عمري ما وثقت في مراتي حكايات رومانى مكرم
المحتويات
الدنيا.
بعد ساعات، لما هديت خالص، قعدنا في الصالة.. وبدأت أحكي لها. حكيت لها عن كل مليم بعته لطنطا، عن ال 300 ألف دولار، عن شكي فيها من أول يوم جواز، وعن اللي أمي عملته وأخويا اللي ضيع كل حاجة. كنت بتكلم وأنا منكس عيني في الأرض، مستني منها تصرخ، تشتمني، تشمت فيا، أو تقولي تستاهل.. كان من حقها تعمل أي حاجة.
لكن أسماء فضلت ساكتة.. سكوت طويل وقاتل.. لحد ما قامت ودخلت الأوضة. قفلت الباب وراها، وأنا قعدت مكاني.. مستني حكم الإعدام.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو
مرت نص ساعة وكأنها دهر.. كنت قاعد على الكنبة، حاطط راسي بين إيدي، والسكوت في الشقة بقى يمرض. كنت مستنيها تطلع بشنطة هدومها وتقولي كل شيء قسمة ونصيب، أو على الأقل تصرخ في وشي وتغسلني من جوايا باللوم اللي أستاهله.
لكن الباب اتفتح، وخرجت أسماء.
مكنتش شايلة شنطة هدوم.. كانت شايلة في إيدها الدفتر الصغير بتاعها، اللي بتسجل فيه كل حاجة، ومعاه علبة قطيفة قديمة ممسوحة الأطراف.
قربت مني وقعدت على الكنبة اللي قصادي، حطت الدفتر والعلبة على الترابيزة وبصت لي بهدوء غريب.. هدوء الأحرار اللي معندهمش حاجة يخافوا عليها.
فتحت العلبة القطيفة، وبصت لي وقالت
دي غوشتين وخاتم.. ده كل اللي ورثته من أمي الله يرحمها، وده كل الدهب اللي حيلتي في الدنيا.
وبعدين فتحت الدفتر الصغير، وقلبت في الصفحات لحد ما وقفت عند صفحة معينة، لفت الدفتر ناحيتي عشان أشوفه.. لقيت خانات مكتوبة بخطها المرتب، ومكتوب فوق حساب شقة المستقبل.
كانت كاتب الأرقام بالمليم.. مبالغ صغيرة متجمعة جنب بعضها على مدار سنين.. 500 جنيه.. 1000 جنيه.. مكافأة شغلها.. حرمانها من طقم جديد أو خروجة غالية.. كله كان متسجل هنا ومكتوب جنبه لأحمد وعيلتنا.
قالت والنبرة في صوتها مكسورة بس قوية
أنا طول العشر سنين اللي فاتوا، وأنا شيفاك بتدقق في كل قرش، وشايفاك حارم نفسك وحارمني من حاجات كتير، كنت بقول معلش.. أحمد شقيان، أحمد شايل هم بكرة، أحمد بيأمن عيالنا اللي لسه مجوش.. مكنتش أعرف إنك بتأمن نفسك مني أنا!
بلعت ريقي وحاولت أتكلم أسماء.. أنا..
قاطعتني بإيدها وكملت أنا مكنتش هطمع في فلوسك يا أحمد، ولا عمري طلبت منك شقة باسمي، ولا كان يفرق معايا نعيش في قصر أو في أوضة، أنا كان يفرق معايا الأمان.. الأمان اللي إنت رحت تدور عليه في طنطا، ودفعت تمنه من كرامتي ومن ثقتي فيك.. كنت بتبص لي وإنت فاكرني مستنية اللحظة اللي هسرقك فيها، في حين إن أنا كنت بحوش من وراك عشان لما تقع، أسندك.. كنت بجمع القرش على القرش عشان لما تزهق من الغربة، أقولك ارجع يا أحمد وإحنا معانا اللي يبدأنا من جديد.
نزلت دموعها فجأة، بس مسحتها بسرعة وقامت وقفت
الفلوس راحت.. وشقا عمرك ضاع لأنك بنيت بيتك على الشك، واللي يتبني على الشك بيقع مع أول هبة ريح.. أمك عملت كده لأنها أم، شافت ابنها الكبير بيضيع وفدت رقابته بفلوسك، وده اختيارها.. لكن إنت اختيارك كان غلط من الأول.
حطت إيدها على الدفتر والدهب وزقتهم ناحيتي
دول معاك.. انزل بكرة بيع الدهب، وخد اللي في الدفتر.. دول يعملوا حوالي 200 ألف جنيه.. مش دولار طبعاً، وميجيبوش تمن ليلة من اللي عشتهم برة، بس دول اللي يقدروا يوقفوك على رجلك في بلدك لحد ما تشوف هتعمل إيه.
بصيت للدهب وللدفتر، وحسيت إنهم نار هتحرق إيدي لو لمستهم. وقفت وقربت منها وأنا بترجاها أنا مش عايز فلوس يا أسماء.. أنا مش عايز غيرك، أنا عرفت قيمتك.. والدرس كان غالي أوي وكسرني، أرجوكي متسبنيش.
بصت لي بنظرة طويلة، مكنش فيها كره، بس كان فيها مسافة أبعد من بلاد الغربة اللي أنا كنت فيها.. وقالت كلمتها اللي خلت قلبي يقف
أنا مش هسيبك يا أحمد.. مش أسماء اللي تسيب جوزها وهو مكسور وضهره عريان في الشارع.. أنا هفضل معاك لحد ما تقف على رجلك وتشتغل وتتزن.. بس من النهاردة، إحنا شركاء في السكن.. لحد ما أشوف أنا هقدر أصدق عينك تاني إزاي.. ولحد ما أشوف الشك اللي عشعش في قلبك عشر سنين، هيتمحي إزاي في يوم وليلة.
سابتني ودخلت الأوضة وقفلت الباب.. قعدت أنا في الصالة، باصص لل بلكونة وزرعها، وباصص للدفتر الصغير.. الفلوس راحت، بس الخسارة الأكبر كانت لسه بتبدأ.. رحلة استرداد الست اللي بعت الأمان عشان أحمي نفسي منها.
تاني يوم الصبح، صحيت وأنا نايم على الكنبة في الصالة. الشقة كانت هادية، بس هدوء يختلف عن كل يوم.. هدوء تقيل ومخيف.
بصيت على الترابيزة، لقيت الدفتر الصغير والعلبة القطيفة زي ما هما.. أسماء ملمستهمش. قمت دخلت المطبخ، لقيتها جهزت الفطار وحطته على السفرة، وسابت لي ورقة صغيرة مكتوب فيها بخطها المرتب أنا نزلت الشغل.. الفطار جاهز، والدهب والدفتر عندك.. اتصرف فيهم عشان تبدأ تحركك.
مسكت الورقة وأنا حاسس بغصة في حلقي. الست اللي كنت فاكرها مستنية الفرصة عشان تاكل مالي، سايبالي شقا عمرها كله في علبة قطيفة ونازلة تشقى في حر الصيف عشان متسبنيش مكسور.
نزلت في اليوم ده، بس مبعتش الدهب ولا لمست الدفتر.. رحت على شركتي القديمة في القاهرة، قابلت المدير، وبفضل الله وخبرتي في السفر، وافقوا يرجعوني الشغل فوراً براتب كويس، وصممت أبدأ من تاني يوم عل طول.. الطحن هو الحاجه الوحيدة اللي كانت ممكن تنسيني الوجع.
بعدها، ركبت القطر ورحت طنطا.. مكنش ينفع أهرب.
دخلت شقة أمي وأنا حاسس إني غريب. أول ما شافتني، قامت وجت عليا وهي بتعيط وتدعي لي، وأخويا الكبير كان قاعد، منكس راسه في الأرض ومش قادر يحط عينه في عيني.
أمي مسكت إيدي وقالت سامحني يا قلب أمك.. والله ما كان قصدي أكسر ضهرك، بس أخوك كان هيضيع.
بصيت لها ودموعي نزلت، وقلت بنبرة هادية بس طالعة من وسط قلبي مسامحك يا أمي.. إنتي أمي ومقدرش أزعل منك، والفلوس اللي راحت فداكي وفدى أخويا.. بس أنا مش زعلان على الفلوس، أنا زعلان على عمري اللي ضاع في الشك.. نصيحتك ليا زمان هي اللي دمرت بيتي.
التفت لأخويا وقلت له أنا مش عايز منك ال 300 ألف دولار.. أنا عايزك بس تقف على رجلك ومتوجعش قلب أمك تاني.
سبتهم ورجعت القاهرة وأنا حاسس إن فيه حمل جبل انزاح من فوق صدري، بس الحمل الأكبر كان لسه مستنيني في شقة عين شمس.
مرت الأسابيع والشهور، وبقيت عايش مع أسماء في شقة واحدة.. بس كأننا في بلدين مختلفين. كنا بناكل مع بعض، وبنتكلم في حدود مصاريف البيت والطلبات، بس مفيش كلمة زيادة.. مفيش الضحكة الصافية اللي كانت بتملى المكان، ومفيش الأمان اللي كان في عينيها.
كل شهر، أول ما كنت بقبض راتبي، كنت باجي أقعد قدامها على السفرة، وأطلع المرتب كله أحطه في إيدها، وأقولها ده المرتب يا أسماء.. خدي منه مصاريف البيت، وشيلي الباقي في الدفتر بتاعك.. في المكان اللي إنتي شايفاه صح.
كانت تبص للفلوس، وتبص لي، وتاخدها من غير ما تنطق بكلمة..
متابعة القراءة