حتي أجبر حبيبي علي خطبتي ( بقلم سعاد جواد )
تسلل الفرح إلى قلبي، لقد كان ينتظر اتصالي· يبدو أنه من النوع الذي لا يعبث ولا يملك عدداً كبيراً من المتصلات· طال حديثنا واصبح يطول أكثر وأكثر· صرنا نتحدث عن المستقبل وأخبرني بأنه صادق في رغبته بالارتباط بي ولكنه متردد في مفاتحة والده·
شعرت بأن قراره يحتاج إلى خطوة مني لاستثارته، فلست راغبة في علاقة هاتفية طويلة لا تحمد عاقبتها، وأردت إنهاء الأمر بسرعة ولو على حساب ذلك الانسان المريض·
عاد أبي من عمله متأخراً فوجدني بانتظاره· استغرب وقال لي: لازلت مستيقظة يا ابنتي؟ هل هناك شيء؟ شعرت ببعض التردد، كيف ابدأ ؟ وماذا أقول؟ اخذتني دوامة التفكير السريع وصرت أفكر بالتراجع عن مفاتحته، عندما وجدني مرتبكة قال لي: ماذا هناك يا ابنتي؟ حدثيني ولا تخفي عني شيئاً·
وما أن قال تلك العبارة حتى انهمرت دموعي، انها سلاحي الذي استخدمه معه لأنني أعلم جيداً مدى تأثير تلك الدموع عليه، ضمني إلى صدره وقال: يبدو أن المسألة كبيرة، خففي عنك واخبريني ماذا حدث يا حبيبتي؟
أجبته وقد اختلطت الدموع بالكلمات: أرجوك يا أبي، اريد أن أفسخ خطبتي من إبن الجيران، لقد تسرعت بالموافقة، كنت اشفق عليه ولم أكن أشعر نحوه بالمودة· سامحني يا أبي، أنا أسفة لأنني لا استطيع أن اتزوجه، ولأنني سأضعكم في موقف محرج مع الجيران·
سكت قليلاً وكأنه لا يستوعب ما يسمع، ثم قال: لقد نصحتك في البداية وبينت لك بأن الموافقة على ذلك الزواج هو مجازفة لا تحمد عقباها لأنه مريض ومهدد بالموت، ولكنك كنت مصرة على الموافقة، والآن تتراجعين عن موقفك بكل سهولة وكأن الموضوع مجرد لعبة·
ازددت في البكاء والنحيب، مما جعل والدي يتأثر بشدة فقال لي: عموماً يا ابنتي نحمد الله انها مجرد خطبة ولم يتم عقد القران، وقد جعلت الخطبة فترة للتفكير وإعادة الحسابات· عموماً، سوف أحاول حل الموضوع بطريقة لا نجرح بها مشاعر أحد·
كانت كلمات والدي كالماء الذي يطفئ جمرة كانت تحرق قلبي بشدة، فودعته بقبلة وذهبت لأنام·
في الصباح توجه أبي إلى والد الشاب ودار بينهما حوار العقل والمنطق، فتفهم الرجل حساسية الموضوع ولم يلق باللوم على أحد لأنه يعرف تمام المعرفة مرض أبنه وحالته، وهو لا يريد لبنات الناس الترمل باكراً·
كان وقع الخبر كالسيف على الشاب وعلى بقية أهله· فقد تقطعت قلوبهم جميعاً، وبشكل خاص قلبه الذي تجرع الألم بمرارة · لم يكن قادراً على التحمل بسبب ذلك المرض الذي كان يفتك به، بعد أن أضفت بحماقتي ألماً نفسياً قاسياً من الصعب أن يتحمله إنسان طبيعي لا يشكو من علة، فكيف بهذا الإنسان العليل؟
بعدها بأيام قليلة تمت خطبتي للشاب الآخر وتم الاتفاق على عقد القران وبدأت التجهيزات· الفستان، الحناء، الورود، أريد أن أكون أجمل فتاة في العالم، وجاء عقد القران فكنت كالزهرة في فصل الربيع· بعدها بخمسة أشهر تم زفافناً، وكان قلبي يخفق فرحاً، فقد كان حقاً ألطف وأرق مخلوق على وجه الأرض وكنت أسعد عروس في الكون كله·
بعد فترة بسيطة توارد إلي خبر وفاة أبن الجيران بعد أن دخل في غيبوبة طويلة·
رفض العلاج بعد أن تدهورت حالته النفسية لأبعد الحدود· تأثرت كثيراً وحزنت ولكن لم يكن لذلك الحزن مكاناً كبيراً في حياتي المليئة بالحب والسعادة·
مرت الأيام والأشهر وبدأ زوجي يتغير· صار يغضب لأتفه الأسباب، يصرخ بوجهي، ويتطاول علي بالضرب بلا سبب· لقد حول حياتي إلى جحيم لا يطاق· يترك المنزل بلا سبب معقول ولا يعود إلا في ساعات الصباح الأولى· ما الذي حدث، والله لا أدري ؟·
بكيت وعانيت بصمت، لم أشأ اخبار أهلي لأنه اختياري أنا ولم يجبرني عليه أحد·
مرت شهور قاسية من المعاناة علمت بعدها بأنني مصابة بمرض خبيث، صدمت وشعرت بأن الدنيا كشرت عن أنيابها، وها هي تذيقني الوجه الآخر البشع الذي تملكه·
بدأت رحلة العلاج المريرة وتحولت إلى شبح، سقط شعر رأسي وحاجباي ورموش عيني ولولا الصلاة وقراءة القرآن لكنت في حالة لا يعلمها إلا الله·
وقف زوجي وأسرته معي وقوفاً انسانياً طيباً وسافر بي إلى الخارج للعلاج وقد عاد لطيبته وتعامله الرقيق معي· أظهر لي المودة والعطف وعلمني الصبر على المرض حتى عدت للوطن، وقد تحسنت حالتي وعادت صحتي فشكرت ربي على تلك النعمة·
لقد مضى على زواجنا أكثر من عشرة أعوام ولم أرزق بطفل، ربما ذلك هو السبب في تغير زوجي وعودته من جديد إلى معاملتي بشكل سيء·
تمر الأيام قاسية وصعبة علي فأتذكر أبن الجيران وأقول لنفسي: هل ما حصل معي هو عقاب من الله على ما فعلته به ؟ تذكرت موقفي الدنيء منه··· لقد استخدمته كطعم لاصطياد من أحب·
لقد حطمت قلبه وكرامته، كان مريضاً بحاجة للأمل ولكني قضيت على كل ما بقي له من عزيمة·
الحياة تعلمنا دروساً قاسية ولكن في النهاية لا يسعنا إلا أن نقول قدر الله ما شاء فعل·
قصة جميلة ومعبرة أرسلتها لي إحدى القارئات، فقررت نشرها كما هي لروعتها مع بعض التعديلات البسيطة·