الرضيع
أعيش في تورمارانشيو مع زوجتي وأطفالي الستة في غرفة خالية إلا من مراتب كثيرة مفروشة على الأرض. وحين تمطر السماء يتدفق الماء فوق رؤوسنا كما يتدفق على المقاعد الموجودة في شارع ربيتا. وما أن اكتشفت المرأة المسكينة أنها حامل حتى قررت أن تتخلص من ثمرة عاطفتها تلك. حسنا لقد اتخذت وزوجتي هذا القرار بناء على اتفاق مشترك حين اكتشفنا أنها حامل للمرة السابعة. قررنا في الواقع أن نترك الطفل في إحدى الكنائس بعد أن يعتدل الطقس ويصبح أكثر دفئا أي أن نتركه لرعاية وإحسان أول من يصادفه العثور عليه.
بالمساعي الحميدة لمثل أولئك السيدات المحسنات دخلت زوجتي المستشفى لتضع مولودها. وما أن تحسنت حالتها حتى عادت مع المولود إلى تورمارانشيو. قالت حين دخلت الغرفة أتدري على الرغم من أن المستشفى يظل مستشفى إلا أنني كنت أود أن أبقى هناك بمحض إرادتي بدلا من العودة إلى هنا. وما أن تفوهت بهذه الكلمات حتى أطلق الوليد صرخة لا تصدق وكأنما فهم معنى كلماتها. كان طفلا لذيذا يانعا له صوت قوي بحيث أخذ يمنع النوم عنا جميعا حين يستيقظ ليلا ويبدأ في البكاء.
عندما حل شهر أيار وغدا الهواء دافئا بحيث يسمح بالخروج دون ارتداء معطف انطلقنا أنا وزوجتي من تورمارانشيو إلى روما. كانت زوجتي تحتضن الطفل وتضمه إلى صدرها وقد لفته بكمية كبيرة من الخرق وكأنما ستتركه في حقل من الجليد دون أن يصيبه أذى. ما أن بلغنا المدينة وكأنها تريد أن تخفي حقيقة أنها تمقت ما هي مقدمة عليه فقد أخذت تتحدث دونما انقطاع وهي مبهورة الأنفاس وعلائم الإجهاد تبدو عليها وقد تناثر شعرها في كل اتجاه وبرزت عيناها من مآقيهما. تتحدث حينا عن الكنائس المختلفة التي يمكن
ركبنا الحافلة حيث جلست صامتة بين الآخرين وكانت تعيد ترتيب الحرام الصوفي وتحكمه حول الطفل بين حين وآخر أو تكشف عن وجهه بحرص وتتأمل وجهه. كان الطفل نائما ووجهه محمر ومتورد في وسط كل تلك اللفائف. ثيابه رثة شأن ثيابنا والشيء الجميل الوحيد الذي يرتديه هما القفازان المصنوعان من الصوف الأزرق وكان في الحقيقة يفرد يديه على اتساعهما وكأنما يتباهى بقفازيه. نزلنا في لارجو جولدوني وعادت زوجتي تثرثر من جديد ثم توقفت أمام واجهة أحد بائعي المجوهرات وقالت لي وهي تشير إلى المجوهرات المعروضة على رفوف مغطاة بالمخمل الأحمر هل ترى ما أجملها! الناس يأتون إلى هذا الشارع ليشتروا المجوهرات والأشياء الجميلة الأخرى. أما الفقراء فليس
كان هنالك نور بارد ساطع ينبعث من قنديل يتدلى من قبة الكنيسة وأخذت زوجتي تطوف من محراب إلى آخر وهي تتفحص كل شيء المقاعد والمحاريب والصور لتحكم فيما إن كانت مكانا مناسبا تودع فيه الطفل.. أما أنا فقد كنت أتبعها وأسير على مسافة منها وأراقب الباب بحذر طوال الوقت.
دخلت فجأة فتاة شابة ممشوقة القوام ترتدي ثوبا أحمر يزين رأسها شعر أشقر ينسدل كالذهب ركعت الفتاة والتصقت حينذاك تنورتها بجسمها وصلت لفترة دقيقة واحدة فحسب ثم خرجت ثانية دون أن تنظر إلينا. أما زوجتي التي كانت تراقبها فقد قالت فجأة ليس هذا بالمكان المناسب فالناس الذين يرتادونه هم شأن هذه الفتاة على عجلة من أمرهم كي يمضوا ليتسلوا ويتفرجوا على المحلات.. لنذهب! ثم خرجت على الفور.
عدنا أدراجنا إلى الشارع وسرنا مسافة ما عائدين بخطى مسرعة على طول شارع كورسو
زوجتي تتقدمني وأنا أسير وراءها. ما
كانت تلك امرأة ترتدي السواد من ذلك النمط من النساء المتدينات اللاتي يقضين نهارهن متنقلات بين الكنيسة وغرفة المقدسات. أجابتها زوجتي أجل يا إلهي شكرا لك فقد نسيتها.