كل يوم الصبح كانت بتحط الروج ( حكايات صافي هاني )

لمحة نيوز

كل يوم الصبح، كانت بتحط الروج وهي في دار المسنين مستنية ولادها - بس في الليلة اللي توفت فيها، سابت وراها تلات أسامي.
​"ما تطفيش النور يا حبيبتي"، همست الست مرسيدس. "ولادي جايين ياخدوني الليلة."
​قالت الجملة دي الساعة 11:46 بالليل في الأوضة رقم 8 في دار المسنين "سانت رافائيل" على أطراف المدينة. شعرها الأبيض كان متضفر بدقة، وشفايفها متلونة بالروج الأحمر، وعقد لولي فالصو محطوط فوق قميص نومها الأزرق كأنها مستنية احتفال.
​بس هي ما كانتش رايحة حفلة.
هي كانت بتودع.
​"يا ست مرسيدس"، قلتلها براحة وإيدي قريبة من كبس النور، "انتي محتاجة ترتاحي."
ردت وعينها متبتة في الباب: "هرتاح لما يوصلوا هنا."
​الكلمات دي وجعتني قوي لأنها كانت بتقولها كل يوم تقريباً.
كل يوم الصبح تطلب مرايتها الصغيرة والبودرة و"لمسة روج عشان ما يبانش إني منسية". وبعدين تقعد جنب الشباك، وإيديها متربعة في حجرها، مستنية خطوات رجلين ما كانتش بتيجي أبداً.
​كان عندها تلات ولاد.
رأفت، الكبير، صاحب معرض عربيات ناجح في العاصمة.
نجلاء، البنت الوسطانية، اللي طول النهار تنزل آيات وأدعية

على النت

وتسمي نفسها الست المؤمنة.
وتامر، الصغير، المفضل عندها، اللي وعدها مرة في الجامع إنه عمره ما هيسيبها لوحدها.
​تامر هو اللي جابها دار المسنين.
قالها: "أسبوعين بس يا أمي، لحد ما نخلص توضيب أوضتك."
​وصل ومعاه شنطة جلد بني وبطانية صوف وعلبة بسكويت. الست مرسيدس كانت هادية يومها، ومتحمسة كمان، لأنها كانت فاكرة إن ولادها بيجهزوا لها أوضة تليق بيها.
قالت لي بابتسامة: "بيحطوا سريري جنب الشباك.. تامر قالي إني هشوف الجنينة من عندي."
​الأسبوعين بقوا سبع شهور.
والسبع شهور بقوا سنتين.
البطانية ريحة البيت راحت منها، وعلبة البسكويت فضلت فاضية فوق الكومودينو، وولادها بطلوا يتصلوا بالتدريج.
​في الأول، كانوا بيبعتوا رسايل صوتية:
"قريب يا أمي."
"جايين السبت الجاي."
"اصبري بس يا ست الكل."
​وبعدين بدأت الحجج.
الزحمة.
الشغل.
تعبانين.
ظروف طارئة.
دايماً فيه حاجة.
​كل يوم حد، الست مرسيدس كانت تلبس أحلى جاكيت عندها وتخلي شيكولاتة صغيرة في شنطتها عشان أحفادها. كانت تقعد في صالة الزوار من 10 الصبح لحد الغروب.
تقول: "يمكن اتأخروا في الطريق."
وكل يوم

حد، كنت ببتسم لها رغم
إن قلبي بيتقطع.
لأنه ما حدش كان بييجي.
​لحد ما في يوم خميس، عرفت الحقيقة.
نجلاء كلمت مكتب الاستقبال وما خدتش بالها إن السبيكر مفتوح.
قالت بحدة: "أمي كبرت قوي وخرفت.. لو حالتها ساءت ما تودوهاش مستشفى خاص، مش هنصرف فلوسنا على الفاضي."
​أنا اتسمرت في مكاني.
الست مرسيدس كانت واقفة ورايا بالظبط، ساندة على عصايتها.
ونجلاء كملت:
"ولو سألت علينا، قولوا لها إننا جينا وزرناها.. هي أصلاً مابقتش تفتكر حاجة."
​الست مرسيدس ما عيطتش.
وده كان أصعب جزء.
لفت ببطء ورجعت أوضتها.
​تاني يوم الصبح، طلبت مني ورقة وقلم.
سألتها براحة: "ليه؟"
بصت لي بعيون تعبانة بس صوتها كان ثابت:
"عشان أفكرهم إن الكبر مش معناه غباء."
​فضلت تكتب لمدة تلات أيام.
صفحة ورا صفحة.
ساعات إيدها كانت بترعش لدرجة إني بضطر أمسك لها الورقة. ولما خلصت، طبقت كل حاجة بدقة وحطتها جوه المصحف بتاعها.
ما سألتهاش كتبت إيه.
بس كنت عارفة إن الكلام ده مهم.
​في ليلتها الأخيرة، طلبت فستانها الكحلي، وجزمتها السودة، واللولي الفالصو.
همست: "الليلة هييجوا."
​الساعة 11:30 بالليل،
ضغطها واطي جداً.
الساعة 11:46 بالليل،
طلبت مني ما اطفيش النور.
الساعة 11:50 بالليل، سمعت صوت خطوات في الطرقة.
​وشها اتغير.
ابتسمت زي طفلة صغيرة مستنية قدام الشباك.
بس ما كانوش ولادها.
​ده كان الأستاذ فوزي، محامي من المدينة، هدومه غرقانة مطر، وشايل تلات أظرفة صفرا تحت دراعه.
"الست مرسيدس طلبت مني آجي قبل النور ما يطفي."
​رفعت إيدها وهي بترعش.
همست: "اتفضل يا أستاذ.. ولادي ممكن يتأخروا تاني، بس لازم الحقيقة توصلهم."
​وفجأة، كشافات العربيات نورت في الشباك.
تلات عربيات غالية ركنوا قدام الدار.
نزل رأفت الأول، كان باين عليه الغضب والاستعجال.
وراه نجلاء، بتمثل العياط من قبل ما تدخل.
وتامر جه في الآخر، ماسك ملف في إيده كأنه خايف حد يخطفه منه.
​الست مرسيدس لفت راسها ناحية الباب.
عينها كانت بتنطفي، بس صوتها كان واضح:
"ما تعيطوش عليا زي العيال.. وانتوا أصلاً ما بصيتوش في وشي كأني أمكم."
​ولما التلاتة دخلوا الأوضة، غمضت عينها للأبد.
في اللحظة دي، الأستاذ فوزي حط التلات أظرفة الصفرا على التربيزة.
واحد لرأفت.
واحد لنجلاء.
واحد لتامر.
​وجوه كل ظرف
كانت الحقيقة اللي افتكروا إن أمهم كبرت ونسيتها.

فتحوا الأظرفة وإيديهم بتترعش، 

تم نسخ الرابط