أنا اسفه يا بابا

لمحة نيوز

مرة يشوفها بجد.
فريدة كانت لافة الفوطة حوالين جسمها الصغير، وقاعدة على طرف الكرسي بخوف، ماسكة الكوباية الدافية بإيديها المرتعشة، وكل شوية تبص ناحية باب المطبخ كأنها مستنية حد يدخل يزعق لها أو يضربها.
سليم قلبه كان بيتقطع.
قرب منها ببطء، ونزل لمستواها وقال فريدة
مين عمل
في إيدك كدة؟
البنت خبّت إيديها فورًا ورا ضهرها، بعفوية الأطفال اللي اتعودوا يستخبوا من العقاب.
همست مفيش يا بابا أنا وقعت.
سليم مسك نفس طويل بالعافية.
الكذبة دي سمعها قبل كدة كتير من موظفين مضروبين. ومن ستات معذبة. ومن أطفال اتربوا على الخوف.
بس عمره ما تخيل يسمعها من بنته.
قال بحنان بصيلي يا حبيبتي أنا مش هسيب حد يزعلك تاني.
وفجأة
صوت كعب عالي ضرب في أرضية الرخام.
وبعدها صوت ست صارم الزبالة اترمت ولا لسه؟!
فريدة انتفضت كلها.
الكوباية وقعت من إيدها واتكسرت.
وشها بقى أبيض كأن الدم اختفى منه.
وسليم لف ببطء ناحية الباب.
نجوى كانت واقفة.
ست في آخر الأربعينات، شعرها مربوط بقسوة، وعينيها ناشفين بشكل يخوف، ولابسة يونيفورم شغالات نضيف زيادة عن اللزوم.
أول ما شافت سليم
اتجمدت.
ثانية واحدة بس.
وبعدين رسمت على وشها ابتسامة مصطنعة سليم بيه! حضرتك رجعت؟ يا ألف حمد لله على السلامة.
سليم مردش.
كان بيبصلها بس.
النظرة
اللي تخلي أقوى راجل يتوتر.
نجوى حاولت تضحك البنت كانت بس بتتعلم النظام والمسؤولية، أصل حضرتك مدلّعها زيادة شوية.
فريدة بدأت تعيط بصوت مكتوم أنا والله مسحت الحمامات كلها والله ما كنت بلعب.
سليم بص لبنته وبعدين رجع بص
لنجوى.
وقال بهدوء مرعب طلعي برة.
نجوى ارتبكت أفندم؟
قولت اطلعي برة المطبخ.
لأول مرة، الست خافت فعلًا.
لكنها حاولت تستعيد قوتها حضرتك أكيد فاهم غلط، دي بنت عنيدة جدًا ولو متشدتش شوية
سليم ضرب بإيده على الرخامة.
الصوت دوّى في المكان.
فريدة شهقت بخضة.
أما نجوى فسكتت تمامًا.
قال وهو بيكز على سنانه أنتِ حبستي بنتي في مخزن ضلمة؟
نجوى بلعت ريقها كان عقاب بسيط عشان تسمع الكلام.
جوعتيها؟
لا طبعًا، بس الطفل لازم يعرف قيمة النعمة.
خليتيها تنظف الحمامات على ركبتها؟
عشان تتربى وتبقى قوية.
سليم ضحك ضحكة قصيرة بس كانت مرعبة.
الضحكة بتاعة راجل وصل لمرحلة أخطر من الغضب.
قال أنا سايب بنتي مع شغالة تطلعلي سجّانة؟
نجوى بدأت تتراجع حضرتك لازم تفهم إن أمها لما ماتت البنت باظت نفسيًا، وأنا كنت بحاول أربيها.
الكلمة نزلت على فريدة كالقلم.
البنت وطت راسها بسرعة كأنها صدقت فعلًا إنها بايظة.
وسليم شاف اللحظة دي.
شاف إزاي بنته بقت مصدقة إنها عبء.
وفجأة
فريدة قالت بصوت مرتعش أنا
هبقى شاطرة يا بابا والله هبقى شاطرة.
سليم حس قلبه بيتقطع.
جري عليها وشالها .
وقال أنتِ مش محتاجة تبقي شاطرة عشان تتحبي يا فريدة أنتِ بنتي.
وبس.
البنت انفجرت في العياط.
العياط اللي كان محبوس شهور.
بعد ساعة
الفيلا كلها كانت مقلوبة.
سليم استدعى الأمن.
والمحامي.
وكل العاملين.
ولما بدأ يراجع كاميرات البيت
الحقيقة طلعت أبشع من الخيال.
نجوى كانت بتمنع فريدة من الأكل بالساعات.
كانت بتحبسها في المخزن فعلًا.
وكانت تصورها وهي بتنضف وتبعتها لحد على تليفونها.
لكن الصدمة الأكبر
إن الشخص اللي كانت بتبعت له الفيديوهات كان هالة أخت سليم.
أخته الكبيرة.
الوحيدة اللي وثق فيها بعد موت مراته.
سليم وشه اسود وهو بيشغل التسجيلات.
صوت هالة كان واضح اكسرّي دلعها البت دي لو فضلت مدلعة هتاخد كل حاجة لما تكبر.
وفي فيديو تاني خليها تخاف منك الخوف بيكسر العيال أسرع.
إيد سليم اتكلبت على التليفون لدرجة إنه كان هيكسره.
طلع على أوضة أخته اللي كانت قاعدة فيها في جناح الضيوف، وفتح الباب بعنف.
هالة قامت مفزوعة فيه إيه؟
رمى التليفون قدامها.
الصوت اشتغل.
ووشها اصفرّ.
قال بصوت منخفض أنتِ عملتي إيه في بنتي؟
هالة حاولت تتماسك أنا كنت بحميها! البنت كانت هتطلع ضعيفة ومدلعة زي أمها!
أمها كانت أطيب منك بمليون
مرة.
الكلمة ضربتها.
لكنها صرخت فجأة وأنا؟! أنا اللي فضلت جنبك بعد موتها! أنا اللي سبت بيتي
وجيت أخدمك وأربي بنتك!
سليم قرب منها خطوة أنتِ كنتِ بتعذبيها.
هالة دموعها نزلت بعصبية عشان كنت خايفة عليك! كل فلوسك وثروتك هتروح للبنت دي! وهتفضل طول عمرك عبد لطفلة!
سليم سكت ثواني.
وبعدين قال الجملة اللي أنهت كل حاجة ومن النهاردة لا أنتِ أختي، ولا دي بيتك.
الشرطة خدت نجوى بعد ما اكتشفوا آثار تعنيف وإهمال.
وهالة خرجت من الفيلا في نفس الليلة.
وسليم
فضل صاحي جنب سرير بنته لحد الفجر.
فريدة كانت نايمة وهي مكلبشة في قميصه بإيديها الصغيرة، كأنها خايفة يصحى الحلم ويختفي.
وفي نص الليل
صحيت مفزوعة.
صرخت أنا خلصت المسح والله!
سليم ششش خلاص يا حبيبتي، مفيش حد هيزعقلك.
بصت له بدموع بجد؟
قال وهو بيعيط لأول مرة من سنين أقسم بالله.
الأيام عدت.
وفريدة بدأت ترجع طفلة تاني.
رجعت ترسم.
وتضحك.
وتجري في الجنينة.
وفي يوم، سليم رجع من الشغل بدري.
فتح باب الفيلا
فلقى فريدة جارية عليه بأقصى سرعتها.
وهي بتضحك بابا جه!
شالها ولف بيها وهو مغمض عينيه.
البيت أخيرًا رجع فيه روح.
ولما الخدامة الجديدة سألت فريدة بحنان تحبي تاكلي إيه يا حبيبتي؟
البنت بصت لسليم الأول بتردد.
كأنها لسه مستنية الإذن إنها تبقى
طفلة.
فسليم
ابتسم وقال البيت ده بيتك والأكل أكلك والعمر كله عمرك يا قلب بابا.
وفريدة كأنها أخيرًا صدقت إن الجحيم خلص.

تم نسخ الرابط