جوزي رماني بطوبه بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

في الطابق الأسفل كان يطرب أذني كأنه معزوفة نصر. منصور الذي كان يرى نفسه سيد المكان، صار الآن يضرب كفاً بكف وهو يرى هناء التي كانت تاج رأسه متهمة في أعز ما يملك ماله وهيبته في السوق.
حماتي كانت تصرخ وتلطم خديها، ليس حزناً على ابنتها، بل رعباً من ضياع القرشين اللي منصور شقي فيهم. دخلتُ عليهم المطبخ ببرود القتلة، سحبتُ كرسيّاً وجلستُ، وركبتي المضمودة ممدودة أمامي كشاهد إثبات.
قلتُ بنبرة هادئة جرى إيه يا جماعة؟ صوتكم جاب آخر الشارع.. الفضايح وحشة، والناس بدأت تتلمّ على باب البيت.
القشة التي قصمت ظهر البعير
التفت إليّ منصور وعيونه حمراء كالجمر، وكأنه يبحث عن فريسة يفرغ فيها غله. إنتي السبب! إنتي اللي فتحتي عيني على اللي بيحصل!
ابتسمتُ بمرارة وقلت أنا مجرد عيبة يا منصور، زي ما قلت.. والعيبة مبتكدبش. بس اللي يوجع بجد إن أختك باعت أسرار ورشتك للمنافس بتاعك، المعلم شداد. الورق اللي في إيدها ده فيه حسابات الزبائن والخصومات اللي إنت بتعملها.
طبعاً، كنت قد بدلت الفواتير بأوراق حسابات قديمة سرقتها من مكتبه وأضفت عليها أرقاماً وهمية بخط يدي، موهمة إياه أن هناء كانت تنقل هذه المعلومات ل شداد مقابل مبالغ كانت تخفيها في مرتبتها.
انفجار البركان لم ينتظر منصور حرفاً آخر. نزل إلى ورشته كالمجنون، وبدأ يطرد العمال ويصرخ في وجه كل من يقابله. الشك سكن قلبه، والشك في قلب الجبار هو بداية نهايته.
عزلة حماتي أما حماتي، فقد انزوت في ركن الغرفة، تنظر لابنتها هناء التي كانت تبكي بحرقة وتقسم أنها بريئة. نظرتُ لحماتي وقلتُ لها مش قلتي يا حاجة إن اللي ملهومش عازة لازم يغوروا؟ أهي بنتك دلوقتي بقت هي اللي ملهاش عازة في نظر ابنك.
ليلة
الحساب المريرة
في تلك الليلة، كان منصور جالساً في الورشة وحيداً وسط الحديد والزيت، يشرب السجائر بشراهة. نزلتُ إليه، لكن هذه المرة لم أكن خائفة. وقفتُ بعيداً عن متناول يده وقلتُ له الناس في المنطقة بيقولوا إنك مش قادر تحكم بيتك.. وإن أختك مشيت كلامها عليك.
وقف منصور، وكان جسده يهتز من الغضب المكبوت. عايزة إيه يا هناء؟ نطق اسمي بغلطة لسان من كتر التشتت.
قلت له عايزة حقي. الطوبة اللي رمتها على ركبتي دي، كسرها مش هيدوي إلا لما أشوف البيت ده بيتطهر من اللي بيوقعوا بينا.
كنت أعلم أن منصور شخص مندفع، واللعب على رجولته الجريحة هو أقصر طريق لتدميره. بدأ يشك حتى في أمه، ظناً منها أنها كانت تخفي عنه أفعال هناء.
المفاجأة الصادمة
بينما نحن نتحدث، اقتحم المعلم شداد الورشة مع رجاله، ليس بدافع المؤامرة، بل لأنني أرسلت له رسالة مجهولة باسم منصور يسبه فيها ويتحداه أن يقترب من حدود الورشة.
بدأت المشاجرة الكبرى..
الحديد اصطدم بالحديد، وصراخ الرجال ملأ الممر. وقفتُ أنا بعيداً، أنظر إلى المشهد بذهول مصطنع، بينما كان منصور يتلقى ضربات موجعة من رجال شداد، والورشة التي كان يفتخر بها بدأت تتحطم أمام عينيه.
حماتي وهناء وقفتا في الشرفة تصرخان يا لهوي.. يا خراب بيتنا!
نظرتُ إليهما ورفعتُ يدي بعلامة النصر الخفية، وقلتُ في سري دي مجرد البداية.. الوجع الحقيقي لسه مجاش.
منصور الآن ملقىً وسط حطام ورشته، غارقاً في دماء جروحه وخسارته المالية.. وحماتي فقدت السيطرة على ابنها الذي بدأ يرى الجميع أعداءً له.
حكايات رومانى مكرم
بينما كان منصور يلملم شتاته وسط حطام ورشته والدم يغطي وجهه بعد علقة المعلم شداد، كانت هناء وأمها في حالة ذهول. لم يعد
البيت ذلك الحصن المنيع، بل تحول إلى ساحة حرب والشك يأكل الجدران.
منصور دخل البيت يترنح، وعينه تدور في المكان كذئب جريح. لم ينظر لأخته بعطف، ولم يستند على كتف أمه. رمى بجسده الثقيل على الكنبة وقال بصوت غليظ الورشة باظت.. والزبائن هربت.. وسمعتي بقت في الطين بسببك يا بومة أنتِ وهي!
لعبة السم في العسل
اقتربتُ منه بخطوات هادئة، متجاهلة نظرات حماتي القاتلة. وضعتُ كوباً من الليمون البارد أمامه وقلت بنبرة حانية مزيفة سلامتك يا أبو العيال.. ده اللي كنت خايفة منه. أختك طمعت في ورثها بدري، وأمك كانت خايفة على زعلها فخبت عليك.
انفجار المواجهة صرخت حماتي كدابة! أنتِ اللي بتولعي النار!
الرد القاصم نظرتُ إليها ببرود وقلت أنا كدابة؟ طب اسألي هناء عن الذهب اللي شالته عند جارتنا أم عادل من ورا أخوها.. مش ده ذهبك يا حاجة اللي قلتي إنه ضاع من أسبوعين؟
بالطبع، لم تكن هناء قد سرقت الذهب، بل كنت قد تسللتُ لغرفة حماتي وأخذتُ الغوايش ووضعتها في حقيبة هناء القديمة المخبأة فوق الخزانة الدولاب.
لحظة الانكسار
قام منصور كالمجنون، وجرّ أخته من شعرها لغرفتها. قلب الغرفة رأساً على عقب حتى سقطت الحقيبة، ولمعت الغوايش تحت ضوء المصباح الضعيف. هنا، سكتت هناء تماماً، وتجمدت الدماء في عروق حماتي.
الضربة القاضية للهيبة
منصور لم يكتفِ بضرب هناء هذه المرة، بل طردها من البيت بملابسها التي عليها في منتصف الليل. صرخ فيها مالكيش أخ.. وروحي للي كنتِ بتبعيلي الأسرار ليه!
أما حماتي، فقد سقطت مغشياً عليها من هول الصدمة ومن بطش ابنها الذي لم يعد يرى أمامه. وجدتُ نفسي وحيدة مع منصور في الصالة، والبيت غارق في صمت جنائزي.
التحول من الضحية للجلاد
دنا مني
منصور، وعيونه مكسورة لأول مرة. قال بصوت مرتجف ماليش غيرك يا صابرة.. أنتِ الوحيدة اللي طلعتي أصيلة في البيت ده.
ابتسمتُ بداخلي ابتسامة لم تصل لوجهي. قلت له أنا أصيلة يا منصور، بس ركبتي لسه بتوجعني.. والطوبة اللي رميتها لسه معلمة في عضمي.
التنازل الكبير تحت ضغط ديونه للمعلم شداد وخسارته للورشة، وحاجته لمن يدير شؤون البيت بعد طرد أخته ومرض أمه، طلب مني منصور أن أوقع معه عقد شراكة في البيت والورشة مقابل أن أبيع ذهبي وأسدد ديونه.
الفخ وافقت، لكنني جعلت المحامي يكتب العقد بصيغة بيع وشراء قطعي وليس شراكة، مستغلة جهله بالقانون وحالته النفسية المنهارة.
المشهد الأخير في هذا الجزء
وقعتُ الأوراق، وأصبح نصف البيت ونصف الورشة ملكي قانوناً. وفي تلك الليلة، وبينما كان منصور نائماً من التعب، وقفتُ في الممر، في نفس البقعة التي ضربني فيها بالطوبة.
نظرتُ إلى البيت المظلم وقلتُ بصوت مسموع دلوقتي أنا مش عيبة دخلت بيتكم.. أنا بقيت صاحبة البيت.. وإنتو اللي ملكمش عازة.
حماتي كانت تراقبني من شق الباب وعيناها تملؤهما الرعب، أدركت أخيراً أن الحشرة التي كانت تضحك عليها، أصبحت هي من تمسك بزمام خناقهم جميعاً.
حكايات رومانى مكرم
أصبح الصباح في البيت ثقيلاً، لكنه كان بالنسبة لي أول فجر أتنفس فيه حرية الظفر. منصور استيقظ وهو يظن أن الأوراق التي وقعها بالأمس هي طوق نجاة لديونه، ولم يكن يعلم أنها كانت صك غفران لخروجه من أملاكه.
حماتي كانت ملقاة على فراشها، تنظر للسقف بعيون غائرة، فقدت القدرة على الكلام بعد أن رأت ابنها يطرد ابنتها هناء ويذلها أمام الجيران. دخلتُ غرفتها وأنا أحمل صينية الفطور، وضعتها بخشونة على الطاولة الصغيرة وقلت كلي
يا حاجة.. السهر واللطم بيجوعوا، وإحنا لسه ورانا
تم نسخ الرابط