ماما أنا راضي بما قدمته جدتي لي ؟

لمحة نيوز

اليد بابًا قبل أن يغلق.
قال من دون أن يرفع عينيه عن الطبق
ماما... أنا راضٍ بهذه اللحمة.
لو قالها بلهجة الطفل الذي يحاول ألا يحرج أمه، لكنت فهمت.
لو قالها مبتسمًا، لكنت كسرت الطبق وغادرت.
لكن صوته لم يكن هكذا.
كان حذرًا.
حذرًا بطريقة جعلتني أنظر إليه فورًا.
لم يكن يريد أن يهوّن عليّ.
كان يريد أن يمنعني من شيء.
قلت
لا تحتاج أن تأكل هذا.
رفع عينيه لي لحظة.
ثم أعادهما إلى الطبق بسرعة.
وقال
أنا بخير.
قالتها أمي وهي تشهق باستهزاء
كفى تربية الولد على الحساسية يا سلمى. أعطيناه طعامًا، أم تريدينه أن يأكل من طبق لارا؟
وردت دينا
اتركيه. الأطفال يعتادون ما يناسب مستوى بيوتهم.
هذه المرة وقفت.
لا لأنني شجاعة دائمًا.
بل لأن هناك لحظات تقف فيها الأم قبل أن تفكر.
قلت
سنغادر.
لكن إياد شد معصمي بقوة أكبر من الأولى.
التفتُّ إليه.
كان وجهه شاحبًا جدًا الآن.
وشفتاه جافتين.
وهمس
ليس الآن... أرجوك.
هنا فقط، بدأ الخوف يتسلل إليّ.
لو كان الموضوع مجرد إهانة، لوافق فورًا على المغادرة.
لو كان خجلًا، لالتقط يدي وترك المكان.
أما أن يطلب البقاء، وهو في هذا الانقباض كله،
فهذا يعني أن شيئًا آخر يحدث أمامي وأنا لا أراه.
جلست ببطء.
أمي ابتسمت ابتسامة المنتصر الصغير.
ظنت أنني انكسرت.
ودينا عادت إلى ضحكتها العالية، كأن المسرحية نجحت في فصلها الأول.
أما أنا، فصرت أراقب ابني.
وهنا بدأت أرى أشياء كنت غاضبة أكثر من اللازم كي ألتقطها من قبل.
القطعة في طبقه ما تزال υпtoυched.
لم يلمسها.
لم يحاول حتى أن يقطعها.
كل بضع دقائق، كان يرفع عينيه عن الطبق إلى نقطة معينة في الحديقة.
ثم يعيدهما بسرعة.
كأن النظر الطويل إليها خطر.
كأن عليه أن يراقب من غير أن يُلاحَظ.
تتبعت نظره مرة.
لكن لارا مرت أمامي في اللحظة نفسها، ثم حجب خالي الرؤية وهو يضحك بصوت مرتفع، ثم تدخلت أمي في حديث جانبي معي عن المدرسة والمصاريف بطريقة كنت أعرفها جيدًا.
كانت تتعمد إغراقي في الكلام كلما شعرت أنني أنسحب إلى صمتي.
ومع ذلك، بقي شيء في داخلي متيقظًا.
مرّت عشر دقائق.
ثم عشر أخرى.
ثم قرابة ساعة.
وخلالها، كان إياد يتصرف كمن ينتظر شيئًا.
أو يتفادى شيئًا.
مرة طلب الماء، لكنه لم يشرب إلا رشفة.
مرة قام إلى الحمام، وحين عاد كان أكثر شحوبًا.
ومرة، بينما كان الجميع
منشغلين حول الشواية، لمحت يده الصغيرة ترتجف فوق حجره.
وضعت يدي فوقها.
كانت باردة.
سألته
هل يؤلمك شيء؟
أجاب بسرعة زائدة
لا.
لكن الأطفال الذين يكذبون خوفًا لا يشبهون الأطفال الذين يكذبون لعبًا.
كان في صوته شدّ أعرفه.
ثم لاحظت شيئًا آخر.
كلما تحرك كلب أمي في الحديقة قرب الشواية، كان إياد ينتفض بنظره نحوه.
الكلب كان مربوطًا تلك المرة قرب عمود جانبي، على غير العادة.
وعند قدميه وعاء معدني.
وحول الوعاء بعض القطع التي يبدو أنها سقطت من الشواء أو أُلقيت له.
لم أفهم.
ليس بعد.
لكنني رأيت إياد ينظر إلى الطبق، ثم إلى الكلب، ثم يشيح بعينيه بسرعة.
عندها فقط، شعرت أن شيئًا باردًا نزل إلى معدتي.
هل كان الأمر متعلقًا بالطعام؟
بالقطعة نفسها؟
أم بشيء رآه قبل أن تُقدم لنا؟
في تلك اللحظة، كانت أمي قد بدأت تحكي قصة قديمة عن الأيام التي كانت فيها تعرف كيف تربي أبناءها على الامتنان، وكانت دينا تضحك وتقول إن الأطفال اليوم مدللون، وإن بعض النساء ينشئن أولادهن على الشكوى بدل الصبر.
وكنت أنا جالسة هناك، بالكاد أسمع الكلمات.
كل ما أسمعه هو الجملة التي قالها إياد
أنا راضٍ
بهذه اللحمة.
لا، لم يكن راضيًا.
كان يقبل بها لأنه يختارها على شيء آخر.
شيء يخشاه أكثر.
مرّت لحظات أخرى.
ثم جاءت لحظة صغيرة جدًا، لو أنني رمشت فيها لفاتتني.
خالي، وهو نصف منتبه، التقط بالخطأ قطعة أخرى من صحن الشواء وألقاها نحو الكلب.
قفز الكلب عليها فورًا.
شمّها.
ثم تراجع.
ولم يأكل.
وقف يلهث قليلًا.
ثم أخذ يشم الأرض حوله مضطربًا.
وفي اللحظة نفسها، رأيت إياد يغمض عينيه كأن شيئًا داخله سقط.
هنا فقط، فهمت أين كان ينظر طوال الوقت.
وما الذي كان يراقبه منذ بداية الغداء.
كان ينتظر ليرى ماذا سيحدث للكلب.
نظرت إلى الطبق أمامه.
إلى ذلك الشريط الأسود من الدهن والعصب.
ثم إلى الكلب.
ثم إلى وجه ابني الشاحب.
وفهمت، أخيرًا، أن جملته لم تكن عن الذوق، ولا عن الإهانة، ولا عن الصبر.
كانت عن النجاة.
كان يخبرني، بطريقته الصغيرة المرتعبة، أنه يفضّل أن يبدو مذلولًا على أن ننهض قبل أن يعرف شيئًا أخطر.
في تلك اللحظة، بدأت يداي ترتجفان.
ليس من الغضب هذه المرة.
بل من الخوف الخالص.
لأن السؤال لم يعد لماذا أهانوه بهذا الشكل؟
بل صار
ماذا رأى إياد قبل أن نجلس إلى الطاولة،
وجعله يختار البقاء صامتًا أمام الإهانة كلها... كأنه يحاول أن يحميني أنا أيضًا من شيء لم أفهمه إلا متأخرًا جدًا؟

تم نسخ الرابط