ضحيت ب 22 سنه من عمري وأنا بربي بنات أخويا ( حكايات شروق خالد )

لمحة نيوز

من 22 سنة، طفيت نور الصالة، ونمت وأنا واثق إن بكرة مش شايل لي هم.. بكرة شايل لي فيه بس اللي زرعته فيهم حُب، وأصل، ووفاء.
..
مرت الأيام اللي بعد التخرج بسرعة غريبة، بس كانت أول أيام بحس فيها إن الوقت بيجري وأنا مستمتع، مش بجري وراه عشان ألحق أخلص وردية أو أسدد قسط. الحياة في البيت أخدت طابع جديد؛ البنات بدأوا مشوارهم العملي، ملك في شركة هندسية، فريدة في مكتب محاماة، ونور في مستشفى، وكل واحدة فيهم وهي خارجة الصبح، كانت بتسيب لي روشتة يومية يا بابا بلاش تنزل المحل النهاردة، يا بابا الغدا في الثلاجة، يا بابا ما تنساش تاخد الدوا.
كنت بقعد في البلكونة القديمة اللي بتطل على الشارع، بتابع الحركة والناس، وبسمع صوتهم وهما داخلين العمارة بعد يوم طويل. الهدوء اللي كنت بتمناه زمان بقى صخب جميل بيملا البيت.. ضحكاتهم، نقاشاتهم في الشغل، ومحاولاتهم المستمرة عشان يخلوني أستجم.
في يوم، وأنا قاعد بقلب في راديو قديم، دخلت نور الأوضة وكانت ماسكة ظرف كبير، ملامحها كانت جدة زي عادتها بس عينيها بتلمع بفرحة مكسوفة. حطت الظرف قدامي وقالت ده أول مرتب لينا احنا التلاتة، زي ما وعدناك.
فتحت الظرف، لقيت فيه مبلغ أكبر بكتير مما كنت أتخيل، بس في نفس اللحظة لقيت جوا الظرف تذكرة سفر. بصيت لنور باستغراب، ضحكت وقالت دي رحلة عمرة يا بابا.. دي أقل حاجة نقدر نقدمهالك قصاد كل صلاة صليتها عشاننا، وكل ركعة دعيت فيها إننا نكون أحسن الناس.
حسيت بدموع سخنة بتغلبني، وبصيت للتذكرة والفلوس، وبعدين بصيت لهم.. لقيتهم التلاتة واقفين وراها، عيونهم متعلقة بيا كأنهم مستنيين حكم محكمة. اتنهدت بعمق، وحطيت إيدي على إيدهم وقلت أنا مش عايز فلوس، أنا عايزكم تفضلوا جنب بعض، وتفضلوا سند لبعض زي ما كنتوا دايماً.. العمرة دي هروحها، بس بشرط.. تدعولي هناك إن ربنا يقدرني وأشوفكم في بيوتكم، مبسوطين، ومعاكم اللي يقدر قيمتكم زي ما أنا قدرت قيمتكم.
عدت الشهور، ولقيت نفسي واقف قدام الكعبة، لابس الإحرام، باصص للكعبة اللي حلمت طول عمري أزورها. افتكرت نوح الشاب اللي كان عنده 27 سنة، اللي كان خايف، ومحتار، ومرعوب من الدنيا. افتكرت أول مرة مسكت إيديهم التلاتة وهما بيخطوا أول خطوة في حياتهم، ودلوقتي هما واقفين في الحياة، شابات بيمشوا بثبات.
رفعت إيدي للسما، وطلبت من ربنا حاجة واحدة يا رب، زي ما رزقتني بيهم وهما ضعاف، احميهم وهما أقوياء.. وارزقني الستر اللي سترتهم بيه.
رجعت من السفر، لقيت البنات مجهزين لي مفاجأة تانية؛ كانوا جابوا لي مكتب صغير في البيت، وكتبوا عليه بالخط العريض مكتب نوح.. بطل حكايتنا. ومن اليوم ده، بدأت أكتب حكايتي معاهم، مش عشان أنشرها، بس عشان لما ييجي اليوم اللي يطول فيه عمري، يقروا ويعرفوا إن التضحية عمرها ما كانت خسارة، وإن عمو نوح ما ضيعش 22 سنة من عمره، ده عاشهم في أحلى رحلة ممكن راجل يعيشها على وش الأرض.
والحكاية لسه مكملة، بس المرة دي، مش أنا اللي بسوق المركب لوحدي، إحنا بقينا سوا، في مركب واحدة، وفي بحر واحد، متطمنين لأننا مع بعض.
تمت حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط