مزقت أختي صكا حكوميا بقيمه خمسه ملايين ريال ( حكايات محمد نور )
في الهواء، فهبطت المزايا حولنا، وسقطت على حذائي، وعلى حقيبة ابني، وعلى الرخام المصقول.
قالت هذا هو المكان الذي تنتهي إليه الأوراق العادمة.
جثا ابني على ركبتيه وبدأ يجمع القطع، وكانت يداه الصغيرتان تتحركان بلهف على الأرض لمحاولة تجديد الأطراف الممذوقة.
مددت يدي ورفعته فوراً، وهمست لا يا بني نحن لا نجثو لهذا.
احتضنته بشدة ونظرت خلال الصورة المصقولة التي صنعتها نادين لنفسهاتجاوزت البدلة، والعطر، واللوحة النحاسية على باب مكتبها.
قلت لها لقد أنهيت مسيرتك المهنية لتوك يا نادين.
لم يرتفع صوتي، وبقيت يداي ثابتتين.
نظرت إلي لثانية واحدة، ثم أمسكت بسمّاعة الهاتف وأمرت الأمن بالاتصال بالشرطة.
تقدم رئيس حراس الأمن، مروان، من أقصى البهو. كان رجلاً ضخماً مهاباً ذا رأس محلوق ومعدات ثقيلة معلقة بحزامه، وكان طريقتة توحي بأنه يستمتع باستخدام منصبه لتخويف من يبدون أقل قوة.
أخرج زوجاً من القيود الحديدية وتقدم نحونا دون أن يفحص هويتي أو يسأل سؤالاً واحداً.
ضعي يديك خلف ظهرك!
قلت له هويتي ووثائق الاعتماد على المنصة. لا تقترب من طفلي بتلك القيود.
تجاهلني.
بقي ابني ملتصقاً بساقي وهو يبكي
مد مروان يده بإهمال، ودفع القيود بقرب شديد من وجه الصبي؛ فانتفض ابني عائداً الى الخلف، ومر الحديد على بعد أنملة من وجنته.
في أقل من ثانية، دفعت معصم مروان للأعلى، واخترقت مركز ثقله، وأسقطته على ركبة واحدة بحركة ثابته.
ثم تركته فور زوال الخطر المباشر، ودفعت القيود بقدمي بعيداً، ورفعت يدي كلتيهما أمام أعين الحضور.
قلت بوضوح لتسجيل الكاميرات لقد حميت طفلي فحسب.
شكل الحراس الآخرون نصف دائرة حولنا، وبعضهم يحمل أجهزة كهربائية مستعدة.
وقفت بينهم وبين طفلي.
خلف المنصة، كانت مي تبكي بصمت؛ كانت تبدو كأنها تمقت نفسها لأنها لم تفعل المزيد، رغم أنها أظهرت نزاهة أكبر من أي شخص آخر في القاعة.
6. زلزال يضرب البنك
في تلك اللحظة، انفتحت الأبواب الأوتوماتيكية.
دخل سليمان الباشا، رئيس مجلس إدارة بنك المشرق ومديره التنفيذي.
تبعه أربعة أعضاء من الفريق القانوني للبنك، يرتدون بدلاً داكنة ويحملون حقائب جلدية مختومة بالشعار الذهبي للمؤسسة.
لم يكن قادماً في زيارة تفقدية روتينية، بل جاء لإتمام عقد وزارة الدفاع المبالغ حجمه سبعمائة وخمسين مليون ريال.
كانت الاتفاقية حيوية ل بنك المشرق؛ إذ كانت أسهمه تتردى منذ أشهر، وكان من الممكن لبرنامج التقاعد والإسكان الحكومي أن يعيد ثقة المستثمرين، ويثبت المعيار المالي للمؤسسة، ويفتح الباب لعقود حكومية تمتد لعقود.
قضى سليمان ستة أشهر في مفاوضات مع المسؤولين في العاصمة.
توقف رئيس المجلس عند المدخل، وتنقلت عيناه في البهو رأى قطع الصك الممذوقة، ورأى رجال الأمن يوجهون أدواتهم نحو امرأة وطفل، ورأى الهواتف المرفوعة.
غطت إحدى الصرافات فمها، وأخفض عدة عملاء هواتفهم.
وبدأت نادين تتنفس بسرعة، ثم هرعت نحو سليمان بابتسامة مرتبكة أستاذ سليمان، الحمد لله أنك هنا! لقد اعترضت امرأة تحاول إيداع أموال مزورة، وقد أصبحت عدوانية عندما حاولنا
مشى سليمان متجاوزاً إياها دون أن يلتفت الى إفادتها.
اقترب مني، وتوقف على مسافة احترام، ونظر الى وجه ابني الذي تملؤه الدموع.
ثم حنى رأسه سعادة العميد ريم أنا آسف أبلغ الأسف.
توقفت نادين في مكانها، وسقطت الابتسامة عن وجهها.
التفت سليمان نحوها، وكان صوته هادئاً ولكنه حاد كالشفره أمرت الأمن باحتجاز ممثلة حكومية رفيعة أمام طفلها! خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد و جروب روايات محمد نور وسمحت لحارس بالاقتراب من طفل بطريقة طائشة! ومزقت وثائق رسمية بينما العملاء يصوّرونك!.
الهواتف التي كانت موجهة نحو الاحتيال المزعوم صارت الآن تسجل انهيار مديرة الفرع.
ابتعد الناس عن نادين كأن الابتعاد قد يمحو مشاركتهم، وتراجع سعدالرجل الذي سخر من ابنيخلف مجموعة من العملاء محاولاً الاختفاء.
نظرت الى سليمان الباشا يجب إيقاف نادين ومروان عن العمل فوراً، وسحب بطاقات دخولهما، وحفظ جميع تسجيلات الكاميرات، وتسليمهما للجهات المختصة للتحقيق.
هز سليمان رأسه موافقاً.
تم احتجاز نادين ورئيس الأمن في المكتب الخاص لحين وصول الشرطة العسكرية والأمن العام. شملت التهم البلاغ الكاذب، وإتلاف أملاك حكومية، والسلوك الطائش حول طفل، وتهديد موظفة.
احتجت نادين باكية، وادعت أن هناك سوء فهم، وأنها عملت تحت الضغط لحماية البنك.
لكن سوء الفهم ينتهي عندما تقدم الأدلة وقد قدمت لها الأدلة، فاختارت الإهانة.
7. الحساب والشروط الخمسة
في تلك الليلة، اصطفت سيارات البث المباشر والصحافة خارج بيتنا الخشبي البسيط في وادي النخيل.
أغلقت الستائر.
نام ابني أخيراً وهو يضم حقيبته ذات الديناصور الى صدره، وكانت عيناه منتفختين من البكاء.
جلست وحدي في المطبخ؛ كانت الساعة القديمة فوق الموقد تقطع الصمت.
سترتي المبذولة معلقة على الكرسي ذاته الذي وقفت بجانبه قبل سنوات حين أعلن زوجي رحيله.
وعلى الرف فوق الحوض، كانت هناك صورة ممطرة لي ول نادين في طفولتنا؛ كنا في السادسة والتاسعة، كانت تضع ذراعها حول كتفي وكنا نضحك.
سحبت الصورة ووضعتها مقلوبة على الطاولة
في الصباح التالي، عقد اجتماع طارئ في المقر الرئيسي ل بنك المشرق.
قدم لي أعضاء مجلس الإدارة ملفاً يحتوي على أوراق تسوية وتعويضات شخصية بمبالغ ضخمة تكفي لشراء منازل وأراض، آملين أن أوقع عقد التقاعد وأصدر بياناً للعفو ينهي الحملة الشعبية ضد البنك.
دفعت الملف عائداً عبر الطاولة.
قلت أنا لا أبيع صمتي.
قال سليمان سعادة العميد، نحن نحاول إصلاح الأمر.
أنتم تحاولون إيقاف الخسائر المالية.
ثم وضعت شروطي الخمسة لاعتماد العقد
1. إصلاح النظام إلغاء سياسة التمييز في المعاملة بين ما يسمى كبار العملاء والعملاء العاديين في جميع الفروع.
2. قنوات الشكاوى إنشاء آلية مستقلة للشكاوى لا تدار من قبل مدراء الفروع الذين قد يتسلطون على العملاء أو الموظفين.
3. مراجعة السجلات إجراء مسح شامل لكل الموظفين الذين همشتهم أو طردتهم نادين خلال فترة إدارتها، وتعويض المظلومين.
4. ترقية مي كانت الموظفة الوحيدة التي حاولت أن تتصرف بنزاهة. واشترطت ترقيتها الى نائبة مدير الفرع، وتقديم برنامج تدريبي إداري لها، وتكفل البنك بمصاريف دراستها للإدارة المالية.
5. صندوق عمر إنشاء صندوق عمر للمنائح الدراسية، بحيث يقتطع جزء ثابت من أرباح البنك السنوية لتمويل المنح الجامعية لأبناء العسكريين الذين قضوا أو أصيبوا في سبيل الوطن.
أخرج أحد أعضاء المجلس نظارته هذه الشروط تتطلب إعادة هيكلة كبيرة!.
أجبته نعم، وهذا هو المطلوب.
8. النهاية والتغيير
بعد ثلاثة أشهر، عدت أنا وابني الى الفرع ذاته.
كنت أرتدي السترة العسكرية المبذولة ذاتها، والحذاء ذاته، وكان ابني يحمل الحقيبة التي تزينها رسمة الديناصور.
دخلنا عبر الأبواب الزجاجية ذاتها.
هذه المرة، كانت هناك لوحات نحاسية مصقولة تكرم العسكريين المرابطين تزين الجدران الرخامية. وقرب المدخل، وُضع مكتب خاص لمساعدة الممكنين وأسر الشهداء والمحاربين.
وخلف منصة الصرافين، علقت نسخة ممطرة من التزام الخدمة الجديد للبنك، وكتبت عليها كلمات بسيطة
كل شخص يدخل هذه المؤسسة سيعامل بكرامة واحترام، قبل أن يعرف حجم ثروته أو منصبه أو مظهره.
وقفت خلف المنصة ببدلة رمادية أنيقة مي؛ وكان بطاقتها الجديدة تحمل صفة نائبة مدير الفرع.
حين رأتنا، وضعت يدها على فمها، وامتلات عيناها بالدموع. خرجت من خلف المنصة ووقفت أمام ابني.
قالت له أنا أذكر حقيبتك.
نظر الى الديناصور صديقي هو الذي رسمها.
إنها حقيبة فريدة لا مثيل لها.
فابتسم.
ما حدث في ذلك البهو علم ابنيوذكرني أنا أيضاًأن القوة الحقيقية لها غاية مختلفة تماماً
القوة ليست
مخلوقة لإهانة من استخفوا بك، ولا لشحذ المشاعر انتقاماً بعد أن تتحول الكفة لصالحك القوة الحقيقية هي أن تكون درعاً يقي المستضعفين الذين لا يستطيعون حماية أنفسهم، وأن تمنح الموظفين الصادقين الشجاعة للتكلم، وأن تجبر الأنظمة العمياء على رؤية الإنسان.
لم أكن أستطيع محو ما شاهده ابني، ولا إعادة اختي التي ذكرتها من الطفولة، ولا إلغاء صوت الصك الممذوق لكنني كنت أستطيع تحديد ما سيحدث بعد ذلك.
تلك هي المسؤولية التي تضعها القوة في أيدينا ليست الانتقام، ولا التصفيق بل التغيير.
عندما خرجت أنا وابني من الفرع، جذب كمي برفق أمي؟
نعم يا حبيبي؟
هل ما زلنا نستطيع شراء القصص المصورة؟
نظرت نحو المكتبة في طريقنا المهمة لم تنته بعد بدونها!.
فابتسم ابتسامة عريضة.
مشينا ثلاثة شوارع، واشترينا القصص المصورة، وأنهينا اليوم في مطعم المشويات القريب من الجسر.
أكل ابني البطاطا الحلوة وهو يقرأ الصفحة الأولى من قصته الجديدة، وللمرة الأولى منذ دخولنا البنك، استرخى كتفاه.
نظرت إليه وهو يقلب الصفحات، وأدركت أن العدالة لا تكمن في رؤية سقوط من ظلمك بل في التأكد من أن عدداً أقل من الأبرياء سيتعرضون للظلم بعد أن أصبحت لديك القدرة على إيقافه.