لما أكبر هردهالك

لمحة نيوز

اللي شافته في حياتها القصيرة. هزّت راسها ببطء، ودمعة تانية نزلت وقالت
واثقة.
سحبها وراه ببطء، مش ناحية الباب، بل ناحية مكتب المدير اللي كان واقف متلجلج من اللي شافه. لمّا دخلوا، أليخاندرو قفل الباب وراهم، وقال للمدير بلهجة حازمة ما فيها مجال للنقاش
في راجل واقف بره الباب، واضح إنّه بيحاول يأخذ هؤلاء الأطفال من غير وجه حقّ. أنا هحميهم، ولو سأل حدّ قول لهم إنّهم معايا أنا أليخاندرو مونتالفو. وما تخلّيش حدّ يخش عليهم.
المدير لسه مش فاهم حاجة، بس اسم أليخاندرو مونتالفو كان اسم يهتزّ له
السوق كلّه، فما تردّدش وقال
حاضر يا سيّدي أليخاندرو، اللي تؤمر بيه. هنأمّن الباب كويس.
خلال ربع ساعة بس، كانت سيّاراته وصلت، ورجاله نزلوا بسرعة واتّخذوا مواقعهم. الراجل اللي كان مستني بره لمّا شاف العربيات والرجّال اللي نزلوا بملابس رسمية، فهم إنّ الحكاية مش سهلة، وإنّ الفرصة سابت من إيده، فانسحب ببطء واختفى في الزحمة من غير ما يحدّ نفسه.
لمّا اتأكّد أليخاندرو إنّه ما عادش موجود، رجع لفالنتينا اللي كانت قاعدة على كنبة صغيرة جوه مكتب المدير، وحطّ الطفلين جنبها نايمين. قعد قدّامها وقال
الراجل ده مش راجع تاني. هو خاف ومشى. أنا كلمت ناس، وهم هيتأكّدوا إنّه ما يقربّلكم تاني أبدًا.
بصّت له ولم تتكلّم، بس شفتيه ارتجفتا بابتسامة صغيرة جدًا، كأنّها لأوّل مرة تحسّ بالأمان من بعد مۏت أهلها.
وهنروح
فين دلوقتي؟
سألته بصوت خاڤت.
سكت لحظة. الحقيقة هو ما كان فاكر في حاجة غير إنّه يخلّصها من الخطړ، بس السؤال ده خليه يفكّر فين تروح طفلة عمرها 8 سنين ومعاها رضيعين؟ ما عندها بيت، ما عندها أهل، والدنيا كلها بره مليانة ناس زي الراجل ده مستنيّين فرصة.
عندي بيت كبير قالها ببطء فيه حدائق كتير، وغرف فاضية كتير، وناس تهتمّ بيكم. تعالي معايا.
توسّعت عيناها أنا وإخواتي؟
أنتِ وإخواتكِ أكّد لها المكان ده بيتكون لحد ما تكبروا.
قامت ببطء، وشدّت البطاطين حول الطفلين عشان ما يبردوا، ومسكت إيده تاني. لمّا خرجوا مع بعض، الناس كانت بتبصّ لهم، بس ما حدّش تكلّم. حطّهم في السيارة الكبيرة اللي مريحة، وركّب جنبها، والسيارة مشت بهم بعيد عن المكان اللي شافت فيه المرارة والخۏف كله.
الطريق كان طويل، وفالنتينا نامت وهي ماسكة إيده، متعبة من السهر والخۏف والجوع.
أليخاندرو بصّلها وهي نايمة، وحسّ بشيء في قلبه ما حسّوش من زمان، من يوم ما ماټت زوجته وابنه الصغير في حاډثة من سنين طويلة، وعاش منعزلًا، مش بيشوف في الدنيا غير الفلوس والشغل. وفجأة، وجد نفسه مسؤول عن ثلاثة أرواح صغيرة ما لهمش حدّ غيره.
وصلوا للبيت، وكان قصرًا حقيقيًا على تلة عالية، محاط بحدائق خضراء ومشجر، وبعيد عن ضوضاء المدينة. لمّا صحّت فالنتينا وشافت المكان، فتّحت عيناها على وسعها، ما كانتش تتخيّل إنّ في بيت بهالحجم.
ده كلّه بيتك؟ سألت وهي بتلفّ حوالين نفسها.
ده بيتنا صحّح لها وهو يبتسم ومن النهارده انتِ سيدة المكان.
كلّم مديرة البيت، وهي سيدة طيّبة اسمها روزا، عشان تجهّز لهم غرف دافئة، وملابس نظيفة، وكلّ ما يحتاجوه. فالنتينا استسلمت بكل هدوء، سمحت لروزا تغسلها وتلبسها فستانًا نظيفًا وناعمًا، وبدّلت ملابس التوائم
كمان. لمّا جالوا يأكلوا، كانت بتأكل ببطء وحذر، كأنّها پتخاف إنّ الحلم ده يصحى في أيّ لحظة.
مرّت الأيام، والأيام صارت أسابيع، والأسابيع شهور. وبدأت حياتهم تتغيّر شيئًا فشيئًا. فالنتينا كانت طفلة ذكية جدًا ومجتهدة، تعلّمت بسرعة، وبدأت تروح المدرسة، وكانت دايماً الأوائل على صفّها. كانت تحبّ أليخاندرو حبّ حقيقي، تعتبره أبًا بدل الأب اللي رحل، وهو كمان بدأ يحسّ إنّ الدنيا رجعت لونها من جديد بوجودهم.
لكنّ الحياة مش كلّها حلاوة، والظلام ما بيسيب الضوء يسطع من غير ما يحاول يخفيه.
بعد سنتين بالظبط، جالهم خبر من المحكمة. القرابة البعيدة لأمّهم اللي ما كان لهمش وجود في حياتهم أبدًا، سمعوا إنّ الأطفال عايشين مع مليونير، وإنّ أليخاندرو مش وصيّ عليهم رسميًا، فجاءوا يطالبوا بالحضانة وطبعًا مش حبّ فيهم، بل طمعًا في الفلوس اللي يتوقّعوها
تيجي معاهم.
كان اليوم ده عصيب جدًا. أليخاندرو دخل البيت ووشه أسود كالليل، وقعد قدّام فالنتينا اللي عندها دلوقتي 10 سنين، وقالها بكل صراحة ما بيخفي عنها حاجة
يا حبيبتي، في ناس جايين يقولوا إنّهم عائلتكم، وعايزين ياخدوكِ وإخواتكِ منّي.
قامت من مكانها وقلبها خفق بقوّة ياخدونا؟ لفين؟ ولأيّه؟
المحكمة هتقرّر قال وهو يمسك كفّيها بس أنا حاربهم لآخر نفس فيّ. مش هسمح لحد ياخدكم. عاهدت نفسي، وعاهدتك.
القضية استمرّت شهورًا طويلة، ملّتها الجلسات والكلام والدموع. واتّضح إنّ هؤلاء القرابين ما يعرفوش حتّى تواريخ ميلاد التوائم، وإنّهم ما سألوش عنهم يومًا واحدًا من بعد مۏت أهلهم. كلّ اللي كانوا عايزينه هو الاسم الكبير والفلوس اللي في إيد أليخاندرو.
وفي يوم الحكم، وقف أليخاندرو قدّام القاضي واتكلّم بصوت هادئ لكنّه مسموع وواثق
يا سيادة القاضي،
أنا مش عايز
حضانة هؤلاء الأطفال عشانّي. أنا عايزها عشانهم. فالنتينا ما طلبت منّي يومًا غير الأمان. وماتيو وإيميليانو ما يعرفوش غير البيت ده بيت لهم. هؤلاء اللي جايين يطالبوهم ما شافوهمش في حياتهم. الفلوس بتروح وتيجي، بس الطفولة ما تتعوّضش. أنا أضمن لهم كلّ حاجة، وكلّ ما يحتاجوه، وإن شاء الله أكون لهم الأب اللي فقدوه.
والقاضي بعد ما شاف كلّ الدلائل وكلّ الشهود،
تم نسخ الرابط