عمري ما وثقت في مراتي حكايات رومانى مكرم

لمحة نيوز

تروح تقعد في البلكونة وسط الزرع بتاعها، وتمسك الدفتر الصغير وتقعد تكتب.. كأنها بتهرب من واقعها للسطور المنظمة دي.
في الليلة دي، بعد ما الخناقة التافهة خلصت، وقفت في الصالة وبصت لي بنظرة فيها كمية حزن وخذلان عمري ما شفتها في عينيها قبل كده. وقالت لي بالراحة، وبصوت واطي بس هزني من جوايا
أنا مش زعلانة عشان الفلوس يا أحمد، ولا عشان الشقة الإيجار اللي هنعجز فيها.. أنا زعلانة عشان أنا عايشة مع راجل باصص لي طول الوقت على إني حرامية مستنية الفرصة عشان تسرقه.. الشك اللي في عينك بيموتني كل يوم، وبكرة هتعرف إنك ضيعت عمرك بتتحامى في سور من رمل.
سابتني ودخلت الأوضة، وأنا وقفت مكاني ثواني، كلامها ضايقني ونرفزني، بس كالعادة، الشيطان شاطر.. الصوت القديم اللي جوايا صحي وقال لي سيبك منها، ده كلام ستات عشان تكسر مقاديفك وتخليك تحن وتدلها على مكان القرشين.. نفضت راسي من كلامها، ونمت وأنا مقتنع إن بكرة تصالحني والدنيا تمشي.
مرت الأيام، وفجأة جالي عقد عمل برة مصر.. سفرية سريعة لمدة سنة ونص في بلد عربي، بمرتب خيالي مكنتش أحلم بيه. أسماء وافقت وشجعتني رغم إنها كانت هتقعد لوحدها، وقالت لي سافر يا أحمد، يمكن السفر يغير حالنا.. ويغير اللي جواك.
سافرت، وهناك الطحن كان أكتر.. المرتب بقى ينزل، أبعت لأسماء مصاريفها ومصاريف البيت في القاهرة بالمليم، والباقي كلهالكتلة الكبيرةكنت بحولها دولار، وأبعتها عل طول على طنطا.. لأمي.
تليفوناتي مع أمي كانت هي الحاجة الوحيدة اللي بتطمني
وصلوا يا أمي؟
وصلوا يا قلب أمك ودخلوا الحفظ والصون.. متقلقش، شقا عمرك في أيد أمينة، محدش يعرف عنهم الهوا، وأنا شايلاهم لك في مكان ملوش عيون.. انشف كده واجمع عشان ترجع وتعمل اللي نفسك فيه.
كلام أمي كان بيدي لقلبي الأمان اللي مفتقده في الغربة. وفي نفس الوقت، تليفوناتي مع أسماء كانت بتجف يوم عن يوم. الكلام بقى رسمي.. عامل إيه؟ الحمد لله، عايزة حاجة؟ سلامتك.. لحد ما السنة ونص خلصوا.
يوم نزولي مصر مكنتش قايل لأسماء.. كنت عايز أعملها مفاجأة، وفي نفس الوقت كنت عايز أروح طنطا الأول.. أنزل على بيت أمي، أسترد شقا عمري، ال 300 ألف دولار اللي بقوا رقم يهز الأرض، أحطهم في حسابي، وأروح لأسماء وأنا رافع راسي، وأقولها أهو.. شفتي الحذر عمل إيه؟ شفتي الراجل اللي بيحسبها صح؟
وصلت مطار القاهرة الصبح، وأخدت عربية ليموزين وطلعت بيها عل طول على طنطا. طول الطريق وقلبي بيدق.. مش من الشوق.. من اللهفة على الفلوس، على الأمان اللي حاربت عشانه وخسرت بسببه حاجات كتير.
دخلت الشارع القديم في طنطا، البيوت زي ما هي، الدكاكين، ريحة الرطوبة في مدخل البيت.. طلعت السلم ولقيت نفسي واقف قدام باب شقة أمي.. خبطت.
فتحت لي أمي.. ملامحها كبرت، بس نظرتها كانت غريبة.. مكنتش نظرة الأم اللي وحشها ابنها اللي بقاله سنة ونص مشافتهوش.. كانت نظرة خضة.. رعب!
أحمد؟! يا مرحب يا ابني.. خطوة عزيزة.. بس مش قلت لي إنك جاي؟
دخلت وأنا بضحك وببوس إيدها حبيت أعملها لك مفاجأة يا أمي.. وحشتيني ووحشني تراب البيت.
قعدنا، شربت الشاي، وأنا مش قادر أصبر.. كنت عايز أطمن، عايز أشوف الصرة اللي فيها شقا عمري.. قلت لها بلهفة أمي.. إنتي عارفة إني نازل وورايا التزامات ومشاريع.. الفلوس والدولارات اللي كنت ببعتها، كلها تمام مش كده؟ عايز أخدها عشان أنزل القاهرة أودعها البنك.
هنا.. الهدوء حل في الأوضة.. هدوء قاتل. أمي نزلت عينيها في الأرض، وإيديها بدأت تترعش.. النظرة دي أنا عمري ما شفتها في عيون أمي.. نظرة خوف وهروب.
وقفت وقلبي اتنفض في إيه يا أمي؟ مالك؟ الفلوس جرى لها حاجة؟ البيت اتسرق؟
أمي بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مرعوب ومبحوح
يا ابني.. الفلوس.. الفلوس مش هنا..
دمي هرب من عروقي، وحسيت إن الحيطان بتلف بيا يعني إيه مش هنا؟ أنتي شايلاها في بنك؟ قولي لي فين وأنا أتصرف!
أمي غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط بنشيج يقطع القلب، وقالت الجملة اللي نزلت على دماغي زي الصاعقة.. الجملة اللي دمرت حياتي كلها ومحت كل السنين اللي فاتت في ثانية واحدة
أخوك الكبير يا أحمد.. وقع في ضيقة كبيرة، وكان عليه شيكات وهيتحبس وتضيع عيلته.. ومكنش قدامي غير فلوسك.. أنا اديت له كل الدولارات اللي بعتها يا ابني!
وقعت الكلمة على وداني ومسمعتش بعدها حاجة.. حسيت بصوت صفير عالي في دماغي، والحيطان بدأت تضيق عليا لحد ما بقيت مش قادر أخد نفسي. 300 ألف دولار.. شقى سنين، غُربة، طحن، حرمان، وشك عيشته لمراتي.. كله طار في الهوا عشان أخويا الكبير!
أمي كانت بتعيط وتترجاني، وبتقول كلام مكنتش قادر أجمعه يا ابني ده أخوك.. كان هيتسجن.. عرضه كان هيتشحن في المحاكم.. قلت شقاك هيرجع.. أخوك هيقف على رجله ويردلك كل مليم..
قمت وقفت وأنا مش شايف قدامي، ضحكت بوجع وصرخت بصوت هز البيت يرجع إيه؟! يرجع منين؟! ده أخويا اللي طول عمره فاشل ومبيعرفش يمسك قرش! بقى تآمنيه هو على فلوسي وتضيعيني أنا؟ ده أنا كنت ببعتلك الفلوس عشان خايف من مراتي.. تطلعي إنتي اللي ضيعتيني يا أمي؟!
أمي غطت وشها وفضلت تدعي وتعيط، مكنش فيه فايدة للكلام. سبت البيت ونزلت أجر رجلي في شوارع طنطا.. الشوارع اللي كبرت فيها وأنا بسمع تحذيرات أمي من الستات والأمان. كنت ماشي زي المجنون، الناس تبص لي وأنا مش هنا.. شريط حياتي كله بيتعاد قدام عيني..
افتكرت كل شهر كنت بخصم فيه من قوتنا أنا وأسماء عشان أبعت لطنطا. افتكرت أسماء وهي بتطلب حساب مشترك عشان نأمن مستقبلنا وأنا بصدها ببرود وشك. افتكرت نظرتها الأخيرة وجملتها بكرة تعرف إنك ضيعت عمرك بتتحامى في سور من رمل.
يا الله.. السور طلع فعلاً من رمل.. وانهار فوق دماغي أنا!
ركبت العربية ورجعت على القاهرة.. الطريق كله كنت بتموت في كل ثانية مية مرة. وصلت شقتنا في عين شمس بالليل.. فتحت الباب بالراحة، كانت الشقة هادية، وريحة بخور خفيف مالية المكان.. نفس الهدوء اللي كنت بهرب منه.
دخلت الصالة، لقيت أسماء قاعدة في البلكونة وسط زرعها.. كانت ماسكة الدفتر الصغير وبتكتب بخطها المنظم. أول ما شافتني، اتخضت وقامت وقفت.. ملامحها اتغيرت من المفاجأة، بس لما قربت مني وشافت وشي، الخضة اتقلبت لقلق حقيقي.
وشي كان أصفر، وعيني دم، وهدومي متبهدلة.. كنت شبه واحد طالع من حادثة بموتة.
جرت عليا ومسكت إيدي بلهفة أحمد؟! في إيه يا حبيبي؟ إنت جيت إمتى؟ ومفركش كدة ليه؟ فيك إيه.. إنت تعبان؟!
بصيت في عينيها.. العين اللي كنت دايماً بدور فيها على الشك والخيانة.. ملقتش فيها غير خوف حقيقي ونقي عليا. الخوف اللي عمري ما شفته في عيون حد تاني.
نزلت على ركبي قدامها وانفجرت في العياط.. عياط راجل انكسر بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أسماء اتخضت زيادة ونزلت الأرض معايا، أخدتني في حضنها وفضلت تطبطب عليا وتهديني وهي مش فاهمة حاجة، بس كانت الطوق الوحيد اللي فاضل لي في
تم نسخ الرابط