قال زوجي إنه ذاهب لحضور حفل ؟
المحتويات
رأسه.
أنا التي دفعت أقساط البيت.
أنا التي سددت ديونه القديمة دون أن يعرف أحد.
أنا التي كنت أظن أن الزواج يعني أن نحمل بعضنا لا أن أجرّ رجلًا كاملًا فوق ظهري حتى يغرقني معه.
أخفضت رأسها أكثر.
ثم همست
أنا لا أطلب منكِ أن تسامحيني.
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت
جئتِ تطلبين ماذا إذًا؟
سكتت للحظة.
ثم رفعت عينيها نحوي أخيرًا وقالت
اهربي منه قبل أن يورطكِ أكثر.
ساد الصمت داخل السيارة.
حتى صوت الشارع اختفى للحظة.
ثم أخرجت هاتفها بيد مرتجفة، وفتحت شيئًا ما، ومدته نحوي.
رسائل.
عشرات
الرسائل.
بينها وبين يزن.
أخذت الهاتف منها ببطء.
وفي أول رسالة شعرت ببرودة تسري داخل جسدي بالكامل.
لا تقلقي ليان لا تراجع الأوراق أصلًا، فقط وقّعي هنا وهناك وسأنهي كل شيء.
مررت للأسفل.
رسالة أخرى.
عندما أنقل البيت باسمي سيكون وضعنا مستقرًا، وبعدها نستطيع السفر.
ثم أخرى.
لا تخافي من الشركة، نصف الأسهم ستصبح لي خلال أشهر، وهي أصلًا لن تنتبه قبل فوات الأوان.
شعرت بالغثيان.
بل بسبب الطريقة التي كان يتحدث بها عني.
كأنني مجرد عقبة قانونية يجب تجاوزها.
لا زوجة.
لا إنسانة.
لا امرأة شاركته عمرها.
أعدت الهاتف إليها ببطء.
ثم سألت
هل لديكِ نسخ من هذه الرسائل؟
هزت رأسها
كل شيء موجود عندي بعدما بدأت أشك فيه صرت أرسل كل شيء إلى بريدي الإلكتروني خوفًا أن يحذفها.
رفعت عيني إليها بسرعة.
لأول مرة منذ بدأت الكلام
شعرت أنها خائفة فعلًا.
خائفة منه.
قالت
بعد حملي بدأ يتغير أصبح عصبيًا جدًا، يصرخ طوال الوقت، ويكسر الأشياء أحيانًا، وفي الأسبوع الماضي أمسك هاتفي وحاول حذف الرسائل كلها لأنه كان خائفًا أن تكتشفي شيئًا.
تذكرت فجأة تلك الليلة.
حين عاد إلى البيت ويده مجروحة، وقال إنه كسر كوبًا بالخطأ داخل المكتب.
لم يكن كوبًا.
كان يكسر شيئًا آخر.
أو يفرغ غضبه في أي شيء حوله.
تنفست ببطء شديد.
ثم سألتها
هل ضربكِ؟
شهقت بسرعة
لا ليس تمامًا لكنه دفعني مرة
أغمضت عيني للحظة.
شعور قذر تسلل داخلي.
أنا أعرف هذا النوع من الرجال.
الرجال الذين ينهارون عندما يشعرون أن الصورة المثالية بدأت تتشقق.
قالت فجأة
ليان هل كنتِ سعيدة معه فعلًا؟
السؤال فاجأني.
نظرت أمامي طويلًا قبل أن أجيب.
ثم قلت بهدوء
كنتُ أحب الصورة التي رسمتها له داخل رأسي.
لكن الحب الحقيقي؟
لا أظن أنني عرفته معه يومًا.
سقط الصمت مجددًا.
الطفل بدأ يصدر أصواتًا صغيرة وهو نائم.
نظرت إليه للحظة.
ثم قلت
ما اسمه الكامل؟
ابتسمت رغم دموعها وقالت
آدم يزن الخطيب.
يزن.
حتى اسمه وضعه داخل الطفل بالكامل.
وكأنه يريد أن يخلّد نفسه بأي طريقة.
رن هاتفي فجأة مجددًا.
هذه المرة لم يكن يزن.
بل المحامية سمر.
صديقتي القديمة من الجامعة.
كنت قد أرسلت لها صور العقود فور خروجي من القاعة تقريبًا، بحركة تلقائية لم أفكر فيها حتى.
فتحت المكالمة فورًا.
جاء صوتها حادًا منذ اللحظة الأولى
ليان، أين أنتِ الآن؟
قلت
خارج القاعة.
قالت بسرعة
اسمعيني جيدًا، لا تعودي إلى البيت وحدكِ الليلة، ولا تتركي الملف مع أحد، وهل وقعتِ فعلًا على أي وكالة أو أوراق خلال السنة الماضية دون تدقيق؟
أغمضت عيني أحاول التذكر.
ثم تجمدت فجأة.
هناك مرة.
قبل أربعة أشهر.
عندما قال إن البنك يحتاج توقيعًا سريعًا لتجديد بعض أوراق التمويل الخاصة بالشركة.
وقّعت يومها على عدة أوراق وأنا متعبة بعد اجتماع طويل.
همست
يا الله
قالت سمر فورًا
ماذا؟
قلت ببطء
أظن أنه استغل توقيعًا حقيقيًا ليصنع بقية العقود.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت سمر بنبرة قانونية باردة
نظرت نحو تالا.
كانت تسمع الكلام ووجهها يزداد شحوبًا مع كل كلمة.
قالت سمر
أريدكِ أن تأتي إليّ الآن حالًا، وسنبدأ بإجراءات تجميد أي تصرف مالي باسمه قبل الصباح.
ثم أضافت بجدية
ولو كان ذكيًا فعلًا فهو الآن يحاول الوصول إلى البيت قبلكِ.
أغلقت المكالمة ببطء، بينما شعرت بشيء
ليس خوفًا.
بل نهاية.
النهايات الحقيقية لا تأتي بالصراخ دائمًا، أحيانًا تأتي بجملة هادئة من محامية تعرف جيدًا كيف يفكر الرجال عندما يشعرون أن كل شيء ينهار حولهم.
نظرت إلى تالا للحظة، ثم قلت
انزلي.
رفعت رأسها بسرعة وكأنها لم تتوقع الكلمة.
أكملت بهدوء
خذي طفلكِ وارجعي إلى أهلكِ الليلة، ولا تبقي وحدكِ معه.
بدت مرتبكة.
ثم همست
وأنتِ؟
أدرت المحرك أخيرًا وقلت
سأفعل ما كان يجب أن أفعله منذ وقت طويل.
نزلت ببطء من السيارة وهي تضم آدم إلى صدرها، وقبل أن تغلق الباب التفتت نحوي بعينين دامعتين وقالت
أنا آسفة يا ليان والله آسفة.
نظرت
إليها طويلًا.
ثم قلت
الأسف لا يغيّر شيئًا لكنه أحيانًا يمنع الإنسان من التحول إلى وحش كامل.
أغلقت الباب أخيرًا.
وانطلقت.
طوال الطريق إلى مكتب سمر، كان هاتفي لا يتوقف عن الرنين.
يزن.
أمه.
أقاربه.
حتى أرقام مجهولة.
لكنني لم أرد على أحد.
لأول مرة منذ سنوات لم أشعر أن عليّ شرح نفسي لأحد.
وصلت إلى مكتب سمر بعد منتصف الليل.
كانت تنتظرني بملابس المنزل ومعطف طويل فوقها، وشعرها مربوط بسرعة كأنها خرجت من نومها فور أن رأت الصور.
بمجرد أن دخلت، أخذت الملف من يدي وبدأت تقلب الأوراق بسرعة.
ثم رفعت رأسها نحوي وقالت
كم مرة أعطيته صلاحيات للتوقيع عنكِ؟
جلست أمامها بصمت أحاول التذكر.
ثم قلت
مرات قليلة أغلبها تخص الشركة.
أخذت نفسًا عميقًا وقالت
ليان، هناك أكثر من توقيع هنا تم نسخه رقميًا، وبعض العقود واضحة جدًا أنها مزورة، لكن المشكلة أن جزءًا منها قد يكون مبنيًا على توقيع حقيقي منكِ.
شعرت بدوار خفيف.
جلست على الكرسي المقابل وأنا أحدق في الأرض.
ثم سألتها
هل يمكنه أن يأخذ البيت فعلًا؟
قالت بحزم
إذا تحركنا الليلة؟ لا.
ثم أضافت
لكن لو كنتِ اكتشفتِ الموضوع بعد أشهر ربما نعم.
ساد الصمت.
شعرت فجأة برغبة مرعبة بالبكاء.
ليس بسبب المال.
ولا البيت.
بل بسبب تلك الفكرة وحدها
كم كان
وضعت سمر يدها فوق الملف وقالت
اسمعيني جيدًا، من هذه اللحظة لا تتواصلي معه وحدكِ، أي شيء سيكون عبر القانون فقط.
هززت رأسي بصمت.
ثم سألت
وماذا
أفعل الآن؟
قالت دون تردد
نبدأ أولًا بحمايتكِ.
وخلال ساعتين فقط، تحولت حياتي كلها إلى أوراق وإجراءات وتوقيعات جديدة.
بلاغ قانوني.
طلب تجميد.
إشعار رسمي للبنك.
إيقاف أي تصرف بالأصول المشتركة.
ولأن المنزل مسجل باسمي وحدي، أصرت سمر ألّا أتركه مفتوحًا له حتى لساعات إضافية.
ثم اتصلت بشخص تعرفه لتغيير أقفال المنزل فورًا قبل الفجر.
كنت أراقب كل شيء كأنني أشاهد حياة امرأة أخرى.
امرأة كانت قبل ساعات فقط تحضر قهوتها بهدوء داخل مطبخها وتعتقد أن العائلة مجتمعة الليلة لمباركة طفل قريبٍ لهم، لا طفل زوجها.
وفي الرابعة فجرًا
وصلنا إلى المنزل.
لكن سيارة يزن كانت هناك بالفعل.
متوقفة أمام الباب.
شعرت ببرودة حادة تسري داخلي.
ترجلت من السيارة ببطء، بينما اقترب عامل الأقفال الذي أرسلته سمر.
وقبل أن أصل إلى الباب
فُتح بعنف.
وخرج يزن.
كان شكله مرعبًا.
عيناه حمراوان، وقميصه الخوخي مجعد بالكامل، وكأنه قضى الساعات الماضية يركض بين الكارثة والكارثة.
بمجرد أن رآني اقترب بسرعة وقال
ليان اسمعيني الموضوع خرج عن السيطرة.
ضحكت ببطء.
ثم قلت
حقًا؟ لم ألاحظ.
نظر إلى سمر الواقفة خلفي، فتغير وجهه فورًا.
وقال بعصبية
أحضرتِ محامية؟ لهذه الدرجة تريدين تدمير حياتنا؟
تقدمت سمر خطوة وقالت ببرود
حياتها دُمّرت بالفعل عندما زوّرت توقيعها.
صرخ فورًا
لم أزوّر شيئًا!
رفعت الملف أمامه وقلت
إذًا دعنا نذهب للمحكمة ونرى.
ساد الصمت لثوانٍ.
حتى الهواء بيننا بدا ثقيلًا.
ثم حدث الشيء الذي لم أتوقعه أبدًا.
انهار.
فجأة.
جلس
فوق درجات المدخل ودفن وجهه بين يديه.
وبدأ يبكي.
ليس بكاء نادم
بل بكاء رجل أدرك أخيرًا أن كل الأكاذيب التي
قال بصوت متقطع
أنا كنت أحاول إصلاح كل شيء أقسم بالله كنت أحاول.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
أنت لم تحاول إصلاح شيء أنت فقط حاولت ألّا تُكشف.
رفع رأسه نحوي بعينين متورمتين وقال
أنا خفت منكِ.
ابتسمت
متابعة القراءة