حفيدي في محنه بقلم روماني مكرم
بصيت في عينيهم.. كنت بدور على أي علامة غدر، أي علامة ندم. سارة كانت بتعيط بانهيار، وأحمد كان هيتجنن من الخوف.
الدكتور قرب منهم وقال ببرود
أستاذ أحمد؟ مدام سارة؟ ياريت تتفضلوا معايا لمكتب المدير، في محضر بيتحرر دلوقتي بخصوص إصابات يوسف.
سارة اتصدمت وقالت إصابات؟ إصابات إيه؟ يوسف كان زي الفل لما سبناه!
الدكتور بص لها بنظرة فاحصة وقال
الكدمات اللي على جسمه قديمة بقالها أكتر من 6 ساعات.. يعني كانت موجودة وأنتو معاه في البيت.
فجأة، سارة سكتت.. العياط وقف تماماً، وبصت في الأرض.
أحمد بص لها بذهول وقال سارة.. إنتي عارفة حاجة عن الموضوع ده؟
سارة م ردتش، كانت بتترعش بس المرة دي مش من الخوف.. كانت بتترعش كأنها مخبية سر هينفجر.
وفي اللحظة دي، ممرضة خرجت من الأوضة وهي ماسكة شنطة يوسف اللي أنا أخدتها معايا في الاستعجال، وقالت للدكتور
يا دكتور، لقينا ده في جيب الشنطة الجانبي.
طلعت جهاز تسجيل صغير جداً، من النوع اللي بيتحط في لبس الأطفال أو الشنط.
قلبي وقع في رجلي.. الجهاز ده مش بتاعي.. ومستحيل يكون بتاع أحمد.
رفعت عيني لقيت سارة بتبص للجهاز ورجلها بتخبط في بعضها، وقالت بصوت مسموع بالعافية
أنا كنت عارفة إن في حاجة بتحصل في غيابي.. بس مكنتش متخيلة إنها توصل لكده!
هل سارة هي اللي كانت بتأذي الطفل؟ ولا الجهاز ده هي كاشفة بيه حد تاني؟
لو عايز تعرف السر اللي سجله الجهاز ومين اللي كسر ضلع يوسف.. حكايات رومانى مكرم
الدكتور مسك جهاز التسجيل وهو بيبص لسارة بشك، وسأل بصوت واطي
الجهاز ده بتاعك يا مدام سارة؟ وإيه اللي جابه في شنطة يوسف؟
سارة انهارت تماماً وقعدت على أقرب كرسي، وبدأت تتكلم وهي بتشهق
أنا كنت بدأت أشك يا دكتور.. كنت
أحمد بص لها بذهول وقال
يعني إنتي كنتي شاكة فيا يا سارة؟ إنتي فاكرة إني ممكن أمد إيدي على ابني؟
سارة صرخت فيه
لأ يا أحمد! مش فيك إنت.. أنا كنت شاكة في نهى!
أنا اتخضيت وقلت نهى؟ نهى مين؟
أحمد رد وهو بيحاول يستوعب
نهى دي جارتنا في الشقة اللي قدامنا يا أمي.. هي بتيجي تقعد مع يوسف ساعات لما سارة بتنزل تشتري طلبات سريعة والوقت بيبقى متأخر وأنا في الشغل.
سارة كملت كلامها وهي بتمسح دموعها بضعف
نهى كانت دايماً بتعرض عليا المساعدة، بتقول إنها بتحب الأطفال ونفسها تخلف.. بس لما كنت برجع، كنت بحس يوسف نظراته غريبة، كان بيبقى ساكت زيادة عن اللزوم، كأنه خايف ينطق.. النهاردة الصبح، قبل ما ننزل ونروح لماما، نهى جت عندنا الشقة خمس دقائق تبارك لنا على اللبس الجديد اللي جبناه ليوسف.. أنا استغليت اللحظة دي وحطيت الجهاز في جيب الشنطة الجانبي عشان أتأكد من شكوكي.
الدكتور شاور لأمن المستشفى يستنوا، وفتح الجهاز وضغط على زرار التشغيل.
في الأول، كان في صوت وش.. وبعدين صوت باب بيتقفل.
صوت نهى الجارة وهي بتقول بدلع غريب
يا روحي.. يا يوسف.. أخيراً بقينا لوحدنا.. إنت عارف سارة دي متستاهلش تكون أم.. هي خدت كل حاجة، الشقة، والزوج، وحتى الطفل اللي كان نفسي فيه.
فجأة، الصوت اتحول لصرخة مكتومة ليوسف.. صوت خبطة قوية على الخشب.
نهى بدأت تتكلم بصوت مرعب ومتحول
اسكت! مش عايزة أسمع صوتك! إنت بتعيط ليه؟ عشان هي مشيت؟ ولا عشان أنا هنا؟
صوت يوسف كان بيعلى من الوجع، ونهى كانت بتنهج وتقول
كل مرة هعلم علامة
سمعنا صوت طقطقة خفيفة وصراخة يوسف اللي شقت السكون في التسجيل.. كانت اللحظة اللي كسر فيها ضلع الصغير.
أحمد وشه بقى أحمر زي الدم، وعروق رقبته برزت، صرخ بأعلى صوته
يا بنت ال! دي كانت معانا الصبح وبتبوسه!
كان هيجري يخرج من المستشفى، بس أمن المستشفى مسكوه بسرعة.
الدكتور قال بحدة
أهدى يا أستاذ أحمد، التسجيل ده كافي جداً.. إحنا هنبلغ الشرطة فوراً وهما هيقبضوا عليها متلبسة في بيتها.
سارة كانت بتترعش في حضني وهي بتقول
أنا السبب.. أنا اللي كنت بدخلها بيتي.. أنا اللي سلمتها ابني بإيدي!
حضنتها بقوة وقلت لها
ادعي ربنا يقومه بالسلامة يا بنتي.. المهم إننا عرفنا الحقيقة قبل ما الحكاية تنتهي بكارثة أكبر.
في اللحظة دي، الممرضة خرجت وقالت
يا دكتور.. حالة الطفل بدأت تسوء.. النبض بيقل والتنفس مش منتظم، لازم يدخل العمليات فوراً عشان نزيف داخلي محتمل!
العالم كله وقف.. سارة وقعت من طولها، وأنا مكنتش شايفة قدامي غير صورة يوسف الصغير وهو بين إيدين المجرمة دي.
المستشفى اتحول لخلية نحل، الممرضين بيجروا بجهاز التنفس الصناعي، والدكتور دخل بسرعة لغرفة العمليات وهو بيزعق جهزوا كيسين دم فصيلة O فوراً!
أحمد كان بيخبط راسه في الحيطة وهو بيبكي بحرقة يا رب.. ابني ملوش ذنب.. خد عمري وسيبه يعيش! وسارة كانت غايبة عن الوعي تماماً على السرير اللي جنب غرفة العمليات، والممرضات بيحاولوا يفوقوها.
في اللحظة دي، دخل ضابط المباحث ومعاه اتنين عساكر. بص للجهاز التسجيل وبص لأحمد وقال بلهجة حازمة
أستاذ أحمد، إحنا سمعنا التسجيل.. والقوة دلوقتي قدام شقة نهى جارتكم.
أحمد بص
الضابط سكت لحظة وبعدين جاله لاسلكي.. وش الضابط اتغير وقال
القوة اقتحمت الشقة.. نهى كانت قاعدة في الصالة، لابسة فستان فرح قديم، وماسكة عروسة لعبة بتطبطب عليها وتقول لها نامي يا يوسف.. نامي يا حبيبي.. الست دي مريضة نفسياً يا جماعة، وعندها هلاوس وقصص قديمة مع الخلفة خلتها تفقد عقلها وتصب غلها في طفل ملوش ذنب.
سارة بدأت تفوق على الكلمة دي، وقامت وقفت برعشة مريضة؟ والوجع اللي في جسم ابني ده مين هيعالجه؟ الضلع اللي اتكسر ده هيرجع إزاي؟
عدت ساعتين كأنهم سنتين.. الكل ساكت، مفيش صوت غير صوت الأجهزة اللي بتصفر في الممرات.
فجأة، باب العمليات اتفتح.. الدكتور خرج وهو بيمسح العرق من جبهته.
جرينا عليه كلنا في وقت واحد طمنا يا دكتور!
الدكتور ابتسم ابتسامة خفيفة، والتعب باين عليه
الحمد لله.. قدرنا نوقف النزيف الداخلي، والضلع ثبتناه.. يوسف بطل وقاوم، والنبض رجع يستقر.. هو دلوقتي في الحضانة تحت الملاحظة، بس أقدر أقول لكم إنه عدا مرحلة الخطر.
سارة رمت نفسها في حضني وهي بتصرخ من الفرحة، وأحمد سجد في نص الطرقة يشكر ربنا.
بعد أسبوع، يوسف خرج من المستشفى.. رجع بيته وهو منور الدنيا، بس المرة دي مفيش نهى قدامنا.. الشقة اللي قدامنا اتقفلت بالشمع الأحمر، وهي اتنقلت لمصحة نفسية تحت حراسة مشددة.
أنا قعدت في الصالة، شلت يوسف في حضني، وبصيت لأحمد وسارة وقلت لهم
البيت مش بس حيطان وباب مقفول.. البيت هو الأمان اللي بنبنيه لعيالنا.. متثقوش في حد زيادة عن اللزوم، وقلب الأم دايماً هو البوصلة اللي مش بتكذب.
يوسف ضحك ضحكة صغيرة وهو نايم، كأنه بيطمنا إنه نسي
حكايات رومانى مكرم
تمت الحكاية