يوم طلاقي حمايا قالي خدي كيس الزباله معاكي بقلم مني السيد

لمحة نيوز

مش بخط طليقك علي، ولا بخط حماتك.. أنتي حافظة خطوطهم كويس من كتر الشوينج والطلبات. الخط ده كان قديم، رزين، مكتوب بحروف واضحة لراجل قضى عمره يداري
مشاعره أكتر ما بيتكلم.. عم الحاج إبراهيم.
في اللحظة دي الشارع اللي أنتي فيه اختفى.. زحمة القاهرة وصوت العربيات بعدوا عن ودنك.. مابقاش فيه غير دقات قلبك والظرف البني، والحقيقة المريرة إن بعد خمس سنين قسوة، كان فيه حد في البيت ده شايف فعلاً إيه اللي بيحصلك.
فتحتِ الجواب وقرأتِ
يا مريم يا بنتي..
لو بتقرأي الكلام ده، يبقى أنتي خرجتي من البيت ب أقل بكتير من اللي عطيتيه. ده مش عدل، وأنا خلاص كبرت ومبقتش قادر أكمل حياتي وأنا ممثل إن السكوت هو نفسه السلام..
قعدتِ على الرصيف، وكيس الزبالة الأسود وقع جنبك كأنه جثة هامدة.
كان لازم أتكلم من زمان.. الراجل ساعات بيقضي سنين مطي راسه عشان يتجنب الحرب في بيته، لحد ما يكتشف في يوم إنه بقى جبان جوه الحيطان اللي بناها بنفسه. عشان كدة، بطلب منك تسامحيني، رغم إني عارف إني مستحقش المسامحة بمجرد إني طلبتها.
عينك زغللت من الدموع.. مسحتِها وكملتِ
جوه الظرف ده، صور عقود ملكية لورشة صغيرة وشقة
فوقيها في سوهاج، كانت بتاعة أختي الله يرحمها نبوية. هي ماتت من غير ورثة، وقبل ما تموت قالت لي لو قابلت ست شقيت بكرامة واترد لها الشقا ده بذل، ابقى اديها
المكان ده..  بدل ما نسيب الدم هو اللي يحكم في كل حاجة. أنا ضحكت وقتها.. بس النهاردة أنا مش بضحك.
وقفتِ فجأة.. وقرأتِ السطر تاني.. وتالت.
عقود ملكية؟ شقة وورشة؟ في بلدك؟ في سوهاج؟
سحبتِ الورق اللي تحت الجواب.. عقود بيع وشراء، وصور توكيلات.. ومكتوب فيها مريم محمود... أوراق جاهزة ومختومة من شهرين فاتوا.. شقة وصالة، وورشة وليها باب على الشارع.
حطيتِ إيدك على بؤك من الصدمة وأنتي بتكملي قراية نوتة صغيرة تانية مع الفلوس
الفلوس دي مش صدقة ولا إحسان.. ده حقك اللي كان لازم أدفعهولك بدل المرة ألف، تمن قعدتك تحت رجلينا بالدوا، وشقاكي في المطبخ، وخدمتك لمراتي في تعبها، وغسيلك وتعبك اللي خلى البيت ده واقف على رجليه، في الوقت اللي كانوا بيعتبروكِ فرد من العيلة بس لما يحتاجوا منك خدمة.
هنا مريم مقدرتش تمسك نفسها.. انفجرت في العياط.
مش عياط دلع، ولا شهقات خفيفة.. ده كان العياط الوعر اللي بيهز الجسم كله، العياط اللي بيطرد
كل السموم اللي اتجمعت في صدرها سنين.
كنتِ خارجة من البوابة حاسة إنك عارية، إن خمس سنين ضاعوا هباء.. وفجأة،
أهدا واحد في البيت ده مد إيده من ورا الزمن وقالك لا.. أنتي مكنتيش خيال.. أنا كنت شايف التمن اللي بتدفعيه. 
كملتِ قراية والوجع بيتحول لقوة
أنا عارف ابني علي.. هو ضعيف في المكان اللي كان لازم يكون فيه شجاع. هو اختار راحته على حس كرامتك، واختار يطلقك بدل ما يصلح نفسه. الستات في البيت ده هما اللي شكلوا ضعفه، بس هو اللي غداه ب إيده. مترجعيش تستني اعتذار.. الناس الضعيفة بتعتذر بس لما تحس إنها خسرت ممتلكات.
السطر ده كان كأنه شباك اتفتح في أوضة مخنوقة.
لأن فعلاً، حتة صغيرة وجعاه جوه قلبك كانت بتسأل أرجع أواجهم؟ أقولهم إني عرفت؟ أسأل علي ليه سكت؟
الجواب قفل الباب ده بالضبة والمفتاح. عم الحاج إبراهيم عارفهم كويس.. والنهاردة، هو مش هيحميهم من نتيجة أفعالهم.
في آخر الورقة
في كيس صغير في قاع الظرف، فيه المفتاح.. مفتاح الورشة. كلمي عم توفيق في سوهاج، أنا بعتله خبر وهو مستنيكي وهيساعدك في نقل الملكية. مترجعيش تشكريني.. خروجك بكرامتك هو أحلى شكر ليا.
إبراهيم السيوفي.

نهاية الحكاية.. وبداية مريم
الشارع لسه زحمة.. الكلب اللي
نايم في الضل لسه محركش ودنه.. والدنيا ماشية كأن مفيش حاجة حصلت.
لكن مريم مكنتش هي هي اللي خرجت من البوابة من عشر دقايق.
قمتِ وقفتِ، نفضتِ هدومك، ومسحتِ دموعك بقوة.
طلعتي موبايلك.. لقيتي مكالمات مابتخلصش.
علي.. عبير.. حماتك.
الظاهر علي رجع البيت، والحاجة إبراهيم فتحت الدرج، وشافوا إن فيه حاجة ناقصة.. أو يمكن عم الحاج إبراهيم قرر أخيراً يواجههم بالحقيقة.
بصيتِ للاسم وهو بينور على الشاشة.. علي..
محستيش بوجع.. حسيتِ ب قرف.
قفلتي الموبايل خالص.. وحطيتي الظرف في حضنك كأنك شايلة عيل صغير.
مشيتِ ناحية موقف الميكروباصات.. ومن هناك لمحطة القطر.  تذكرتك لسوهاج مكنتش مجرد تذكرة سفر.. دي كانت تذكرة رجوع للحياة.
بعد سنة.. مريم بقت صاحبة مشغل مريم للمنسوجات. الورشة الصغيرة بقت خلية نحل.
مريم اللي كانت بتغسل قمصان علي بدموعها، بقت بتصمم أزياء ب إيدها..
والأهم من ده كله.. إنها في كل يوم بتفتح فيه باب الورشة الصبح بالمفتاح القديم، بتفتكر إن الزبالة الوحيدة اللي شالتها في حياتها.. كانت الناس اللي سابتهم وراها في البيت
الكبير
في القاهرة.
تمت.
بقلم مني السيد

تم نسخ الرابط