لسه والده بقالي تلات ايام بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز


​قفل السكة في وشي، ومسحت دموعي بكمي.. القهرة ولدت جوايا قوة غريبة، الست لما بتتوجع في ضناها بتتحول.. قمت لبست عبايتي وطرحتي وأنا بضغط على جرحي بكل قوتي، وقولت لنفسي: "يا أنا يا هما النهاردة، والبيت اللي دخلته بالمعروف، هخرج منه بحقي وبولادي، والمرة دي مش هعتذر.. المرة دي هعرفهم مين هي منال اللي فكروها مالهاش ضهر."
*********************
نزلت السلالم وأنا حاسة إن روحي بتتسحب مني، كل خطوة كانت خنجر في جرحي، بس نار قلبي كانت مبرداني. وصلت بيت حماتي اللي في الشارع اللي ورايا، ووقفت قدام الباب وأنا بنهج وصوتي طالع بالعافية. خبطت بكل قوتي، مكنتش بخبط.. كنت بهد الباب.
​فتحت سامية وهي لسة لابسة عبايتها، وبصتلي بذهول وقالت ببرود: "إيه اللي جابك يا بت أنتي؟ مش أخويا طردك وقال كفاية عليكي قلة قيمة؟" زقتها بإيدي ودخلت الصالة زي الإعصار، لقيت حماتي قاعدة والولدين على السرير قدامها، وجوزي
علي قاعد بيشرب شاي ولا كأن في كارثة حصلت.
​أول ما شافني وقف مذهول: "إنتي إيه اللي جابك هنا يا منال؟ وإزاي تنزلي في حالتك دي؟" رديت عليه وصوتي بيرن في البيت كله: "جيت آخد ولادي يا علي.. ياللي طرت مراتك من بيتها ، إنما ولادي لا في شرع ولا دين يقول إنهم

يتاخدوا من حضني وهما لسه مكملوش أسبوع! هاتوا العيال وبالذوق بدل ما ألم عليكم أمة لا إله إلا الله."
​حماتي وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالت: "أعلى ما في خيلك اركبيه، العيال دي مش طالعة من هنا، وسامية هترضعهم مع بنتها وهنربيهم سوا، وأنتي روحي بيت أهلك.. أه صحيح، نسيت إن مالكيش أهل يلموكي!"
​الكلمة نزلت عليا زي النار، بصيت لعلي وقولتله: "سامع يا علي؟ سامع أمك بتعايرني بيتمي؟ سامع أختك اللي عايزة تسرق ضنايا عشان تعوض نقصها إنها بتخلف بنات؟" علي لسة هيقرب يضربني، روحت ساحبة سكين فاكهة كانت محطوطة على الطرابيزة ووقفت في نص الصالة: "اللي هيقرب مني خطوة هرتكب فيه جناية! أنا معنديش حاجة أخسرها، لا أهل ولا بيت، ماليش غير العيال دي، يا اخرج بيهم دلوقتي يا إما والله العظيم هفضحكم في الشارع كله وهعمل بلاغ في القسم بخطف عيالي وهحبسك يا علي إنت وأختك."
​علي شاف في عيني نظرة غل مكنش يتخيل إنها عندي، سامية خافت ورجعت لورا وهي بتبرطم: "مجنونة وتعملها، خليهم لها يا علي، دي ست وش فقر
وهتجيب لنا المصايب." علي بص لأمه وبصلي، ولقى إن الموضوع هيقلب بفضيحة، راح شايل الولدين من على السرير وحطهم في إيدي بقسوة وقال: "خديهم وغوري من هنا، وأنتي طالق يا
منال، طالق بالتلاتة، ووريني بقى هتربي "الكوم" اللي في إيدك ده إزاي لوحدك!"
​أخدت ولادي في حضني، وضميتهم بوجع وفرحة في نفس الوقت، وبصيت له وقولتله: "الرزاق موجود يا ابن الحلال، واللقمة اللي كنت بتذلني بيها، ربنا هيبعتها لولادي من وسع، بس كفاية إني خرجت من وسطكم وعرفت إنكم تعابين." وخرجت من البيت وأنا بجر رجلي، شايلة روحي على إيدي، ومشيت في الضلمة وأنا بكلم ولادي وأقولهم: "متخافوش.. مفيش حد هيقدر يفرقنا تاني أبداً."
************************
طلعت من باب بيتهم وكأن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. الشارع كان هسس، والبرد بينخر في عضامي، بس حضن ولادي كان مدفيني. وصلت شقتي، قفلت الباب بالمفتاح وبالترباس، وارتميت ورا الباب أعيط.. أعيط على سنيني اللي ضاعت مع واحد مبيصونش، وأعيط من الخوف من اللي جاي.
​بس ربنا مبيسيبش حد مكسور الجناح، وخصوصاً لو يتيم. قمت ركعت في الارص و شكرت ربنا وأعدت ودعيت بقلب محروق: "يا رب، إنت عارف إني ماليش غيرك، ارفع شأني وارزقني من حيث لا أحتسب عشان خاطر الغلابة اللي مالهومش ذنب دول."
​مرت الأيام صعبة، بس كرم ربنا كان بيسبق خطوتي. بدأت
أستغل ميزتي الوحيدة؛ "النفس الحلو في الأكل". بدأت أعمل وجبات بيتي وحلويات وأعرضها
على جروبات المنطقة. في الأول كانت طلبات بسيطة، وبعدين الاسم بدأ يسمع "أكل منال نظيف وزي السكر".
​ربنا فتحها في وشي فتح مبين، وبقيت بشتغل ليل نهار والولاد جنبي بيكبروا قدام عيني. علي وسامية وحماتي؟ سمعت إن حالهم اتقلب، سامية مشاكلها زادت مع جوزها بسبب طمعها، وعلي من يوم ما طلقني والبركة راحت من بيته ومن جيبه، وبقى يلف يطلب يرجع بس أنا كنت قفلت الصفحة دي ورميتها في البحر.
​بعد سنتين، كنت واقفة في مطبخي الكبير اللي جهزته من تعبي، ببص لولادي وهما بيلعبوا حوليّ، "ياسين" و"يحيى"، بقوا زي القمر وسندي في الدنيا. جالي تليفون من أكبر مطعم في القاهرة بيطلبوا يتعاقدوا معايا عشان اشتغل معاهم وعمللهم الأصناف المميزة بتاعتي.
​بصيت للسما وضحكت ودموعي نزلت، وقولت: "شوفت يا علي؟ اللي قولت هتربي الكوم ده إزاي لوحدها، ربنا جعلها صاحبة فضل ومسؤولة عن بيوت مفتوحة."
​كبروا ولادي وبقوا أحسن ناس، وعوض ربنا كان أكبر من أي وجع شفته. عرفت إن الضهر مش لازم يكون أب أو أخ، الضهر الحقيقي هو اليقين إن ربنا موجود، وإنه لما بياخد حاجة بيعوض بأحسن منها بكتير.. وعشت بطلة حكايتي، لا مكسورة ولا محتاجة، مرفوعة الراس بكرم من ربنا وبولادي وبشغلي
تمت
بقلم انجي الخطيب 
Engy
Elkhatib

تم نسخ الرابط