الممرضه رجعت من شيفت 12 ساعه حكايات مني السيد

لمحة نيوز

من لحظات حياتها الجديدة. مش عشان تشكي، بس عشان تثبت لنفسها إنها موجودة، وإن وجعها ليه قيمة.
في ليلة من الليالي، وهي قاعدة بتذاكر لحالة طبية جديدة، خبط الباب. مروة استغربت، مين هيجيلها في الوقت المتأخر ده؟ فتحت الباب، لقيت واحدة من جيرانها القدام، ست كبيرة، كانت دايماً بتشوفها وهي راجعة من الشيفت وتصعب عليها.
مروة يا بنتي، أنا عارفة إنك مش عايزة حد يعرف مكانك، بس أنا لازم أقولك.. أحمد وأمه باعوا العفش، وهيسيبوا الشقة، والحالة هناك بقت لا تطاق..
مروة هزت راسها بهدوء
شكراً يا خالة، بس ده مابقاش يخصني.
قفلت الباب، ورجعت قعدت. في اللحظة دي، مروة حست إنها أخيراً أغلقت الكتاب. مش بس كتاب الجواز، لكن كتاب الخوف.
حطت سماعاتها، سمعت أغنية لفيروز، وبدأت تكتب الفصل اللي جاي في حياتها.. الفصل اللي هيكون عنوانه مروة.. الإنسانة.
بكرة الصبح، عندها شيفت 12 ساعة، بس المره دي، مش راجعة لبيت متبهدل، راجعة لبيتها هي، لنفسها هي، وللحلم اللي قررت تحققه مهما كان التمن.
الفصل الثالث
الهواء في القاهرة كان تقيل، مش بس من الرطوبة، لكن من كتر الحكايات اللي بتتحكي في السكك الضيقة، والبيوت اللي بتبان من بره هادية ومن جوه بتغلي. مروة، بزي التمريض بتاعها اللي بقت تعتز بيه أكتر من أي فستان خروج، كانت ماشية في شارعها القديم بالصدفة. مش عشان تحن للذكريات، بس عشان كانت بتخلص ورق رسمي في مصلحة حكومية قريبة، واضطرت تعدي من الطريق ده.
الشارع كان متغير، أو يمكن مروة هي اللي عينها اتغيرت. الرصيف اللي كانت بتجري عليه عشان تلحق المواصلات وهي شايلة هم البيت، بقى مجرد طريق بتمشي عليه بخطوات محسوبة. شافت الخالة سعاد، جارتها العجوزة اللي كانت بتخبي سرها وبتداري عليها لما أحمد كان بيمنعها تخرج لزيارة أهلها.
سعاد لما شافتها، حطت إيدها على قلبها من الدهشة
مروة؟ يا بنتي؟ ده إنتي؟ ده أنا افتكرتك سافرتي بلاد تانية، من يوم ما مشيتي والبيت هناك بقى مأتم.
مروة ابتسمت ابتسامة هادية، نظرة عينها كانت أقوى من أي كلام
سافرت يا خالة، بس سافرت جوا نفسي. سافرت لمكان تاني خالص غير اللي كنت عايشة فيه. إزاي الحال يا خالة؟
سعاد اتنهدت، وبصت يمين وشمال كأنها خايفة من حد يسمعهم
أحمد باع العفش كله يا بنتي، حتى التلاجة اللي كنتِ دافعة تمنها، باعها عشان يسدد ديون السجاير والأكل اللي بيطلبه من بره. والحاجة أمينة.. بقت تقعد على السلم بالساعات، بتزعق في الرايح والجاي، بتقول إنك كنتِ عاملة لها سحر عشان هي اللي كانت بتدير البيت.
مروة ضحكت، ضحكة صافية خالية من أي وجع
سحر؟ لو كان فيه سحر كان زماني شفت راحتي من زمان يا خالة. السحر الحقيقي هو إن الواحد يفتح عينه ويشوف الحقيقة.
سعاد مسكت إيد مروة وقالت بصوت واطي
أحمد سأل عليكي كتير، بيدور عليكي في كل حتة. بلاش ترجعي يا مروة، بلاش.. الراجل ده ملوش أمان، وأمه قلبها أسود.
متخافيش يا خالة، مروة اللي كانت بتخاف مبقتش موجودة.
سابتها مروة وكملت طريقها، بس جواها كان فيه حاجة بتتحرك. هي مش خايفة من أحمد، بس هي عارفة إن الشخص اللي بيحس إنه خسر مصدراً بيعتمد عليه، بيتحول لحيوان محبوس، وممكن يعمل أي حاجة عشان يرجع اللي ضاع منه.
وصلت مروة شقتها الصغيرة. هبة، زميلتها، كانت مستنياها ومعاها كوباية شاي بالنعناع
اتأخرتي ليه؟ كنت بدأت أقلق عليكي.
قابلت الخالة سعاد، حكت لي شوية حاجات..
سيبك منهم يا مروة، إنتي فتحتي صفحة جديدة، ودلوقتي لازم نركز في مشروعنا.
مشروعهم ما كانش مجرد تمريض منزلي، كان فكرة مروة اللي اشتغلت عليها الشهور اللي فاتت. كانت بتجهز لإنشاء وحدة تمريض متخصصة للحالات اللي بتحتاج رعاية طبية طويلة الأمد في البيوت، مش بس حقن وعلاج، لكن جلسات نفسية، وتأهيل، وكمان تعليم الأهل إزاي يتعاملوا مع مرضاهم. مروة كانت بتطبق العلم اللي درسته، والخبرة اللي خدتها من المعاناة.
في وسط الشغل، مروة بدأت تلاحظ حاجة غريبة. فيه أرقام غريبة بتتصل بيها، وبمجرد ما بترد، الخط بيفصل. في الأول افتكرت إنه عطل في الشبكة، بس لما الموضوع زاد، بدأت تقلق.
ممكن يكون هو؟ سألت نفسها وهي بتبص لشاشة التليفون.
في نفس الليلة، وهي راجعة من شيفت 16 ساعة في حالة صعبة، لقت حد مستنيها تحت العمارة. كان أحمد. شكله كان يرثى له، دقنه مش محلوقة، ولبسه مش نظيف، وريحته كانت ميكس بين السجاير واليأس.
وقفت مروة، ما رجعتش لورا. بصت له بثبات
عايز إيه يا أحمد؟
أحمد حاول يمثل دور الراجل المكسور
مروة.. أنا تعبان من غيرك. البيت من غيرك ملوش طعم، وأمي.. أمي تعبت، ومحتاجة حد يراعيها. إنتي عارفة إننا بنحبك، وده كان سوء تفاهم.
مروة بصت له ببرود
بتحبوني؟ كنتوا بتحبوا الراحة اللي كنت بوفرها لكم، كنتوا بتحبوا الفلوس اللي كانت بتدخل البيت من عرقي، كنتوا بتحبوا إن فيه واحدة مستباحة بتشيل كل المسؤولية. ده مش حب يا أحمد، ده استغلال.
أحمد تقدم خطوة
أنا جوزك، وكلمتي هي اللي تمشي. لازم ترجعي، أنا مش هسيبك تعيشي لوحدك كدة.
مروة ضحكت، وطلعت موبايلها
إنت عارف إني ممرضة، وبشوف حالات كتير، وبعرف إمتى الشخص يكون بيتكلم بجد، وإمتى يكون بيتكلم عشان يسيطر. إنت دلوقتي مش بتكلمني عشان بتحبني، إنت بتكلمني عشان إنت عاجز. عاجز عن إنك تعيش من غير خدماتي، وعاجز عن إنك تواجه الدنيا لوحدك. أنا مش هرجع، ولو قربت خطوة تانية، البوليس هيكون هنا في دقيقة.
أحمد اتجمد في مكانه. ما كانش متخيل إن مروة الضعيفة اللي كانت بتعيط عشان طبق شوربة، ممكن تكون بالقوة دي.
إنتي اتغيرتي.. قالها بصوت فيه ريحة الحقد.
لأ، أنا رجعت لنفسي. اللي كنتوا شايفينه زمان كان أنا اللي إنتوا رسمتوها، مش أنا الحقيقية. الحقيقية هي اللي واقفة قدامك دلوقتي، ومش خايفة منك.
مشي أحمد وهو بيتوعد، بس مروة ما هزتش فيها شعرة. طلعت شقتها، وقعدت مع هبة حكت لها اللي حصل. هبة كانت خايفة، بس مروة كانت حاسة بانتصار داخلي كبير.
الأيام عدت، ومروة بدأت تحس إن تهديدات أحمد مش بس كلام. بدأت تلاقي ورش فنية بتبعت لها رسايل، وبدأت تلاقي حد بيراقبها من بعيد. قررت مروة إنها لازم تاخد خطوة قانونية. راحت لمحامية شاطرة، حكت لها كل حاجة، من أول التجاوزات لحد التهديدات، وبدأت إجراءات الطلاق للضرر ومحضر إثبات حالة.
في وسط الضغط ده، مروة جات لها مكالمة من المنصورة. كانت أختها
مروة.. ماما.. ماما محتاجة العملية فوراً. حالتها اتأخرت.
قلبها وقع في رجليها. المبلغ اللي كانت حوشته، كان معظمه في الحساب اللي بتصرف منه على شغلها. حسبت حساباتها، لقت إن العملية محتاجة مبلغ زيادة.
فكرت.. فكرت كتير. وبدل ما تستسلم للحزن، قررت تعمل حاجة مجنونة. قررت تعرض خبرتها كتمريض محترف في مؤتمر طبي صغير بيتعمل في القاهرة، عشان تحصل على دعم أو حتى شغل في مستشفيات كبرى بمرتب أكبر.
يوم المؤتمر، مروة لبست أشيك لبس عندها، وجهزت بريزنتيشن عن التمريض المنزلي كجزء من العلاج النفسي. كانت متوترة، بس لما بدأت تتكلم، كل التوتر اختفى. اتكلمت بصدق، اتكلمت عن حالات حقيقية، اتكلمت عن الألم اللي شفته، وعن الأمل اللي بتقدمه.
الحضور كانوا مبهورين. مروة مش بس ممرضة، مروة كانت قصة نجاح. بعد ما خلصت، جات لها عروض من كذا مستشفى، وعروض للمشاركة في مشاريع طبية كبيرة.
كانت ماشية في ممرات المؤتمر وهي حاسة إنها بدأت تلمس النجوم، وفجأة، شافت حد واقف قدامها.
كان أحمد. بس المرة دي، ما كانش لوحده. كانت معاه أمينة.
أمينة بصت لمروة بابتسامة خبيثة
يا أهلاً بالست الهانم، اللي بتلقي محاضرات.. إنتي فاكرة إنك لما تلبسي لبس نضيف وتتكلمي في مؤتمرات هتنسي أصلك؟ إنتي مراته، والبيوت أسرار، والناس هنا لازم تعرف مين مروة الحقيقية.
الناس اللي في المؤتمر بدأوا يبصوا. مروة حست بالدم بيغلي في عروقها. كان عندها حل من اتنين يا إما تنهار وتعيط زي زمان، يا إما تواجه.
بصت لأحمد وأمينة بثبات، ورفعت صوتها بحيث الكل يسمع
إنتوا جيتوا في الوقت المناسب. أنا كنت لسه بحكي عن الأثر النفسي للبيوت السامة. تحبوا أطلعكم على المسرح تشرحوا للناس تجربتي معاكم؟ ولا تحبوا أوريكم محاضر الشرطة اللي تثبت تهديدكم ليّ؟
الناس بدأت تهمس. أحمد وشة اصفر، وأمينة بلعت ريقها. مروة كملت
أنا مش مروة اللي كانت بتنظف بيتها عشان ترضيكم. أنا مروة، اللي بتقدم العلم للناس، واللي هتكمل حياتها من غيركم. الأمن.. من فضلكم، فيه ناس غريبة دخلت القاعة.
الأمن جه وخرج أحمد وأمه، والناس بدأت تصقف لمروة. مروة وقفت في نص القاعة، حست إنها أخيراً بقت حرة.
بس وهي خارجة من المؤتمر، التليفون رن. كانت أختها تاني
مروة.. أمك تعبت أكتر، لازم تجي المستشفى فوراً.
مروة جريت، ركبت عربية، وهي بتدعي ربنا إن أمها تكون بخير. الطريق كان زحمة، والذكريات كانت بتمر قدام عينيها زي فيلم سينما.. ذكريات التعب، ذكريات الظلم، وذكريات القوة اللي اكتشفتها في نفسها.
وصلت المستشفى، ولقيت الدكاترة حوالين أمها. كانت اللحظة الأصعب في حياتها. مروة، الممرضة القوية، كانت بتبص لأمها وهي بتطلب من الدكاترة يعملوا المستحيل.
يا رب.. يا رب ما تحرمني منها بعد كل اللي شفته.
في اللحظة دي، مروة أدركت إن الحياة مش بس معارك بنكسبها، الحياة هي لحظات ضعف بنمر بيها ونطلع منها أقوى.
خرج الدكتور، وشة كان عليه علامات القلق
مروة.. الحالة حرجة، والعملية لازم تتعمل دلوقتي، بس فيه خطر..
مروة مسحت دموعها، وبصت للدكتور نظرة إصرار
أنا عارفة المخاطر يا دكتور، أنا ممرضة وشفت حالات كتير. بس أنا مؤمنة إنها هتعدي. ادخلوا العمليات، وأنا هكون معاكم، حتى لو هساعدكم، أنا مستعدة لكل حاجة.
الدكتور بصلها باستغراب
إنتي تعبانة يا بنتي، إنتي محتاجة ترتاحي.
راحتي لما أشوفها فاتحة عينيها.
دخلت مروة مع الفريق الطبي، وقفت كتمريض، بس كان جواها بنت بتدعي بكل جوارحها. العملية بدأت، والساعات كانت بتعدي زي السنين. مروة كانت بتراقب كل جهاز، كل نبضة، كل حركة. كانت بتطبق كل معلومة عرفتها في حياتها المهنية.
وفجأة.. الجهاز بدأ يصدر صوت متقطع. نبضات القلب بتنخفض.
مروة صرخت في سرها لأ.. مش دلوقتي!.
بدأت العمليات تاخد منحنى تاني خالص. مروة مسكت إيد أمها وقالت بصوت واطي
يا أمي، إنتي قوية، أنا طلعت زيك، قومي عشاني..
وبعد دقائق من الصمت الرهيب، الجهاز رجع ينتظم.
الدكتور اتنهد
عدت يا مروة.. عدت.
مروة وقعت على الأرض، مش من التعب، بس من الراحة. حست إنها انتصرت في أكبر معركة في حياتها.
خرجت من المستشفى وهي حاسة إنها اتولدت من جديد. بس وهي ماشية في ممرات المستشفى، شافت حد قاعد في زاوية المستشفى، كان أحمد. كان باين عليه إنه كان بيستناها.
قرب منها، وبص لها نظرة غريبة، مش نظرة تهديد، ولا نظرة حب، كانت نظرة اعتراف بالهزيمة.
مروة.. أنا.. أنا كنت غلطان.
مروة بصت له، ومشت من جنبه من غير ولا كلمة. مش عشان هي قاسية، بس عشان هي خلاص، مابقتش شايفة وجوده في حياتها. بالنسبة لها، أحمد بقى مجرد ذكرى لمرحلة عداها الزمن.
رجعت شقتها، قعدت في البلكونة، شافت القاهرة وهي بتتنفس. مروة، الممرضة، البنت اللي سابت بيت جحيم، دلوقتي بقت إنسانة تانية خالص.
فتحت مذكراتها، وبدأت تكتب
مش كل اللي بنخسره بيبقى نهاية، أحياناً بيكون هو البداية الحقيقية لكل اللي جاي.. أنا لسه مروة، بس مروة اللي عرفت إن قيمتها مش في اللي بتعمله للناس، قيمتها في إنها تكون هي نفسها.
ومع طلوع شمس يوم جديد، مروة كانت بتستعد ليوم شغل جديد، بس المره دي، مش عشان تعيش، بس عشان تستمتع بالحياة اللي هي اختارتها لنفسها.
يتبع
الفصل الرابع
بدأت حياة مروة تاخد إيقاع مختلف، إيقاع مليان بالتحدي والإنجاز. بعد نجاح العملية، الحاجة حكيمة بقت تتحسن يوم بعد يوم، ومروة كانت بتنزل المنصورة كل ما تلاقي فرصة عشان تشوف ضحكة أمها
تم نسخ الرابط