يوم طلاقي حمايا قالي خدي كيس الزباله معاكي بقلم مني السيد
خرجت من بيت حمايا وأنا مكسورة، مفيش في إيدي حاجة خالص.. وفجأة حمايا نادى عليا، مدي إيده بكيس زبالة أسود وقالي ببرود خدي ده في إيدك وأنتي ماشية ارميه في طريقك. لكن لما فتحت الكيس عند البوابة.. إيدي بدأت تترعش من الصدمة!
أنا وعلي اتطلقنا بعد خمس سنين جواز.
لا عيال..
لا شقة باسمي..
ولا حتى كلمة واحدة خليكي أو متزعليش.
البيت اللي كنت بحاول أعتبره بيتي وعيلتي، كان بيت كبير في حي قديم في القاهرة.. سيبت أهلي في الصعيد وجيت وراه عشان نبني حياة سوا، وفي الآخر خرجت بشنطة إيدي بس.
يوم ما خرجت من بوابة الحديد، شمس أغسطس كانت حارقة، كأنها بتكوي كل ذكرياتي في البيت ده. بس من جوايا، كنت حاسة ببرد بيترعش في ضلوعي.
حماتي، ست الكل زي ما كانت بتحب تتسمى، كانت واقفة في البلكونة ومربعة إيديها، بتبص لي بنظرة شماتة.. نظرة واحدة أخيراً ارتاحت من حد مكانتش طيقاه من أول يوم. وجنبها بنتها، سلفتي عبير، بابتسامتها الصفراء اللي مابتفارقهاش وهي شايفة كسرتي.
قالت لي بصوت عالي عشان تسمعني يا ريت تقفلي الباب وراكي كويس.. كفاية عطلة لحد كدة!.
أما علي.. طليقي.. فمظهرش خالص.
مطلعش حتى يرمي يمين السلام
يمكن كان مستخبي
جوه.. يمكن هرب عشان ميواجهش الموقف.. مفرقش كتير، مابقاش يفرق خلاص.
محاربتش عشان آخد حاجة.
لا خناق، لا مطالب، ولا حتى دموع.. كرامتي كانت أغلى من أي عفش.
وطيت راسي بهدوء وقلت أنا ماشية.. مع السلامة.
محدش رد..
لفيت ضهري ومشيت ناحية البوابة، ولسه بحط إيدي على الترباس، سمعت صوت خشن ورايا بينادي
يا مريم!
وقفت.. ده كان حماي، عم الحاج إبراهيم.
طول الخمس سنين، كان أكتر واحد هادي في البيت. مبيتدخلش في حاجة، وقليل الكلام جداً. أغلب وقته كان بيقضيه على الكرسي الخشب بتاعه في الحوش، يقرأ الجرنال أو يسقي الزرع بتاعه، وكأن كل القسوة اللي بتحصل في البيت دي في عالم تاني خالص. بقلم مني السيد
ساعات كنت بسأل نفسي هو مش حاسس باللي بيجرى لي؟ ولا مش فارق معاه؟
بصيت وراه.. كان واقف جنب صندوق الزبالة وماسك كيس أسود كبير.
بص لي ثانية وقال ببطء بما إنك خارجة.. خدي الكيس ده في إيدك ارميه في الزبالة اللي على أول الشارع.. معلش هتعبك.
استغربت جداً من الطلب.. في اللحظة دي؟
بس هزيت راسي بأدب حاضر يا عمي.
روحت أخدته منه.. كان خفيف بشكل مش طبيعي، كأنه فاضي.
هز راسه لي
بوابة الحديد اتقفلت ورايا برزعة قوية هزت قلبي. كانت هي دي نقطة
النهاية لخمس سنين من المحايلة عشان أعيش.
مشيت في الشارع.. عديت على المحلات، على القهوة اللي في الركن، على صوت الراديو اللي طالع من دكان عم محمد.. الدنيا ماشية ومستمرة، والشخص الوحيد اللي خسر خمس سنين من عمره هو أنا.
قلت لنفسي مش هبص ورايا.. مش هفكر في العيش والملح اللي اتخان.. ولا في نظراتهم الباردة.
بس بعد كام خطوة، قلبي انقبض.
حسيت بحاجة غريبة.. الكيس ده مش طبيعي.
وقفت وبصيت له.. خفيف زيادة عن اللزوم.
الهوا كان بيطير طرحتي، والشارع كان هادي.. وفجأة، ومن غير تفكير، فتحت الكيس.
اتسمرت مكاني!
مفيش زبالة.. مفيش ورق قديم ولا فضلات أكل.
كان فيه ظرف بني كبير، قديم ومتبهدل، ومغلف بشنطة بلاستيك عشان يحميه من المية.
إيدي بدأت تترعش وأنا بسحبه.. دقات قلبي كانت مسموعة في ودني.
فتحت البلاستيك.. وبعدين فتحت الظرف.
وأول ما عيني وقعت على اللي جواه.. الدنيا كلها لفت بيا.
الإنسان اللي كنت فاكرة إنه ساكت وضعيف طول السنين دي، سلمني القنبلة اللي هتهد البيت ده على دماغهم.. وسلمني حقي اللي طليقي وعيلته افتكروا
الجزء الثاني الكنز اللي في كيس الزبالة
نفسك اتقطع للحظة أول ما شوفتي اللي جوه الظرف..
مش عشان الفلوس، رغم إن كان فيه
رزمة ورق بفلوس محطوطة بعناية ومغلفة بورق زبدة، كأن اللي حطها كان خايف عليها من التراب والمطر والحسد في وقت واحد. ومش عشان الأوراق الرسمية اللي تحت الفلوس، رغم إنها كانت تقيلة ومختومة بختم النسر اللي يخليكِ تحسي بقيمتها قبل ما تقرأي كلمة واحدة..
أنتي نفسك وقف عشان فيه صورة كانت على وش كل ده.. صورة قديمة شوية، أطرافها باهتة، وشوفتي فيها نفسك!
أنتي.. مريم.
واقفة في حوش البيت ده في القاهرة من تلات سنين، بتعدلي طرحتك وبتبتسيمي وأنتي بتسقي الصبار بتاع عم الحاج إبراهيم في شمس الصبح. كنتِ نسيتي إن الصورة دي موجودة أصلاً، ولا كنتِ تعرفي إن فيه حد صورك. كنتِ لابسة فستانك القطن البسيط، اللي مامتك كانت بتقولك إنه بيخلي وشك منور حتى وأنتي تعبانة. في الصورة دي، كان باين عليكي السلام.. كنتِ باينة محبوبة.
وهو ده اللي كسرك..
لأن مفيش حد في البيت ده بصلك بنظرة فيها حنية كفاية تخليه يحتفظ بصورة ليكي بالشكل ده.
إيدك بدأت تترعش أكتر وأنتي بتسندي الصورة على
جواب مطوي.