اتجوزت عليها في السر ( حكايات مني السيد )

لمحة نيوز

البنك باعتلك إنذار بالتحفظ على الشركة وعلى الشقة دي وعلى حساباتك!
صرخت فيها وأنا مش قادر أستوعب
إنتِ بتقولي إيه يا ماما؟! شقة إيه وشركة إيه؟! الشقة دي ملكي أنا! والأرض دي بتاعتي!
طلعت أمي ورقة تانية من جنبها وقالت وهي بترميهالي
الشقة دي كتبت نصها لمنى من سنتين لما إنت اتزنقت في شرط جزائي مع العميل السعودي وهو هدد يسجنك! إنت نسيت إنك بصمتها على مبايعة بنصف الشقة في مقابل إنها تبيع أرضها في الساحل وتسدد الشرط الجزائي عنك؟ إنت نسيت ولا عقلك طار مع الست هدى؟!
جمعت أطراف الورق اللي متطور على الأرض.
السطور كانت بتجري قدام عيني زي الكابوس.
عقد الشقة.. إخطارات البنك.. حكم الطلاق النهائي.. وتقارير طبية!
لحظة..
تقارير طبية إيه؟
مسكت الورقة الأخيرة. كانت تقرير طبي صادر من مستشفى كبير في المعادي، باسم منى عبد الرحمن.
التاريخ من شهرين فاتوا.. يعني وأنا في عز العسل مع هدى في إسكندرية!
قريت التشخيص.. وعينيا اتسعت من الهول.
ورم خبيث في الرحم.. يتطلب تدخل جراحي عاجل واستئصال كامل.. مع جلسات كيماوي.
الورقة اتهزت في إيدي.
إيه.. إيه ده؟ منى.. منى عيانة؟
أمي غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط.. دموع حقيقية المرة دي، دموع قهر وحسرة
منى كانت بتصارع السرطان لوحدها يا أحمد.. أربع شهور! أربع شهور بتروح الجلسات لوحدها، بتركب التاكسي وهي بترجع بعد الكيماوي عشان تطبخلي وتغسل رجلي وتحطلي المرهم! كانت بتيجي من المستشفى وشها أصفر زي الليمونة، وتقولي يا ماما أحمد مضغوط في شغل إسكندرية مش عايزة أشغله ولا أوجع دماغه!
غمضت عيني بعنف.
مش قادر أتنفس.
الصورة وضحت.. الأطباق المتكومة، علب الأدوية المفتوحة، ريحة المطهر والأعشاب القديمة..
دي ما كانتش إهمال من منى! دي كانت آثار معركتها الأخيره مع المرض ومع الخيانة!
أمي رفعت راسها وقالت وهي بتبصلي بقرام
ولما عرفت إن الشغل اللي إنت مضغوط فيه هو جوازك من هدى.. لما وصلتها الصور وهي قاعدة في صالة الانتظار بتستني دورها في الكيماوي.. عارف عملت إيه؟
سكت.. الدموع بدأت تتجمع في عيني لأول مرة.
ما صرختش.. ولا اتصلت بيك تعاتبك.. قامت بالبرازوليا بتاعتها، راحت للمحامي، سحبت التمويل، رفعت قضية الطلاق للضرر وأرفقت صور جوازك، وحجزت على حساباتك.. ورجعت البيت هنا، حطتلي أدوية الأسبوع كله، وبستني في دماغي وقالتلي سامحيني يا ماما، أنا عملت كل اللي أقدر عليه.. بس طاقتك وطاقتي خلصوا عند أحمد.
مسكت تليفوني بحديد، أيديا كانت بترتجف لدرجة إني ما كنتش عارف أفك الرمز.
كتبت رقمها واتصلت.
الرقم الذي طلبته قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة حالياً..
جربت تاني.. وتالت.. ورابع.
نفس الرسالة الصوتية الميتة.
جريت على الأوضة، فتحت الدواليب زي المجنون.
كل حاجة تخصها اختفت. الهدوم، العطور، الكتب اللي كانت بتقرأها لي بالليل.. حتى صور زفافنا اللي كانت متعلقة فوق السرير شالتها، وسبت بدالها المسمار الصدي بياكل في الحيطة.
بصيت للسرير.. افتكرت إني كنت بنام هنا وهي جنب تسهر تقرأ أو تبصلي بحب.
وافتكرت إني في الأربع شهور اللي فاتوا، كنت بفرش لهدى بالورد وأجيب لها هدايا بآلاف الجنيهات من فلوس منى!
طلعت للصالة تاني وأنا بصرخ في أمي
هي فين يا ماما؟! راحت فين؟! بيت أهلها في المنصورة؟ راحوا فين؟!
أمي قالت بجمود
أهلها باعوا بيت المنصورة من شهر فات، وسافروا بيها بره مصر عشان تكمل علاجها.
سافروا فين؟! أنهي بلد؟!
ما قاليش.. وأخوها حذرني إني أقولك لو عرفت. قال إنك بالنسبة لمنى بقيت مجرد ورم تاني هي استأصلته من حياتها!
قعدت على الأرض عند رجلي أمي.. الفلوس، الساعة، الهدايا، هدى، الشقة، الشركة.. كل حاجة تلاشت في لحظة.
أنا ما خسرتش مراتي بس.. أنا اكتشفت إني كنت عايش في وهم كبير، إني كنت شايف نفسي البطل، وأنا في الحقيقة كنت الجاني اللي دمر كل حاجة بجهله وأنانيته.
فجأة، جرس الباب رن.
رنة متواصلة ومزعجة.
قمت ببطء، فتحت الباب وأنا متوقع ألاقي محضر المحكمة أو رجال البنك.
بس اللي كان واقف بره.. كانت هدى.
هدى.. لابسة نظارة شمسية كبيرة، وواقفة ماسكة شنطة إيدها الغالية، ووراها راجلين شايلين شنط سفر ضخمة!
بصتلي بسعادة وقالت بصوت عالي
أحمد حبيبي! المالك بتوع الشقة الإيجار في إسكندرية جه وطردنا عشان الإيجار متأخر بقاله شهرين وإنت ما دفعتش! فقلت أجيب حاجتي وأجي أعيش معاك هنا في بيتك الرئيسي بقى.. إيه ده؟ مالك باصصلي كده ليه؟!
بصيت لهدى.. وبعدين بصيت لأمي اللي كانت قاعدة ورايا وبتضحك بصوت واطي وموجوع.
هدى دخلت الشقة خطوتين، وبصت للكركبة والريحة، وقالت بقرف
إيه القرف ده يا أحمد؟ هي فين مراتك الأولى دي ما بتنضفش ليه؟ وتكونش العجوزة دي أمك؟ ما قلتليش إنها قاعدة معاك هنا!
في اللحظة دي بس.. حسيت إن السقف بيقع فوق دماغي.
الست اللي أنا بعت عشانها عمري وهي منى.. اتطلقت مني وأخدت كل حاجة، والست اللي أنا تجوزتها في السر وجبت لها ساعات ب 120 ألف جنيه.. جاية دلوقتي تطالب بحقها في البيت اللي خلاص بقى مهدد بالحجز من البنوك!
وقفت قدام هدى وأنا مش قادر أجمع كلامي.. بس قبل ما أنطق، أمي رفعت صوتها من جوه وقالت
ادخلي يا حبيبتي ادخلي.. الشقة شقتك، والديون ديون جوزك.. وتعالي وريني هتعرفي تأكليه منين لما البنك يجي ياخد الساعتين اللي في إيديه!
هدى تجمدت مكانها وبصتلي بصدمة
ديون إيه وبنك إيه يا أحمد؟! أنت مش قلتلي إنك رجل أعمال وعندك ملايين في البورصة؟!
فتحت بوقي عشان أرد.. لكن التليفون في جيب بنطلوني هز.
رقم غريب.. دولي.
رفعت التليفون بلهفة ورجفة
ألو؟
صوت راجل هادي ورزين جاني من الناحية التانية
أحمد محمود؟
أيوه.. مين معايا؟
أنا الدكتور سامح.. الطبيب المتابع لحالة أستاذة منى في ألمانيا.
قلبي نط من مكانه
منى؟! منى عاملة إيه يا دكتور؟! هي كويسة؟! إديهالي أكلمها بالله عليك!
الدكتور سكت لحظة.. السكوت ده كان أطول وأرعب لحظة مرت عليا في حياتي.
وبعدين قال بنبرة جافة
أستاذ أحمد.. المدام منى سابتلي الرسالة دي ورغبت إني أبلغهالك أول ما تعدي مرحلة الخطر في العملية الأولى.. أقولك اللي فيها؟
قول يا دكتور.. قول أرجوك!
الدكتور بدأ يقرأ من ورقة قدامه، وصوت منى كان بيتردد في ودني مع كل كلمة بيقرأها الدكتور
يا أحمد.. لو بتسمع الرسالة دي دلوقتي، تبقى عرفت كل حاجة. عرفت الفلوس، والمرض، والطلاق. أنا ما كتبتلكش الرسالة دي عشان أصعب عليك، ولا عشان أطلب منك تحس بالذنب. أنا كتبتها عشان أقولك إن أربع شهور اختفاءك كانوا أكبر نعمة ربنا أداهالي.. لأنهم كشفوا لي إن المرض اللي في جسمي كان أسهل بكتير من المرض اللي كان في حياتي معاك. أنا خفيت من نصف المشكلة لما اتطلقت منك.. وفاضل النصف التاني اللي بأوحارب عشانه هنا في أوضة العمليات. الساعتين اللي اشتريتهم بفلوسي.. خليهم للست الجديدة، عشان تحسب بيهم الوقت اللي فاضلك قبل ما تبدأ تدفع ثمن كل حاجة عملتها.
الدكتور قفل الرسالة وقال
المريضة دلوقتي في الرعاية المركزة، وحالتها حارجة جداً.. وهي رفضت تماماً إنك تحاول توصل لها أو تسأل عنها. سلام.
السكة اتقفلت.
التليفون نزل من إيدي ووقع على البلاط واتكسرت شاشته.
هدى كانت بتزعق جنبي وتشهق وهي بتسأل عن الفلوس والشركة، وأمي كانت بتبكي بصوت مكتوم في الصالة.
وأنا.. كنت واقف في النص، حاسس إن الشقة بتضيق، والريحة بتتخنق، والحيطان بتميل عليا.
بصيت لشنط هدى.. وللساعتين اللي على الكومودينو.. ولأمي العاجزة على الكرسي.
وعرفت إن العقاب ما بدأش لما استلمت حكم الطلاق..
العقاب الحقيقي.. بدأ دلوقتي!
الصمت اللي نزل على الشقة بعد ما خط الدكتور اتقفل كان أتقل من الجبل.
صوت الشاشة المكسورة لما خبطت في البلاط كان زي صوت آخر حاجة سليمة جوايا وهي بتتكسر. هدى كانت واقفة قدامي، عينيها بتتحرك بيني وبين أمي وبين الكراكيب اللي في الشقة، نظرتها اتحولت في ثواني من الدلع والسيطرة للشك والذعر.
مسكتني من دراعي بقوة، ضوافرها غرزت في قميصي
أحمد! أنت ساكت ليه؟! رد عليا! إيه الكلام اللي الست دي بتقوله ده؟ يعني إيه ديون وحجز؟ ويعني إيه فلوس مراتك الأولى؟! أنت مش قلت لي إنك مهندس استشاري وعندك شركتك الخاصة وبيجيب لك ملايين من إسكندرية؟!
بصيت لإيدها اللي ماسكة دراعي. نفس الإيد اللي كنت أشتريت لها أساور دهب من شهرين. نفس الإيد اللي كنت بشوفها عوض، وأتاريها كانت إيد بتسحبني للقعر وأنا مغمى عليا.
نفضت إيدها بعنف.
اسكتي! اسكتي خالص ومش عايز أسمع صوتك!
هدى شهقت، ورجعت لورا خطوتين، وشها احمر من الغضب
أنا يتقال لي اسكتي؟! أنت أتلغبطت في الكلام ولا إيه يا أحمد؟ أنا
تم نسخ الرابط