أبويا جاب رجل متشرد بيتنا

لمحة نيوز

الجو بدأ يتغير. بابا سأل داوود كان شغال إيه، فرد كنت مدرس. بابا سأله في مدرسة إيه؟. داوود قال مدرسة التوفيق الابتدائية. بابا ساب الشوكة من إيده، دي كانت مدرسته وهو طفل! سأله عن السنين، ولما داوود جاوب، بابا سأله بصوت مرعوش اسم حضرتك الأخير إيه؟. رد داوود الأستاذ داوود منصور.
بابا وشه بقى أبيض فجأة، وقام وقف والكرسي اتزحلق وراه أستاذ داوود؟!. داوود ركز في ملامح بابا وعيونه وسعت رأفت؟ رأفت الصغير؟.
البيت كله سكت. ياسين ساب الموبايل، وماما حبست نفسها. أنا حسيت بالغثيان لأني من ساعة واحدة بس كنت عايزة أطرده من بيتنا كأنه حمل تقيل، ودلوقتي بكتشف إنه المدرس اللي غير حياة أبويا.
بابا قاله أنا دورت عليك كتير بعد ما اتخرجت، رحت المدرسة ومحدش عرف مكانك. داوود بص للأرض وحكى قصته. كان متجوز ليلى حب عمره، جالها ألزهايمر وهي لسه صغيرة. صرف كل اللي وراه واللي قدامه عشان يعالجها؛ البيت، المدخرات، المعاش.
. كل حاجة. ولما ماټت، مكنش فاضل له أي حاجة، ولا أهل ولا سند. انتهى بيه الحال عايش في عربيته، ولما العربية عطلت، بقى في الشارع.
ماما بدأت ټعيط من غير صوت. بابا مسك إيد داوود وقاله إنت مش هتمشي من هنا النهاردة. ماما هزت راسها بالموافقة فوراً. وأنا، قبل ما أفكر، قلت أنا آسفة. داوود بصلي بعيون طيبة وقالي إنتي لسه بتتعلمي يا بنتي.
داوود قعد معانا ليلة، وبقوا تلاتة، وبقى أسبوع. ماما اشتريتله هدوم، وبابا خلاه

يحلق شعره، وياسين مكنش بيفارقه وهو بيسأله عن كل حاجة. داوود كان شخص مثقف جداً ومؤدب لدرجة توجع القلب.
بابا بدأ يتحرك، وساعده يسترد ورقه الرسمي، وصديق ليه شغله في مكتبة كبيرة. داوود مكنش عايز صدقة، كان عايز يعيش بكرامته، وده اللي بابا عمله. داوود بقى يقعد مع ياسين يساعده في دروسه، وبسبب طريقته، ياسين اللي كان كاره المذاكرة مستواه اتحسن جداً.
ماما كمان اتغيرت، بقت تعمل لداوود القهوة زي ما

بيحبها، وتفكر فيه في كل حاجة. وقالتله مرة أنا مكسوفة من نفسي إني حكمت عليك بالسرعة دي. رد داوود أغلب الناس مبيخدوش فرصة تانية عشان يراجعوا نفسهم.
في الربيع، داوود نقل في شقة صغيرة فوق المكتبة. كان طاير بيها من الفرح لمجرد إن ليها باب بيتقفل عليه وسرير بتاعه هو. وبدأ يعمل حصص قراءة للأطفال في المكتبة، والكل حبه جداً.
المفاجأة الكبيرة حصلت في شهر أغسطس. داوود جاله جواب رسمي، اكتشف إن فيه بوليصة تأمين قديمة جداً باسم مراته كان نساها في زحمة المشاكل، والمبلغ مكنش ملايين بس كان كفاية جداً إنه يأمن حياته.
داوود عمل حاجة مذهلة، خصص جزء من الفلوس دي ك صندوق دعم للطلاب الفقراء في مدرسته القديمة، وسماه باسم مراته ليلى، تكريماً للمدرسين اللي بيشوفوا الأطفال اللي محدش شايفهم. وطلب مني أساعده في إدارة الصندوق ده، وقالي إنتي فهمتي دلوقتي اللي مكنتيش فاهماه وقتها، وده اللي بيخليكي الأنسب للمهمة.
العيد
اللي بعده، داوود كان عندنا من بدري بيساعد ماما، وياسين بيرص السفرة باهتمام، وبابا عيونه مليانة فخر. لما الجرس ضړب، داوود هو اللي قام يفتح، وكان جايب معاه أم شابة بطفلين شقتهم كانت ساقعة جداً والملجأ مليان، فداوود عزمهم.
ماما استقبلتهم بترحيب حقيقي، وساعتها عرفت إن عيلتنا بقت أكبر وأجمل. العشا كان كله ضحك وحكاوي. ولما جه الدور عليا أقول أنا ممتنة لإيه، قلت أنا ممتنة إن أسوأ فكرة فكرت فيها في لحظة ڠضب، مكنتش هي الفعل الأخير اللي عملته.
ماما قالت جملة ختامية خلتنا كلنا نعيط كنت فاكرة إني بحمي بيتي، مكنتش فاهمة إن الطريقة الوحيدة لحماية البيت هي إننا منسمحش للرحمة إنها ټموت جواه.
داوود ساب أثر فينا كلنا، ورجع لبابا جزء من حكايته القديمة. الراجل اللي كنت عايزة أطرده، كان هو الشخص اللي أنقذ روح عيلتنا وعلمنا إن اللي بيخبط على بابك ممكن ميكونش جاي يعطلك عن قصتك، ده ممكن يكون جاي يرجعلك حتة ضايعة
منها.
تمت.

تم نسخ الرابط