ماما أنا راضي بما قدمته جدتي لي ؟
حين وصلتُ إلى بيت أمي ذلك الأحد، كنت أعرف في داخلي أن الدعوة لم تكن بريئة.
البيت نفسه كان يبدو كعادته في مثل هذه المناسبات.
مرتبًا أكثر من اللازم.
ومشحونًا أكثر من اللازم.
والابتسامات فيه لا تأتي من دفء حقيقي، بل من رغبة قديمة في أن يبدو كل شيء تحت السيطرة، حتى لو كان ذلك على حساب شخص واحد يُدفَع بهدوء إلى زاوية المشهد ليذكّر الجميع بما لا يريدون أن يصيروا إليه.
أنا كنت ذلك الشخص منذ طلاقي.
قبل سنوات، كنت الابنة الكبرى التي يُشاد بصبرها، وطريقتها في الترتيب، وتحمّلها للمسؤولية.
لكن بعد الطلاق، تغيّر اسمي داخل العائلة من دون أن يتغير لفظه.
بقيت سلمى.
لكن المعنى صار مختلفًا.
صرت المرأة التي لم تُوفَّق.
التي تسكن في بيت مستأجر.
التي تؤجل الفواتير أسبوعًا بعد أسبوع.
والتي تحاول أن تربي ولدها الوحيد بما بقي عندها من حبّ، حين لم يعد عندها ما يكفي من المال أو الكرامة لتتظاهر بأن الأمور مستقرة.
أما أختي دينا، فكانت النقيض الذي تحبه أمي.
زوج مستقر.
بيت واسع.
ابنة مدللة في مدرسة خاصة.
ملابس لا تُشترى من أول محل.
وشعر مصفف دائمًا كما لو أن الحياة لم تقترب منه يومًا بيد خشنة.
أمي كانت تحب هذا التوازن.
لا، ليس توازنًا.
كانت تحب هذا التفاوت.
كانت ترى الفرق بيننا كما تشمّ السمكة رائحة الملح.
تلتقطه فورًا.
وتعرف كيف تستخدمه.
لكنني، رغم كل ذلك، ذهبت.
ليس لأنني أردت.
بل لأن إياد هو من سأل.
كان واقفًا عند باب المطبخ صباحًا، يحمل حذاءه بيد، وينظر إليّ بعينيه الهادئتين اللتين لا
قال
ماما... هل نذهب اليوم؟
سألها بالطريقة نفسها التي يسأل بها الأطفال عن زيارة فيها دفء وطعام وضحك، لا عن ساحة اختبار سيُطلب منهم فيها أن يبتسموا وهم يتلقون الإهانة.
كان عمره ثماني سنوات فقط.
نحيلًا.
رصينًا أكثر من سنه.
ومن ذلك النوع من الأطفال الذين يفكرون قبل أن يتكلموا، حتى إن الكبار يسمّونهم عقلاء وهم في الحقيقة يخفون في داخلهم شيئًا من الحذر المبكر الذي لا يجب أن يعرفه الأطفال.
لم يكن كثير الطلب.
ولذلك، حين طلب، وافقت.
ربما لأنني لم أملك الشجاعة لأحرمه من الفكرة التي ما يزال يصدقها.
أن العائلة قد تكون مكانًا يحتضن الإنسان.
حين وصلنا، كانت الحديقة الخلفية ممتلئة بالوجوه المألوفة.
خالي بصوته المرتفع.
ابنتا خالتي تلتقطان الصور لكل شيء.
صديقتان أنيقتان لدينا من مجمّعها السكني.
رجال يتنقلون بأكواب العصير.
وأمي في الوسط، تتحرك بين الطاولات كما لو أنها ملكة تفقد حدود إقطاعيتها.
كان الشواء مشتعلًا.
ورائحة الفحم واللحم والدهن المحترق في الهواء.
والضحكات أعلى من الحاجة.
كل شيء في المكان كان يقول إن المناسبة ليست للراحة، بل للعرض.
ما إن رأتنا أمي حتى لمّحت ابتسامة رقيقة من الخارج، لكنها باردة بما يكفي لأعرف أنني جئت في التوقيت الذي يناسبها تمامًا.
قالت
اجلسا هناك.
وأشارت إلى طاولة معدنية صغيرة على طرف الحديقة، نصفها تحت الشمس ونصفها خارج المظلّة.
جميع الآخرين كانوا في المساحة المظللة.
عند الطاولة الكبيرة.
قريبين من الشواية
أما نحن، فكنا عند الحافة.
ليس بعيدين بما يكفي ليقال إننا معزولان.
ولا قريبين بما يكفي لنكون جزءًا من المشهد حقًا.
هذا هو أسلوب أمي دائمًا.
لا تطردك.
بل تضعك في المكان الذي يذكرك بمنزلتك من دون أن تضطر إلى إعلان ذلك.
نظرت إلى إياد.
كان قد جلس بهدوء، ورفع عينيه إلى الحديقة كلها كما لو أنه ما يزال يبحث عن شيء جميل يمكن التعلق به.
لم يشتكِ من الشمس.
لم يسأل لماذا هنا.
فقط جلس.
وهذا وحده كسرني قليلًا.
لأن الأطفال الذين يتعودون على الإقصاء لا يعترضون غالبًا.
يتأقلمون بسرعة موجعة.
مرّت الدقائق الأولى ثقيلة.
كنت أسمع تعليقات دينا البعيدة أكثر مما أسمع حديث من بقربي.
كانت تضحك بصوت مرتفع، تمد يدها لالتقاط كأسها، تميل برأسها إلى الخلف كأنها تؤدي نسخة محسوبة من امرأة ناجحة ومحبوبة ومرغوبة.
وفي الجهة الأخرى، كانت ابنتها لارا تركض بين الكراسي، ثم تعود لتحتمي بحضن أمها، ثم تُمد لها يد تلتقط حلوى أو شريحة خبز أو رشفة عصير.
أمي تراقبها بعينين لمعتا أكثر من مرة.
كانت ترى فيها الامتداد الصحيح.
الفرع الذي تفخر به.
أما إياد، فجلس قرب طبقه الفارغ في البداية، يراقب كل شيء بصمت.
كان هادئًا أكثر من المعتاد.
في البداية ظننت أنه التوتر.
ثم أقنعت نفسي أن الجو لا يريحه.
ثم بدأت ألاحظ أشياء صغيرة لم أفهمها وقتها كما يجب.
وجهه شاحب أكثر من المعتاد تحت نمش الصيف الخفيف على أنفه.
يداه متشابكتان في حجره بقوة.
وكتفاه مرفوعتان قليلًا، لا بوضعية طفل محرج، بل بوضعية
قلت له مرة
هل أنت بخير؟
هزّ رأسه فقط.
ثم نظر بعيدًا.
لم يبتسم حتى حين مرّ أحد أبناء العمومة قربه ليعرض عليه الكرة.
قال
ليس الآن.
وكان في صوته شيء دقيق جدًا، شيء يخص الحذر لا المزاج.
لكنني لم أمسك به بعد.
حين خرج اللحم من على الشواية، صار المشهد أكثر قسوة.
ربما لأن الإهانة حين تتجسد في شيء مادي، لا يعود ممكنًا للإنسان أن يقنع نفسه أنها مجرد حساسية أو سوء فهم.
كانت الأطباق تُوزع واحدًا واحدًا.
صحن لزوج دينا.
برغر لخالي.
نقانق للضيوف.
ذرة مشوية.
وسلطات.
ثم وُضع أمام لارا طبق خاص.
قطعة لحم كبيرة بعظم على شكل حرف T، سميكة، وردية من الداخل، تلمع فوقها الزبدة، كأنها خرجت من إعلان لا من شواية بيتية.
صفقت دينا تقريبًا وقالت
هذه لملكتي.
ضحك بعض الجالسين.
ثم جاءت أمي نحونا.
وفي يدها ملقط.
وفي الملقط شيء أسود، متعرج، لا يشبه الطعام إلا من باب السخرية.
أسقطته في طبق إياد.
قطعة قاسية من دهن وعصب محروق، وعلى طرفها خيط رفيع من لحم ناشف ملتصق كأنه نجا من الكارثة خطأ.
نظرت إليها.
ثم إلى الطبق.
ثم إلى وجه أمي.
كانت تنتظر.
تنتظر الأثر.
ولهذا ضحكت وهي تقول
هذا أكثر من كافٍ له، أليس كذلك؟
وقبل أن أرد، مالت دينا من كرسيها، ونظرت إلى الطبق باحتقار مريح، وقالت
حتى أكل الكلاب يبدو أكرم من هذا.
الضحكات لم تأتِ من الجميع.
وهذا لا يخفف شيئًا.
في مثل هذه اللحظات، يكفي أن يضحك القليل حتى يشعر الطفل أن العالم كله يضحك.
احترق وجهي.
شعرت بقلبي يضرب بسرعة،
كنت على وشك أن أفعل.
لكن إياد وضع يده على معصمي تحت الطاولة.
حركة خفيفة جدًا.
ومع ذلك، أوقفتني كما توقف