في عيد جوازنا جوزي وقف قدام كل المعازيم

لمحة نيوز


وفريد مش بيرد، عينه كانت مثبتة على الشاشة الكبيرة اللي ورايا، بيقرا اسمه المكتوب بخط إيده تحت بنود الرهن والشروط الجزائية.
​المصور، الغلبان اللي فريد جابه عشان يوثق "فديحتي"، وقف مكانه محتار، يبص للكاميرا ويبص للشاشة الكبيرة، لحد ما شاورت له بابتسامة خفيفة، ففهم ونزل كاميرته وفصل الشاشة.
​همست لأختي: "اطلبي أوبر يا منى.. مش عايزة أقف قدام الباب كتير".
منى ضحكت وهي لسه مش مصدقة: "أوبر إيه يا إلهام! ده إنتي تركبي طيارة بعد اللي عملتيه ده! أنتي جيبتيه الأرض يا شيخة!"
​طلعنا في الهوا النقي بتاع الليل. الجو برة كان هادي، عكس البركان اللي سبته جوا. لأول مرة من 25 سنة، حسيت إن الهوا بيدخل صدري بجد، مش كاتم على نفسي. الـ 25 وردة سكر اللي كانوا على التورتة؟ مابقوش يوجعوا. أنا دفعت تمنهم صبر، وأخدت تمنهم حرية وشقة وشركة.
​تليفوني بدأ يرن.. ورا بعض، ورا بعض.
رسايل من قرايبنا، ومكالمات من أصحاب فريد اللي كانوا من شوية بيصقفوا له. طبعاً، عايزين يلحقوا مكانهم في المركب الجديدة، وعايزين يعرفوا تفاصيل "السبق" اللي حصل.
​عملت التليفون "صامت" وحطيته في الشنطة.
​العربية وصلت، ركبنا وأنا ببص من الشباك على أنوار المحلات والشوارع. بكرة الساعة 10 الصبح، مكتب الاستشارات "الصغير" بتاعي هيتحول لأكبر كابوس في حياة فريد وأخوه. وبكرة، الشقة اللي حاول يطردني منها، هتنور بأمان حقيقي، لأول مرة من ربع قرن.
​لفيت وشي لمنى وقلت لها: "عارفة يا منى؟ أنا جعانة أوي.. ما تيجي ناكل بيتزا؟"
منى بصت لي وفتحت بقها من الصدمة، وبعدين فجأة انفجرت في الضحك لدرجة إن دموعها نزلت. سألتني وهي بتمسح عينيها: "بيتزا يا إلهام؟ الراجل جاله جلطة جوة وأنتي بتفكري في البيتزا؟"
​قلت لها وأنا ساندة راسي

على شباك العربية وببتسم: "آه طبعاً.. أنا بقالي أسبوعين مباكلش من التوتر عشان الترتيبات تطلع بالمسطرة، والنهاردة قعدت أربع ساعات عند الكوافير عشان الهانم تطلع بالمنظر اللي يوجع قلبه ده.. من حقي أتعشى!"
​طلبنا البيتزا ووصلنا البيت.. شقتي.
​لأول مرة وأنا بفتح الباب بالمفتاح، محستش بالثقل اللي كنت بحسه كل يوم. دخلت، قلعت الكعب العالي اللي تعب رجلي، ورميت الشنطة على أول كرسي. الصالة كانت هادية، مفيهاش صوت فريد وهو بيتحكم، ولا انتقاداته اللي مابتخلصش، ولا نظرته اللي كانت دايماً بتحسسني إني ولا حاجة من غيره.
​قعدنا في البلكونة، الهوا كان يرد الروح. فتحنا علب البيتزا وأكلنا بنهم وكأننا مأكلناش من سنين.
​على الساعة 2 بعد نص الليل، الباب خبط. خبطات ورا بعض، سريعة، ومتوترة، وفيها قلة حيلة.
​منى وقفت بسرعة وخوف: "ده أكيد هو.. هنعمل إيه؟"
قلت لها ببرود وأنا بشرب بوق مية: "اقعدي كملي أكلِك.. وماتتحركيش".
​قمت وقفت ورا الباب المقفول، ومفتحتش السلسلة حتى. قلت بصوت عالي وواضح: "مين؟"
جالي صوته من برة، مكسور، ومبحوح، ومفهوش ريحة القوة بتاعة زمان: "إلهام.. افتحي.. إحنا لازم نتكلم، اللي حصل جوة ده مينفعش.. الناس كلها بتتكلم عليا!"
​ابتسمت ورا الباب وقلت له: "مفيش كلام بيننا يا فريد. الورق اللي اتعرض على الشاشة جوة ده، المحامي بتاعي هيحركه رسمي الصبح. والشنط بتاعتك، زي ما قلتلك، هتلاقيها قدام الباب الساعة 9.. ودلوقتي امشي، عشان لو الخبط ده استمر دقيقة كمان، هطلبلك شرطة النجدة بتهمة التعرض والبلطجة، وإنت عارف إن مكتب الاستشارات بتاعي علاقاته كويسة أوي.. بلاش تبات في القسم ليلة الإعدام بتاعتك".
​سكت تماماً.. سمعت صوت نفسه العالي ورا الباب، وصوت خطواته وهو بيتراجع
ببطء لورا، لحد ما ركب الأسانسير والمكان رجع هادي تاني.
​رجعت قعدت في البلكونة، وبصيت للسما.
​بكرة الصبح، الشمس هتطلع على حياة جديدة تماماً. حياة أنا اللي كاتبة سيناريوها، وأنا اللي بطلتها، ومفيش فيها مكان لأي كومبارس يفتكر نفسه مخرج. نمت الليلة دي أعمق نومة نمتها في حياتي.. نومة الست اللي عرفت تاخد حقها، وتنهي الـ 25 سنة، بنقطة ومن أول السطر.

 

صحيت الصبح قبل المنبه.. الساعة كانت 7.
​فتحت عيني على الشمس وهي داخلة الأوضة، وحسيت بنشاط مالي جسمي بقالي سنين محستش بيه. قمت عملت فنجان قهوة مظبوط، ووقفت في البلكونة أشربه وأنا بتابع الشارع وهو بيصحي. الجو كان هادي، بس أنا كنت عارفة إن الإعصار هيبدأ كمان ساعتين.
​على الساعة 8:30، منى صحيت وخرجت وهي بتفرك في عينيها: "إيه يا لومة؟ صحيتي؟ أنا منمتش طول الليل من كتر التفكير.. أنتي بجد هتعملي إيه كمان شوية؟"
​ابتسمت وأنا بشرب آخر بوق في القهوة وقلت لها: "كل خير يا منى.. البسي عشان المحامي زمانه على وصول، وعايزاكي تقفي معايا وإحنا بنطلع الشنط".
​بالثانية، الساعة 9 الصبح، الباب خبط. فتحت وكان أستاذ عاصم، المحامي بتاعي، ومعاه اتنين عمال. سلم عليا باحترام وقال: "جاهزين يا مدام إلهام؟ كل الأوراق جاهزة، وقوة التنفيذ هتتحرك على الشركة الساعة 10 بالدقيقة".
​شاورنا للعمال، ودخلوا الأوضة اللي فريد كان مجمع فيها لبسه وحاجته. كنا مجهزين أربع شنط كبار من بالليل، طلعناهم وحطيناهم برة الشقة، مصفوفين جنب الحيطة بالمسطرة. مفيش فيهم ورقة واحدة تخص الشغل أو البيت، لبسه وبس.
​على الساعة 9:30، سمعنا صوت الأسانسير بيفتح.
​خرج فريد.. وشه كان دبلان، وعينيه حمرا ومنتفخة من قلة النوم، والبدلة اللي كان لابسها إمبارح مبهدلة وكأنه

نام بيها. أول ما شاف الشنط محطوطة برة، وقف مكانه واتسمّر. بص للشنط، وبعدين بصلي وأنا واقفة في فتحة الباب وعاصم المحامي جنبي.
​قرب بخطوات بطيئة، وبص لعاصم وقال بصوت مرعوب: "أستاذ عاصم.. أرجوك، قول لإلهام تعقل. إحنا بيننا عشرة 25 سنة، مينفعش اللي بتعمله ده.. الشغل هيروح، والشركة دي شقا عمري!"
​عاصم رد عليه بجمود مهني: "شقا عمرك إنت؟ ولا شقا فلوس مدام إلهام وقرض الضمان اللي مضيت عليه بمحض إرادتك؟ الكلام ده كان ينفع قبل ما تِشهد عليك القاعة كلها إمبارح يا أستاذ فريد. إحنا حالياً بننفذ القانون".
​فريد بصلي، ولأول مرة أشوف في عينيه نظرة رجاء حقيقية، مفيهاش ذرة الكبرياء الكداب بتاع زمان. قال بصوت واطي: "إلهام.. عشان خاطر بنتنا.. بلاش تخربيها فوق دماغي ودماغك".
​ضحكت ضحكة خفيفة، بس كانت حاسمة: "بنتنا؟ إنت فاكرها دلوقتي بس؟ بنتنا اللي واقفت معاها ودعمتها في دراستها وسفرها وإنت كنت دايماً شايف إن البنت ملهاش غير جوازة والسلام؟ بنتنا فخورة بأمها يا فريد، وهي أول واحدة كلمتني إمبارح بعد ما شافت الفيديو وقالت لي: 'برافو يا ماما، أنتي اتأخرتي أوي في الخطوة دي'".
​قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه المكسورة وقلت له: "إنت اللي خربتها يوم ما افتكرت إن أدبي وصبري على قلة أصلك ضعف. شيل شنطك يا فريد.. وماتضيعش وقتك هنا، لأن المحضرين زمانهم بيقفلوا مكتبك بالشمع الأحمر دلوقتي.. اتفضل".
​وقف ثواني، كأنه مش مستوعب إن دي "إلهام" الست الهادية الطيبية اللي كانت بتعدي له كل حاجة. وطى بظهر منحني، وأخد أول شنطتين ودخل بيهم الأسانسير وهو مش قادر يبص في وشي.
​قفلت الباب ورايا، ولفيت لمنى وعاصم وقلت بنبرة مرتاحة: "كده الصفحة دي اتقفلت تماماً.. يلا بينا على المكتب يا أستاذ عاصم،
ورانا مستقبل جديد لازم نربّع فيه رجلينا".

تم نسخ الرابط