خطيبه ابني والوعد القديم

لمحة نيوز

بس يمكن الحكايات ما بتنتهيش

يمكن بتلف وترجع

فضلنا ساكتين لحظة

وبعدين قلت لمريم في حاجة تانية لازم تعرفيها

المقابر لما اتفتحت

في ناس كتير اشتكت إن حاجات اتسرقت

في شبهة إن بعض العمال خدوا حاجات قبل ما يجمعوها

مريم قالت يعني ممكن حد يكون حاول ياخدها قبل ما أقع عليها

قلت احتمال

بصيت في عينيها

إنتي متأكدة إنك لقيتيها على الأرض

قالت أيوه

كانت في الطين جنب كفن مفتوح

أنا خفت

بس الحجر كان لامع

المنظر رجع قدامي

أمي

التراب

الطين

سألتها كان في حد واقف جنبك

قالت كان في راجل كبير بيبصلي

بس ما قالش حاجة

افتكرت إنه واحد من العمال

قلبي خبط تاني

راجل كبير

قلت شكله عامل إزاي

قالت طويل شوية

لابس جلابية رمادي

وشه فيه شامة جنب عينه

الشامة

الحاجة دي أنا أعرفها

خالي يوسف

كان دايما يحوم حوالين الميراث

وكان أكتر واحد معترض إن أمي تندفن بالسلسلة

صوتي اتغير

إنتي متأكدة

قالت على قد ما أقدر أفتكر

بصيت لعمر

في حاجة لازم تتحقق

عمر قال ماما إحنا بنتكلم عن خمسة وعشرين سنة

قلت الماضي عمره ما بيموت

بعد العشا

لما مشيوا

قعدت لوحدي في الصالة

السلسلة في إيدي

بفكر

لو خالي فتح القبر

لو حاول ياخدها

لو ضاعت

يبقى الوعد اتكسر مش بإيدي

تاني يوم كلمت عمتي

سألتها عن موضوع نقل المقابر

قالت أيوه كان في لخبطة كبيرة

ويوسف كان رايح جاي كتير

بيسأل عن حاجات قديمة

الشك بقى يقين

يمكن ما كانش هو اللي خدها

يمكن كان بيدور عليها

لكن

الحقيقة إن السلسلة خرجت من التراب ورجعت لي

بعد أسبوع

عمر قال إنهم قرروا يعجلوا الخطوبة

مريم جت البيت تاني

السلسلة في رقبتها

بس المرة دي كانت باصة لي بابتسامة مختلفة

قالت أنا روحت المقابر الجديدة

ودورت على اسم جدتك

لقيته

وقريت الفاتحة

حضنتها

قلت لها خلاص

الحكاية كملت

يوم الخطوبة

وأنا بلبس لها السلسلة قدام المراية

حسيت بأمي واقفة ورايا

يمكن مش في الصورة

بس في الإحساس

قلت لها بصوت واطي

وعدي ليكي ما اتكسرش

يمكن اتأخر

بس ما ضاعش

عمر دخل وقال جاهزين

بصيت في عيون مريم

الحجر الأخضر كان بيلمع

مش نفس اللمعة القديمة

لكن لمعة بداية

افتكرت جملتها أول يوم

دي كانت في قبر

دلوقتي بقت في صدر عروسة

يمكن بعض الأشياء بتتنقل عشان تلاقي مكانها الحقيقي

ويمكن بعض الوعود بتتغير صورتها

لكن روحها تفضل

وأنا واقفة وسط الزغاريد

حسيت إن الأرض ما بتميلش

الأرض بتثبت

لما الماضي يتصالح مع الحاضر

ولو سألتيني دلوقتي

كنت خايفة من إيه

هقولك

مش من السلسلة

كنت خايفة إن أكون نسيت

لكن ربنا رجعها لي عشان أفتكر

وأكمل الحكاية من جديد

بعد الخطوبة بأسبوعين، كنت قاعدة أنا ومريم لوحدنا في الصالة. عمر نازل يجيب طلبات، والبيت هادي بشكل غريب. السلسلة كانت في رقبتها، والحجر الأخضر بيلمع تحت نور الأباجورة.

مريم قالتلي فجأة: أنا من يوم ما عرفت حكايتها وأنا مش قادرة أنام كويس.

قلتلها ليه؟

قالت: بحلم نفس الحلم كل ليلة… ست لابسة أبيض واقفة

قدام باب قديم، الباب نص مفتوح، وبتبصلي من غير ما تتكلم.

قلبي دق بقوة. شكلها إيه؟

قالت: ملامحها هادية… بس عينيها قوية.

قمت من مكاني، وروحت أجيب ألبوم صور قديم من الدولاب. فتحته على صورة لأمي يوم فرحها.

مريم شهقت: هي دي.

الهواء اتحبس في صدري. كنتي بتحلمي بيها قبل ما تعرفي حكاية السلسلة؟

هزت راسها: أيوه… من أول ما بدأت ألبسها بانتظام.

اللحظة دي فهمت حاجة… يمكن أمي ما كانتش عايزة الحكاية تنتهي معاها، يمكن كانت عايزة تطمّن إن اللي هيشيل السلسلة بعدها يستاهلها.

قلت لمريم: يمكن جدتك بتسلم عليك… وبتطمن عليك.

ابتسمت بخجل: أنا بحس بده… بحس إني مش لوحدي.

عدّى كام يوم، وفي ليلة، جالي اتصال من رقم غريب. رديت.

صوت راجل كبير: إنتي بنت فاطمة؟

اتجمدت. أيوه.

قال: أنا يوسف.

اسم خالي وقع في ودني زي حجر.

كنت متوقعه إنه هيظهر يومًا ما. قال: عايز أشوفك… في موضوع قديم لازم يتقفل.

قابلته في بيت عمتي. كان كبر، وشعره شاب، بس الشامة جنب عينه لسه مكانها.

بصلي وقال: السلسلة رجعتلك.

ما سألتش إزاي عرف. قلت: آه.

سكت شوية وبعدين قال: أنا ما سرقتهاش.

كنت مستنية الجملة دي. قال: يوم نقل المقابر، أنا روحت عشان أتأكد إن محدش ياخد حاجة من قبر أختي. شفت عامل بيحاول يفتح الكفن. اتخانقت معاه. في الخناقة، السلسلة وقعت في الطين. العامل جري. وأنا فضلت أدور عليها… بس ملقتهاش.

صوتي كان هادي: وما قلتليش؟

قال بحزن: ما كنتش عايز أوجعك أكتر. قولت يمكن ضاعت

للأبد.

بصيت في عينيه… لأول مرة حسيت إنه مش جشع، بس مكسور.

رجعت البيت وأنا بفكر. الحكاية كان فيها سوء ظن… وخوف… وسكوت.

تاني يوم جبت مريم وروحنا مع بعض المقابر الجديدة. وقفنا قدام اسم أمي. قريت الفاتحة. ومريم حطت إيدها على الحجر الأخضر وقالت: وعدك وصل.

في اللحظة دي، الهواء كان ساكن. حسيت براحة غريبة، كأن حاجة تقيلة اتحطت من على صدري.

رجعنا البيت، وعمر كان مستنينا. قال: إنتوا رحتوا فين من غيري؟

ضحكت لأول مرة من غير توتر: كنا بنقفل فصل قديم.

بعدها بأيام، مريم قالتلي إنها عايزة تكتب رسالة عن تاريخ السلسلة، توثقها، وتحطها في إطار صغير جنب تسريحة أوضتها الجديدة.

قالت: الحكايات لو ما اتكتبتش… بتضيع.

ساعدتها نفتكر كل التفاصيل. اسم جد أمي. السنة اللي اتعملت فيها. الحجر الأخضر اللي جاي من الشام. الوعد. الدفن. الرجوع.

يوم كتب كتابهم، وأنا بلبسلها السلسلة قدام الناس، حسيت إن أمي واقفة جنبي فعلًا. مش في حلم. مش في صورة. لكن في إحساس دفء حواليا.

مريم همستلي: أنا هحافظ عليها… بس مش عشان الدهب. عشان الحكاية.

قلت لها: الحكاية دلوقتي بقت بتاعتك.

عمر كان باصص لنا ومش فاهم العمق اللي بينا، بس عينيه كانت مليانة امتنان.

عدّى سنة. مريم حامل. وفي يوم، وهي قاعدة جنبي، قالتلي: لو جبت بنت… عايزة أسميها فاطمة.

دموعي نزلت من غير ما أحس. قلت لها: يبقى الحكاية فعلًا ما انتهتش.

البيت بقى مليان ضحك. والسلسلة بقت رمز… مش لذكرى موت. لكن لذكرى رجوع.

رجوع حاجة كانت مدفونة… مش في التراب بس. لكن في القلب.

يمكن بعض الأشياء بتخرج من القبر عشان تعيش من جديد. يمكن الماضي ما بيرجعش عشان يوجعنا… لكن عشان يكمّلنا.

ولو سألتيني دلوقتي: ندمتِ إنك دفنتيها؟ هقولك: لأ. لأن اللي بيتدفن بحب… بيرجع بنور.

والنور ده فضل ماشي في بيتنا… من جيل لجيل.

تم نسخ الرابط