خطيبه ابني والوعد القديم

لمحة نيوز

ابنـي جـاب خطـيبته تتعشـى عنـدنا… وأول مـا قلـعت البـالطو، شـفت السـلسلة اللـي أنـا دفنـتها بإيـدي مـن 25 سـنة.

عمـري مـا كـنت متوترة بالشكل ده من سنين.

ابني عمر كان جايب خطيبته لأول مرة البيت. قضيت اليوم كله في المطبخ

فراخ مشوية، بطاطس، ومحشي ورق عنب على طريقة أمي، ومعاه بسبوسة سخنة بالسمن البلدي. كنت عايزة كل حاجة تبقى مثالية. لما ابنك الوحيد يقولك:

يـا ماما، دي البنت اللي هتكون مراتي

الموضوع ما بيتاخدش بهزار.

اسمها مريم. صوتها في التليفون كان هادي، وأسلوبها محترم.

أول ما دخلوا، حضنت عمر الأول… وبعدين حضنتها.

ابتسمتلي بابتسامة دافية، وقلعت البالطو بهدوء.

وساعتها… شُفتها.

سلسلة دهب رفيعة. وفيها دلاية بيضاوية، فيها حجر أخضر غامق في النص، حوالينه نقش ورق شجر صغير محفور بدقة….نَفسي اتسحب.

السلسلة دي مش شبه اللي أعرفه…

دي نفسها…أنا عارفة درجة الأخضر دي.

عارفة النقوش دي.

وعارفة المفصلة الصغيرة المستخبية على الجنب.

كانت بتتفتح…زي تعويذة قديمة.

من خمسة وعشرين سنة، أنا اللي حطيت السلسلة دي بإيدي جوه كفن أمي قبل ما يقفلوا النعش.

كانت قطعة متوارثة في عيلتنا أجيال.

بس في آخر ليلة ليها، مسكت إيدي وقالتلي بصوت ضعيف: ادفنيني بيها… خلـي الحكاية تنتهي معايا.

ووعدتها.

شُفت النعش وهو بيتقفل.

وشُفتهم وهم بينزلوها في التراب.

ماكانش فيه نسخة تانية.

وما ينفعش يكون فيه.

واضح إن لوني اتغير، لأن مريم لمست الدلاية بابتسامة خفيفة وقالت: دي قطعة قديمة… أنتيك

حاولت صوتي ما يترعـش…جميلة قوي… جبتيها منين؟

ترددت… لحظة صغيرة بس.

وبعدين بصّتلي مباشرة.

وقالت جملة خلت الأرض تميل من تحتي…


قالت بهدوء غريب كأنها بتحكي حاجة عادية جدا

دي كانت في قبر

الكلمة خبطت في وداني زي صوت طلق نار

عمر ضحك وقال يا بنتي بلاش رعب على ماما

بس هي ما ضحكتش

عينيها كانت ثابتة في عيني

قلت بالعافية قبر مين

قالت مش عارفة الاسم بس مقبرة قديمة في البلد عندنا في الصعيد اتنقلت قبل ما يبنوا الطريق الجديد

وأنا صغيرة كنت عايشة هناك مع جدي

المقابر اتفتحت عشان ينقلوا الرفات

وفي حاجات كتير اتجمعت في صناديق

السلسلة دي كانت جوه كفن ست كبيرة

إيدي كانت بتترعش وأنا بمسك طرف الترابيزة

قلت وإنتي خدتيها ليه

قالت كنت عندي تسع سنين

الناس كانت بتلم الحاجات بسرعة

والعمال كانوا بيرموا أي حاجة قديمة في صندوق خردة

أنا شفتها وقعت على الأرض

الحجر الأخضر كان لامع بطريقة غريبة

حسيت إنها بتندهلي

خدتها وخبيتها

فضلت معايا من ساعتها

الكلام كان بيدور حواليا وأنا حاسة إني برجع

بالزمن

خمسة وعشرين سنة فاتوا في ثانية

صوت أمي وهي بتهمسلي ادفنيني بيها

إيدي وهي بتقفل الدلاية وتحطها في صدرها

دموعي وهي بتنزل على الكفن

قلت لها المقبرة كانت فين

قالت في قرية اسمها النزلة القديمة

الاسم خلاني أقعد فجأة

دي نفس القرية

نفس الأرض

نفس المدافن

عمر بصلي باستغراب

ماما إنتي كويسة

قلتله أنا محتاجة مية

دخلت المطبخ وإيدي على صدري

مش قادرة أتنفس

لو السلسلة دي خرجت من قبر أمي

يبقى إيه اللي حصل

مين فتح

مين لمس

مين كسر الوعد

رجعت قعدت تاني

قلت لمريم ممكن أشوفها عن قرب

فكت السلسلة وادتهالي

الحجر الأخضر كان لسه بنفس الخدش الصغير عند الحافة

الخدش اللي حصل يوم ما وقعت من على تسريحة أمي وأنا عندي سبعتاشر سنة

كنت فاكرة إنها علامة مستحيل تتنسى

وأهو قدامي

فتحت المفصلة الصغيرة

جواها صورة باهتة

صورة ست شابة لابسة طرحة قديمة

أمي وهي عندها عشرين سنة

أنا كنت حاطة الصورة دي بإيدي

الدنيا سكتت

مريم بصتلي بخوف

إيه في إيه

قلت بصوت مكسور دي بتاعة أمي

عمر ضحك تاني على إنه هزار

بس لما شاف وشي سكت

قلتله السلسلة دي اتحطت مع جدتك في قبرها

أنا اللي دفنتها

السكوت بقى تقيل

مريم وشها شحب

أنا والله ما كنت أعرف

كنت فاكرة حد رماها

ما كنتش أعرف إن ليها

حد

قلت لها إنتي قولتي المقابر اتفتحت

قالت أيوه من حوالي أربعة وعشرين سنة

كان في مشروع طريق

والبلدية نقلت الرفات لمقبرة جماعية

الحاجات القديمة اتجمعت واترمى منها كتير

الكلمة الأخيرة اتكسرت في قلبي

اترمى

حاجة أمي

وعدي ليها

اترمى

حسيت بدمعة نازلة بس مسحتها

قلت لها إنتي محتفظة بيها من ساعتها

قالت أيوه

كنت بحس إنها بتحميني

كل ما ألبسها حاجة حلوة بتحصل

نجحت في الثانوية

دخلت الكلية اللي عايزاها

اتعرفت على عمر

بصيت لعمر

هو كان باصص لي بينا ومش فاهم حاجة

قلتله إنتي اتعرفتوا فين

قال جامعة القاهرة

قسم آثار

آثار

الكلمة خبطتني

أمي كانت بتحب الحاجات القديمة

كانت دايما تقول الماضي عمره ما بيموت

بصيت لمريم

إنتي بتحبي الآثار

قالت جدا

بحب الحكايات اللي ورا كل قطعة

قلت لها طيب تعرفي حكاية دي

قالت لا

خدت نفس طويل

وحكيت

حكيت عن أمي

عن السلسلة اللي كانت بتنتقل من الأم للبنت

عن الحجر الأخضر اللي جده الأكبر جابه من الشام

عن الوعد

عن الدفن

مريم كانت سامعة ودموعها في عينيها

أنا ما كنتش أعرف

والله لو كنت أعرف كنت رجعتها

رجعتها

الكلمة دي رجعتلي الروح شوية

مديت إيدي وقلت لها السلسلة دي مكانها مش معايا ولا معاكي

مكانها مع اللي جاية بعدنا

عمر قال يعني

إيه

قلت يعني مش هترجع للقبر

ومش هتفضل سر

هتفضل في العيلة

مريم بصتلي باستغراب

قلت لها لو إنتي داخلة بيتنا تبقي بنتي

والسلسلة دي تبقي بتاعتك بحق

مش غصب ولا صدفة

دموعها نزلت

أنا كنت طول عمري بحس إن ليها حكاية

دلوقتي فهمت ليه

عمر مسك إيدي

ماما إنتي متأكدة

قلتله أيوه

أمك كانت عايزة الحكاية تنتهي معاها

تم نسخ الرابط