ضحيت ب 22 سنه من عمري وأنا بربي بنات أخويا ( حكايات شروق خالد )
المحتويات
وسط الزحمة إحنا مش بس اتخرجنا النهاردة يا بابا.. احنا اتولدنا من جديد بفضلك.
سحبتهم في حضني بكل قوتي، كأنني بحاول ألمّ بيهم كل سنين الغربة اللي عشتها في بيتي، وكل التعب اللي نسيته في اللحظة اللي سمعت فيها كلمة بابا طالعة من قلوبهم قبل لسانهم. الدموع كانت بتغسل وشي، مش دموع حزن، كانت دموع راجل أخيراً استلم جايزته بعد رحلة كفاح طويلة.
العميد نزل من على المنصة، قرب مني وحط إيده على كتفي وقال بصوت متهدج قدام الناس يا حاج نوح، أنا بقالي سنين بخرج دفعات، بس أول مرة أشوف خريجين بالوفاء ده.. أنت مش بس ربيت بنات، أنت زرعت قيم في مجتمع مابقاش فيه غير الأنانية.
الطلبة بدأوا يقربوا مني، اللي بيسلم عليا، واللي بيصورنا، والضجة اللي كانت في القاعة اتحولت لحالة حب غريبة، كأن الناس كلها كانت مستنية اللحظة دي عشان تصدق إن الخير لسه موجود، وإن التعب مهما طال، آخره فرحة تداوي كل اللي فات.
لما خرجنا من الجامعة، الشمس كانت بتميل للغروب، ضوّها الدافئ نازل على وجوههم التلاتة اللي بقوا شابات يملوا العين. ركبنا التاكسي، قعدوا هما التلاتة ورا، وأنا قعدت قدام، وبصيت لنفسي في المراية.. شوفت الشعر الأبيض والخطوط اللي في وشي، بس لأول مرة من سنين طويلة، مابقتش شايف راجل عجوز بائس، شوفت أب فخور بأعظم إنجاز في حياته.
وصلنا البيت، الحي الشعبي بتاعنا كان متغير، لقيت جيراننا معلقين زينة بسيطة، وأم محمد واقفة قدام باب المحل بتاعنا بتزغرد، والناس كلها طالعة بتبارك، كأنهم هما اللي اتخرجوا مش البنات. دخلت الشقة القديمة، اللي ريحتها لسه صابون غسيل وبقايا ذكريات، لقيتهم مجهزين سفرة بسيطة، كل حاجة عليها من عمايل إيديهم، وكل طبق عليه ورقة صغيرة مكتوب فيها شكراً يا بابا.
قعدت على الكرسي اللي قعدت عليه سنين طويلة بذاكرلهم، مسكت الورقة اللي كان كاتبها أخويا السبب في كل ده وبصيت للبرواز اللي حطوه في صدر الصالة، وابتسمت لنفسي وقولت بصوت واطي يا دوب سمعته ياما كنت بخاف اللحظة دي تيجي.. بس دلوقتي، أنا مستعد أعيش عمري كله تاني، بس بشرط.. أربي نفس البنات.
نور مسكت إيدي وقالت يا بابا، إحنا بكرة هنبدأ شغل، وأول مرتب لينا هيكون في جيبك، أنت مش هتشتغل تاني في حديد وموان، أنت هتستريح وتشوفنا بنكبر قدام عينك.
بصيت لهم، وضحكت من قلبي ضحكة صافية، وحسيت إن ال 22 سنة اللي فاتوا مكنوش تضحية.. دول كانوا أجمل استثمار لراجل اختار الطريق الصح، ولقى في آخره الجنة اللي كان بيدور عليها في عيون بناته.
.
الليل دخل علينا، والهدوء رجع للمكان، بس كان هدوء مليان دفء مش هدوء الوحدة اللي اتعودت عليه سنين. قعدت على كنبة الصالون القديمة، عيوني بتتحرك بين صورهم اللي على الحيطة وبينهم وهما بيحاولوا ينضفوا المكان بعد العزومة اللي عملوها. ملامحهم وهي بتضحك وبيهزروا مع بعض، صوتهم اللي كان بيملأ البيت حياة بعد ما كان سنين طويلة بيتردد فيه صدى صوتي لوحدي وأنا بكلم نفسي في الضلمة.
نور جت وقعدت جنبي، حطت راسها على كتفي زي ما كانت بتعمل وهي طفلة صغيرة لما كان بيجيلها كابوس. ملك وفريدة جم وقعدوا عند رجلي، وملك مسكت إيدي وقالت يا بابا، إحنا طول عمرنا بنشوفك بتصحى قبل الفجر، بتشيل الشكاير، وبترجع هدومك كلها بودرة حديد.. كنت بنشوفك في عيون الناس العم اللي بيصرف، بس إحنا كنا بنشوفك في عيوننا البطل اللي بيحارب.
ابتسمت ومسحت على شعرها، وقلت بصوت مبحوح من التأثر أنا مكنتش بحارب يا ملك، أنا كنت بستمتع بالوقت.. كنت بخاف بس ييجي يوم والاقيكم كبرتوا وسيبتوا البيت قبل ما ألحق أوريكم قد إيه أنا بحبكم.
فريدة قاطعتني بضحكتها المميزة وقالت سيبنا البيت؟! ده احنا حتى لما نتجوز، مش هنبعد عنك خطوة.. أنت اللي هتفضل في صدر الصالون، وأنت اللي هتفضل الكلمة الأولى والأخيرة في حياتنا.
سكت لحظة، حسيت بتقل في صدري من كتر المشاعر، بس كان تقل جميل. بصيت للساعة اللي متعلقة فوق باب الشقة، لقيتها دخلت في نص الليل. سنين كتير عدت وأنا بضبط المنبه عشان أصحى للمحمل والشغل، ولأول مرة، المنبه ملوش قيمة.
قمت وقفت ببطء، جسمي تعبان بس روحي خفيفة ريشة، دخلت الأوضة اللي كنت مخبي فيها الشنطة القديمة اللي فيها كل شهاداتهم من أول الحضانة لحد الجامعة، وطلعت منها ورقة صغيرة كنت كاتبها لنفسي من 15 سنة، مكتوب فيها يا رب، خليهم أحسن مني، وخليني أشوف اليوم اللي يرفعوا فيه راسي.
رجعت للصالة، لقيتهم التلاتة نايمين على الكنبة، ملك حاضنة فريدة، ونور نايمة ووشها باصص ناحيتي، كأنهم لسه بيطمنوا إني موجود وممشيتش. غطيتهم بالبطانية اللي كنت بستعملها في عز الشتا عشان ادفيهم، وبست كل واحدة فيهم في جبينها.
مشيت ناحية الشباك اللي بيطل على وسط البلد، الشوارع تحت بدأت تهدى، وأضواء المحلات اللي كنت شغال فيها بدأت تطفى. خدت نفس عميق، ورئة مليانة برضا ما بعده رضا. مكنتش عارف إيه اللي مخبيه بكرة، بس لأول مرة في حياتي، مكنتش خايف من بكرة.
همست في سرّي يا رب، أنا اكتفيت.. ده أحلى نهاية لقصة بدأت بشنطة حفاضات وورقة بنزين.
في اللحظة دي، ولأول مرة
متابعة القراءة