جوزي حجز تذاكر الدرجه الاولي لنفسه ولأخته

لمحة نيوز

ابتسامة صغيرة اترسمت على وشي:

— “لسه مكمل رحلته في القطر!”

وصلت مطار القاهرة الملاحة الجوية الخاصة بالطيارة التابعة لبابا، وكان السواق ورجالته مستنييني على الرصيف في المحطة بعد ما بابا بلغهم بمكاني بالظبط.

أول ما شافوني، اتعاملوا مع الوضع بمنتهى الهدوء والسرية، خدوا شنطتي وساعدوني أركب العربية اللي وصلتني للطيارة، وفي أقل من ساعة كنت طايرة في الجو راجعة بيتنا في القاهرة، بتعالج من التعب والمجهود اللي عشته في الكام ساعة اللي فاتوا


على الجانب التاني، القطر كان مكمل طريقه في الصعيد..

طارق صحي من النوم بعد كذا ساعة، فرك عينيه وبص حواليه وهو بيتمطى في الكرسي الـ VIP المريح. التفت على فاطمة أخته وقالها بكسل:

— “هي مريم فين؟ لسه واقفة ورا ولا لقت مكان تقعد فيه؟”

فاطمة شالت السماعة من ودنها وقالت ببرود:

— “معرفش، ما شفتهاش من ساعتها.. تلاقيها لقت أي كرسي فضي وقعدت عليه.”

طارق قام بتثاؤب وراح ناحية عربية البضائع والدرجة العادية عشان يتأكد، بس مالقاش ليها أي أثر. سأل الموظفين والركاب في العربية، وكله أجمع إن مفيش حد بالوصف ده واقف من بعد محطة أسيوط!

بدأ القلق يتسرب لقلبه، مسك موبايله وطلب رقمي.. لقاه مقفول.

جرب يبعت رسائل على الواتساب.. ما بتوصلش.

رجّع ضهره لورا وهو حاسس بنغزة في قلبه، وبص لأخته وقالها بصوت متوتر:

— “فاطمة.. مريم مش في القطر!”

فاطمة اتلخبطت وسألته:

— “يعني إيه مش في القطر؟ هتكون راحت فين يعني وهي حامل في السابع وماحيلتهاش حاجة؟ أكيد بتعمل حركات عشان تقلقك!”

لكن طارق كان عارف إن مريم عمرها ما عملت حركة زي دي.. وفي اللحظة دي بالذات، اتفاجئ بموبايله بيرن.

كان المتصل هو المحامي الخاص بعيلتي.. الرجل اللي طارق كان بيدوّر على أي فرصة عشان يقابله أو يسلم عليه.

رد طارق بلهفة وصوت لسه فيه أثر الصدمة:

— “أيوة يا أستاذ.. خير؟ مريم معاك؟”

صوت المحامي جيه عبر التليفون بارد ورسمي جدًا، وقال جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروق طارق:

— “أستاذ طارق.. أنا بكلمك بلسان موكلتي مدام مريم، ونيابة عن والدها. حابب أبلغك إن إجراءات الطلاق بدأت رسميًا من الساعات الأولى للصباح، بالإضافة لإلغاء عقد إقامتك في فيلا التجمع، وتجميد كل المعاملات اللي كانت بين شركتك وبين مجموعة شركات العيلة..”

طارق اتسمر في مكانه، الموبايل كان هيقع من إيده، والشاشة كانت بتشع نور ضعيف وسط ظلام عربية القطر.

— “إنت بتعلم إيه يا أستاذ؟ طلاق إيه وفيلا إيه؟ مريم هي اللي سابتني وجمعت حاجاتها ومشيت! أنا جوزها ولما أرجع القاهرة هعرف أتفاهم معاها!”

رد المحامي بنبرة هادية بس مرعبة:

— “أستاذ طارق، حضرتك مفيش داعي تتعب نفسك وترجع القاهرة على فيلا التجمع، لأن أفراد الأمن هناك عندهم أوامر صارمة بمنع دخولك، وشنطتك الشخصية أتحطت بالفعل في أمانات المحطة. أما بالنسبة لشركتك، فمجلس الإدارة حظر وصولك لجميع الحسابات البنكية اللي كانت متمولة من أصول عيلة مريم.”

فاطمة كانت باصالة بذهول، وشايفة وش طارق اللي تحول للون الأبيض زي الطباشير.

— “طارق! فيه إيه؟ المحامي ده بيقول إيه؟”

طارق ما ردش عليها، كان حاسس إن السقف بيقع فوق رأسه. كل حاجة بناها، كل المنظرة اللي كان بيعيشها قدام أصحابه وقرايبه، كل الفشخرة بـ “فيلته” و”شركته الناجحة”.. كل ده اتدمر في لحظة واحدة لما الكارت المستخبى انكشف.

— “أنا عايز أكلم مريم.. أديني مريم في التليفون!”

المحامي كمل كلامه ببرود:

— “مدام مريم حاليًا تحت رعاية فريق طبي كامل في مستشفى خاص، وبناءً على تقرير الدكاترة عن الحالة النفسية والجسدية الصعبة اللي مرت بيها بسبب الإجهاد والوقوف لساعات طويلة وهي في الشهر السابع، تم تقديم بلاغ إهمال وتعريض حياة أم وجنينها للخطر ضد حضرتك.”

طارق بدأ يعرق بغزارة رغم تكييف القطر الثلج، القطر كان لسه مكمل طريقه لأسوان، وما كانش فيه أي وسيلة يقدر ينزل بيها في النص ولا يرجع بسرعة، كان محبوس في رحلة هتاخد أكتر من 12 ساعة كمان عشان يعرف يوصل لأول محطة يغير منها اتجاهه.

سحب نفسه ورجع للكرسي بتاعه وهو مذهول، وفاطمة جنبه عمالة تزن وتسأل:

— “هو فيه إيه يا طارق؟ هو إحنا هنرجع ولا إيه؟ وهما يقصدوا إيه بفيلا التجمع والمستشفى؟”

طارق صرخ فيها بغضب مكتوم:

— “اسكتي خالص يا فاطمة! اسكتي!! الست اللي كنا بنتريق عليها وبنقولها اقفي تمارين للولادة.. طلعت هي اللي شرياني وشرياكي وشريا العيلة كلها بفلوسها! كل اللي حيلتي بتاعها هي وأبوها!”

فاطمة حطت إيدها على بقها بصدمة وما نطقتش كلمة ثانية.

مرت الساعات على طارق زي الكابوس. القطر ماشي ببطء شديد بالنسبة له، كل محطة يمر عليها كانت بتفكره بإن مريم نزلت في هدوء تام وبدون أي شوشرة، وسابته يغرق في النتيجة المتوقعة لغبائه وغروره.

أول ما القطر وصل أسوان، طارق ما فكرش يخرج من المحطة حتى، حجز أول تكت طيران رجوع للقاهرة بأي ثمن، وخلال ساعات كان واقف قدام بوابة فيلا التجمع.

بوابة الفيلا كانت مقفولة بالسلاسل، واثنين من رجال الأمن الخاص واقفين قدامها. لما قرب منهم عشان يدخل، واحد منهم وقفه بمنتهى الجدية:

— “ممنوع يا فندم. الأوامر واضحة، حضرتك مالكش دخول هنا.”

— “يعني إيه ماليش دخول؟ دي فيلتي!”

طلع فرد الأمن شنطة سفر كبيرة وحطها قدام البوابة:

— “دي متعلقاتك الشخصية يا فندم، ومطلوب من حضرتك تستلمها وتتفضل بدون مشاكل، وإلا هنضطر نطلب النجدة بناءً على تعليمات المستشار القانوني.”

في نفس اليوم بالليل، طارق اكتشف إن جميع البطاقات البنكية اللي كان بيستخدمها اتجمدت، وأن الحسابات المستفيدة من أصول شركة الأمن السيبراني اللي مريم باعتها زمان، اتسحبت منها كل الصلاحيات. حلمه إنه يكون رجل أعمال كبير ومستقل انتهى في لحظة، ورجع للصفر زي ما كان قبل ما يتعرف على مريم.

بعد شهرين كاملين من المحاولات المستميتة من طارق وأهله عشان يوصلوا لمريم أو يطلبوا العفو، مريم ولدت طفلها الأول في الهدوء والسلام اللي كانت محتاجة له.

وفي يوم الجلسة الأخيرة للطلاق، طارق شاف مريم لأول مرة من ليلة القطر. كانت واقفة بكامل أناقتها وقوتها، وبجوارها أبوها والمحامي.

قرب منها بصوت مكسور:

— “مريم.. أنا آسف. والله ما كنت فاهم.. أنا غلطت في حقك، أرجوكي فكري في ابننا.”

مريم بصت له بنظرة هادية جدًا، مفيش فيها أي غل ولا كره، بس فيها استغناء تام وقوة، وقالت له بكل ثبات:

— “ابننا هيتربى في عز، وهيطلع يعرف يعني إيه احترام وتقدير للأصول. أنت ما ظلمتنيش يا طارق، أنت بس كشفت لي حقيقتك في الوقت المناسب.. والحمد لله إن الرحلة انتهت بدري قبل ما أضيع عمري كله معاك.”

صدر حكم الطلاق، وخرجت مريم من القاعة وهي ماسكة إيد باباها، وراسمة ابتسامة رضا على وشها، وسابت طارق واقف لوحده في أروقة المحكمة، بيحصد ثمن غروره واستخفافه بالإنسانة اللي اختارته بقلبها.. فخسرها وخسر كل حاجة معاها

تم نسخ الرابط