كل يوم الصبح كانت بتحط الروج ( حكايات صافي هاني )
والسكوت كان سيد المكان، مفيش غير صوت
أنفاسهم العالية وصوت المطر بره.
تامر، الصغير المفضل، فتح ظرفه الأول.. كان فاكر إنه هيلاقي ورقة تنازل عن الأرض اللي كانت باسمها، بس لقى "وصل أمانة" بملغ ضخم جداً، ومعه ورقة مكتوبة بخط إيد مهزوز:
"يا تامر، فاكر لما قلت لي الأسبوعين بقوا سنتين؟ السنتين دول أنا كنت بدفع تمنهم من دهبي اللي خبيته عنك.. الوصل ده بقيمة الشقة اللي بعتها من ورايا وأنا هنا. المحامي معاه توكيل يرفع القضية لو ما رجعتش حق إخواتك في الورث."
رأفت، الكبير بتاع العربيات، طلع من ظرفه "مجموعة فواتير" قديمة مصفرة.. فواتير علاج أبوه لما كان تعبان ومرسيدس باعت ورثها من أهلها عشان تعالجه وتكبر مشروع رأفت. ومعاها رسالة قصيرة:
"يا رأفت، المحل اللي بتفتخر بيه ده متبني على لحمي.. أنا مش عايزة فلوس، أنا بس كتبت في وصيتي إن المحل يتقفل ويتصفى ويتوزع تمنه على الغلابة، لأن المال اللي ما بيصونش الأم، ملوش لزمة عند صاحبه."
أما نجلاء، "الست المؤمنة"، فكان ظرفها فيه "مذكرات يومية".. مرسيدس كانت كاتبة فيها كل كلمة نجلاء قالتها في التليفون، وكل مرة كذبت فيها وقالت إنها جاية وما جتش. وفي آخر صفحة كانت كاتبة:
"يا نجلاء، الآيات اللي بتكتبيها على النت جميلة، بس الدين معاملة.. أنا سيبت لك المصحف بتاعي، يمكن لما تفتحيه وتلاقي فيه رسايلي لربنا عليكي، تعرفي إن دعوة المظلوم ملهاش حجاب."
الثلاثة وقفوا مصدومين.. المحامي فوزي لم الأوراق ببرود وقالهم:
"الست مرسيدس مابعتش حاجة ولا نسيت حاجة.. هي بس استنت لحد ما تتأكد إنكم مش هتيجوا غير عشان الورث، فقررت إنها تورثكم 'الحقيقة' اللي هتفضل تطاردكم طول عمركم."
تامر وقع على ركبه وهو
. مش عشان أمه ماتت، لكن لأنه عرف إن "الأوضة اللي بتطل على الجنينة" كانت مجرد كذبة، وهي ماتت وهي عارفة إنه كداب.
خرج المحامي وسابهم في الأوضة مع جثة أمهما اللي لسه حاطة "الروج الأحمر" وعقد اللولي، كأنها بتسخر من ندمهم اللي جه متأخر قوي.
النور اللي طلبت مرسيدس إنه ما يطفيش، فضل منور.. بس المرة دي عشان يكشف سواد قلوبهم.
رأفت مسك الفواتير وقطعها وهو بيزعق: "دي أكيد خرفت في الآخر! إيه اللي هي بتقوله ده؟"
بس المحامي فوزي بص له بنظرة باردة وقاله: "الورق اللي في إيدك ده صور.. الأصول كلها عند النائب العام، والوصية اتسجلت خلاص. مفيش مليم من ورثها هيدخل جيوبكم، هي وهبت كل أملاكها السايلة والعقارات لدار أيتام، والشرط الوحيد عشان تاخدوا 'الستر' إنكم تنفذوا اللي في الأظرفة دي بالملي."
نجلاء بدأت تلطم على وشها وتقول: "يا فضيحتنا وسط الناس! لو حد عرف اللي مكتوب في المذكرات دي وشاف رسايلها هيقولوا علينا إيه؟"
رد عليها تامر وهو لسه واقعه على الأرض وشه في التراب: "الناس؟ انتي لسه بتفكري في الناس؟ أمنا ماتت وهي عارفة إننا بعناها بالرخيص.. ماتت وهي حاطة روج عشان تخبي شحوب وشها من قهرتنا ليها."
فجأة، الممرضة (أنا) دخلت الأوضة. بصيت لهم بنظرة هما فهموها كويس.. نظرة حد شاف "الست مرسيدس" وهي بتدبل كل يوم زي الوردة اللي مابترويش.
قلتلهم بصوت واطي بس مسموع:
"عارفين هي طلبت مني ما اطفيش النور ليه؟"
كلهم بصوا لي بسكوت.
كملت: "عشان قالت لي: 'مش عايزة أموت في الضلمة، ولادي بيخافوا من الضلمة، ولما ييجوا ويلاقوا الأوضة منورة هيعرفوا إن قلبي لسه مفتوح ليهم'.. هي لحد آخر نفس كانت بتدور لكم على عذر، بس انتوا اللي
"
تامر مد إيده يلمس إيد أمه، اللي كانت لسه دافية حاجة بسيطة، بس رأفت شده لبره وهو بيقول: "يلا نمشي من هنا، المحامي ده أكيد متفق معاها، هنشوف الموضوع ده في المحاكم."
وهما خارجين، لمحوا "علبة البسكويت" الفاضية اللي كانت فوق الكومودينو.. العلبة اللي تامر جابها لها من سنتين وقالها "كلي منها لحد ما نخلص أوضتك".
تامر فتح العلبة لآخر مرة.. لقى جواها "فردة شراب" صغيرة بتاعة ابنه الصغير، وصورة ليهم هما الثلاثة وهما أطفال في حضنها.
الست مرسيدس ما سابتش ليهم فلوس، هي سابت ليهم "مراية".
مراية بتوريهم حقيقتهم كل ما يحاولوا يناموا.
خرجوا من الدار، والمطر كان بيمسح آثار عجل عربياتهم الغالية من على الأرض، بس مفيش مطر في الدنيا كان هيقدر يغسل السواد اللي سابوه في قلب أمهم.
أنا رجعت الأوضة، عدلت العقد اللولي على صدرها، وبست راسها، وطفيت النور..
لأن "مرسيدس" خلاص ما بقتش محتاجة لنور الدار.. هي دلوقتي في مكان أنور بكتير.
بعد ما الكل مشي، والهدوء رجع للطرقة الطويلة في الدار، قعدت أنا على الكرسي اللي كانت هي بتقعد عليه جنب الشباك. بصيت للمكان اللي كان فاضي، ولقيت "المراية الصغيرة" بتاعتها لسه محطوطة على التربيزة.
فتحت المراية، ولقيت ورقة صغيرة جداً مطبقة ومحشورة في ضهرها.. ورقة ما شافهاش المحامي ولا شافها ولادها.
فتحتها وأنا إيدي بترتعش، كانت كاتبة فيها بخط صغير قوي:
"يا بنتي (كانت بتقصدني أنا)، لو قريتي الورقة دي بعد ما أمشي، خدي 'علبة البسكويت' الفاضية.. هتلاقي تحت الورقة اللي بتبطن العلبة مفتاح صغير. المفتاح ده بيفتح صندوق قديم مدفون تحت شجرة الجميز اللي في بيتنا القديم."
رحت البيت القديم بتاعهم
بيت مهجور وريحته تراب، وفعلاً حفرت تحت الشجرة وطلعت الصندوق.
فتحت الصندوق وأنا متوقعة ألاقي كنز أو فلوس مخبياها للزمن.. بس لقيت "جوابات".
عشرات الجوابات مكتوبة بخط إيد أطفال.. رسومات ملونة لرأفت، وقصص قصيرة لنجلاء، ووردة مجففة كان تامر قطفها لها وهو في ابتدائي. ومعاهم "شريط كاسيت" قديم.
شغلت الشريط في تسجيل قديم، وسمعت صوتها وهي شابة، بتضحك وبتقول:
"النهاردة ولادي كملوا عشر سنين.. تامر بيقولي يا ماما هبني لك قصر، ونجلاء بتقولي هلبسك ألماس، ورأفت بيقولي هخليكي ملكة.. أنا مش عايزة قصر ولا ألماس، أنا بس عايزة أفضل في حضنهم لحد ما عيني تغمض."
الست مرسيدس كانت عارفة إنهم هيتغيروا، كانت عارفة إن الدنيا هتسرقهم منها.. عشان كدة سابت لهم "الأظرفة" عشان تكسر كبريائهم، وسابت لي أنا "الصندوق" عشان أعرف إنها ماتت وهي "سامحتهم" فعلاً، بس كان لازم تديهم درس العمر.
رجعت الدار، ولقيت المحامي فوزي مستنيني.
قالي: "على فكرة، الست مرسيدس ما كانتش تملك أملاك ولا عقارات زي ما قلت لهم.. هي باعت كل حاجة فعلاً من سنين عشان تصرف على تعليمهم ومشاريعهم."
سألته بذهول: "أمال الأظرفة والتهديدات دي كانت إيه؟"
ضحك بوجع وقالي:
"كانت 'لعبة'.. الأوراق اللي معاهم مجرد ورق فاضي مكتوب عليه كلام يخوفهم بس مالوش قيمة قانونية. هي كانت عايزة 'تختبر' ندمهم.. كانت عايزة تعرف لو هي فعلاً معاها ملايين، هل هيحبوا الملايين أكتر منها؟"
وللأسف.. هما سقطوا في الاختبار.
مشيوا وهما خايفين على "الفلوس" اللي مابقتش موجودة، وما فكروش يرجعوا يبوسوا إيدها لآخر مرة.
الست مرسيدس ماتت وهي "أغنى" منهم بكتير.. ماتت وهي معاها ذكرياتها، وهما عاشوا وهما
"كابوس" الحقيقة اللي كشفتهم قدام نفسهم.
تمت.