طلقني ظنا أنني ؟ بقلم حماده هيكل
من ١٧ سنة، جوزي السابق سابني ومشي وهو مقتنع إني ما بخلفش، وإن حياته هتبقى أحسن من غيري.
لكن امبارح بالليل لما دخلت حفلة خيرية فخمة تمنها بالملايين ومعايا ولادي الأربعة، القاعة كلها سكتت فجأة.
لأن ملامحهم كانت بتقول حاجة واحدة محدش يقدر ينكرها
إن الدم اللي فيهم هو دمه هو.
في الليلة دي كانت قاعة فندق كبير في القاهرة منورة كأن المدينة كلها متغطية دهب. الجرسونات بيتحركوا بين الناس بصواني العصير والشمبانيا، والمصورين بيلفوا يدوروا على الضيوف المهمين.
وعلى المسرح تحت نور الكشافات كان واقف كريم المنصوري.
لابس بدلة شيك، وبيبتسم بثقة الراجل اللي قدر يحول الفلوس لسمعة ونفوذ.
بس من سبعتاشر سنة نفس الراجل ده أنهى جوازنا بكلمتين لسه بيرنوا في ودني لحد دلوقتي.
قاللي وقتها
أنا مش هضيع عمري مع ست ما بتخلفش.
دخلت القاعة وإيدي في إيد ابني الكبير.
ورايا كانوا ماشيين إخواته التلاتة.
يوسف طويل وهادي.
ليلى قوية وواثقة.
آدم عينينه بتلمع بالذكاء.
وسارة وعلى وشها ابتسامة صغيرة فيها حاجة مألوفة جدًا فكرتني بحد كنت أعرفه زمان.
لبسهم كان شيك بس بسيط.
مش لفتوا النظر بالمظاهر لكن بالثقة اللي ماشين بيها.
ماكانوش أطفال تايهين وسط
هم كانوا السبب الحقيقي اللي خلاني أجي الليلة دي.
لما كريم سابني، كنا متجوزين بقالنا تسع سنين.
نص الفترة دي تقريبًا ضاع بين تحاليل عقم، وحقن هرمونات، ومواعيد دكاترة، وسكوت طويل حل مكان الكلام اللي كان بينا زمان.
استحملت كل حاجة.
تلميحات أمه الجارحة.
زهق أصحابه من طول الانتظار.
وإحساس مهين إن جسمي بقى زي ماكينة بايظة بيتفتشوا فيها على العيب.
في يوم إداني تقرير من مركز خصوبة في إسكندرية.
التقرير بيقول إن مخزون البويضات عندي شبه معدوم.
حتى ما كلفش نفسه يروح معايا كشف تاني.
بعدها بثلاث شهور بس كان عايش بالفعل مع دينا فاروق، مستشارة علاقات عامة أصغر مني بكتير.
وقتها حسيت إن حياتي كلها انتهت.
لكن بعد الطلاق بسنة وأنا شغالة بهدوء في أرشيف مكتب محاماة في القاهرة وبحاول أدبر إيجار الشقة
جالي اتصال من نفس المركز الطبي.
كانوا بيسألوني إذا كنت ناوية أكمل دفع رسوم حفظ الأجنة المجمدة.
افتكرت في الأول إنهم لخبطوا بيني وبين حد تاني.
لكن ما كانش فيه أي لخبطة.
تاني يوم سافرت إسكندرية وطلبت كل الملفات الخاصة بعلاجي.
جوه ملف عمري ما شفته قبل كده لقيت ورقتين قلبوا حياتي.
الأولى كانت استمارة موافقة موقعة مني ومن كريم
التانية كانت ملاحظة تصحيح من المعمل متسجلة قبل الطلاق بيومين بس.
المشكلة ما كانتش عندي أنا.
المشكلة كانت عند كريم.
خرجت من المركز وأنا بترعش وماسكة النسخ بإيدي.
لكن جوايا كان فيه هدوء غريب.
ما كلمتوش.
ما واجهتوش.
ولا طلبت تفسير.
كملت حياتي وبس.
وبعد سنين اتولد يوسف.
وبعده التوأم ليلى وآدم.
وبعدين سارة.
الأربعة اتولدوا من الأجنة اللي كريم بنفسه كان موافق على تجميدها
من غير حتى ما يقرا التفاصيل كويس.
رجعت للحظة في القاعة.
كريم بص ناحية الباب.
الأول عرفني.
بعدين شاف يوسف.
بعده ليلى.
بعدين آدم.
وفي الآخر عينيه وقفت على سارة.
كاس العصير وقع من إيده
واتكسر على أرضية الرخام.
صوت الكاس وهو بيتكسر على الرخام خلّى القاعة كلها تسكت لحظة.
الناس بصّت ناحية كريم المنصوري وبصّت ناحيتي.
لكن كريم ماكانش شايف حد غير ولادي.
وشه اتسحب من الصدمة، وعينيه كانت بتتنقل بينهم واحد واحد كأنه بيحاول يقنع نفسه إن اللي شايفه مستحيل.
أنا ما استعجلتش.
مشيت بهدوء وسط القاعة لحد ما وقفت على بعد كام خطوة منه.
يوسف وقف جنبي مستقيم، وليلى وآدم وسارة ورايا بنص خطوة.
كريم أخيرًا اتكلم بصوت مبحوح شوية
دول
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقلت بهدوء
أفتكرت إنك أكيد هتعرف.
عينيه رجعت لوجوههم تاني.
يوسف كان شبهه بشكل يخوّف نفس خط الفك، ونفس الوقفة الواثقة.
ليلى كانت واخدة نفس عينين كريم الرمادي.
آدم نفس النظرة المركزة اللي كان بيبص بيها في الاجتماعات زمان.
أما سارة
فكانت نسخة مصغرة من ابتسامته القديمة.
كريم بلع ريقه بصعوبة.
مستحيل
قلتله بهدوء
لا مش مستحيل.
الناس اللي حواليه بدأوا يقربوا شوية، واضح إن الفضول بدأ يكبر.
كريم قرب خطوة مني، صوته بقى أخفض
إنتِ خلفتي؟
ضحكت ضحكة قصيرة.
غريبة مش ده اللي كنت متأكد منه زمان؟
وشه احمر فجأة.
الدكاترة قالوا إنك
قاطعته وأنا طالعة من شنطتي ملف رفيع.
فاكرة التقرير اللي اديتهولي؟
فتحت الملف وطلعت نسختين من الأوراق.
ناولته واحدة.
جرب تقرا دي.
إيده كانت بترتعش وهو بياخد الورقة.
قرا سطرين
وبعدين وشه شحب فجأة.
كان نفس التصحيح اللي شفته من سبعتاشر سنة.
العقم
كان عنده هو.
رفع عينيه ناحيتي بذهول.
إنتي عرفتي؟
قلتله بهدوء شديد
عرفت بعد الطلاق بسنة.
سكت لحظة.
والأجنة؟
ابتسمت.
فاكر استمارة التجميد اللي مضيتها من غير ما تقراها؟
سكت تمامًا.
وأنا كملت
ستة أجنة كانوا لسه محفوظين.
بص ناحية الأطفال
كأن الدنيا كلها بتدور حواليه.
همس بصوت شبه مكسور
دول ولادي؟
يوسف رد لأول مرة، بصوت هادي لكن ثابت
واضح كده.
كريم