكرة الساعة 9 الصبح قدام باب الشقة.. ده لو لِحقت تاخدها قبل ما المحضرين يشمّعوا شركتك وعربيتك. تشاو يا حبيبي".
سبت المايك في إيده وهو مذهول، وبصيت لأختي وقلت لها بابتسامة حقيقية لأول مرة من سنين: "يلا بينا يا حبيبتي.. السهرة هنا خلصت".
مشيت بثبات ناحية الباب، وصوت كعبي لسه بيرن في القاعة اللي اتعلمت فيها معنى "السكوت"، بس المرة دي كان صوت انتصار. أختي لحقتني وهي ماسكة إيدي بتشد عليها بفخر، والناس وسعت لنا الطريق وكأننا بنشق البحر. العيون اللي كانت من دقيقتين مليانة شفقة وجوع للمصيبة، دلوقتي بقوا بيبصوا لي برعب واحترام.
قبل ما أعدي عتبة القاعة، سمعت صوت حاجة بتتكسر ورايا. لفيت راسي براحة.
كان كاس العصير وقع من إيد فريد واتشظى ميت حتة على الرخام، زي الحكاية اللي عاش ينسجها في خياله بالظبط. هو كان لسه واقف في مكانه، بس ضهره اللي كان مفرود ومغرور انحنى، وشه بقى باهت وكأنه كبر عشر سنين في دقيقة واحدة.
أخوه مسكه من دراعه وبيتكلم بـ زعيق واطي: