الممرضه رجعت من شيفت 12 ساعه حكايات مني السيد
المحتويات
اللي كانت بالنسبة لها أكبر مكافأة في الدنيا. في القاهرة، المشروع الصغير اللي بدأته مع هبة كبر، وبقى له صيت في المنطقة، لدرجة إن مستشفيات كبيرة بدأت تطلب منهم استشارات تمريض منزلي لحالات خاصة.
مروة ما بقتش مجرد ممرضة بتنفذ أوامر، بقت خبيرة بتقود فريق. بقت بتدرس، وبتقرأ في أحدث النظريات عن الرعاية التلطيفية والتمريض النفسي، وبقت بتقدم محاضرات في مراكز طبية. الفلوس اللي كانت بتجمعها مش بس سددت ديون العملية، لا ده بدأت توفر مبلغ كويس تقدر بيه تفكر في مستقبلها هي، مش مستقبل حد تاني.
في يوم، وهي راجعة من شيفت مسائي، لقت أحمد واقف قدام باب عمارتها، بس المرة دي كان معاه محامي. أحمد ما بقاش الشخص المكسور اللي بتسول الود، بقى لابس بدلة قديمة ومكرمشة، وعيونه فيها بريق طمع غريب.
مروة، المحامي ده جاي عشان يخلص أوراق الطلاق اللي إنتي طالباه، بس فيه شروط.. قال أحمد بنبرة متعالية.
مروة بصت للمحامي، وبعدين بصت لأحمد، وضحكت ضحكة هزت كيانهم
شروط؟ إنت لسه فاكر إنك في وضع يسمح لك تحط شروط؟ إنت بعت العفش، ودمرت شقتي، وهددتني.. إنت اللي المفروض تحمد ربنا إني لسه ما حبستكش على اللي عملته فيا طول السنين اللي فاتت.
المحامي حاول يتدخل بصوت هادي ومستفز
يا مدام مروة، إحنا مش عايزين مشاكل، أحمد بيطالب ب تعويض عن فترة غيابك، ومشاركة في نجاح مشروعك اللي قمتي بيه بفلوس كنتي بتدخليها ليكي من ورا جوزك.
مروة قربت من المحامي خطوة، وعيونها كانت زي الجمر
فلوس مين يا أستاذ؟ الفلوس اللي كنت بدفعها من عرقي وأنا شيفتات 12 ساعة؟ إنت بتكلمني عن شراكة في نجاح أنا اللي حفرت فيه بالصخر؟ ارجع وقول لموكلك، إن لو فكر بس يقرب من حياتي، أو يطالب بقرش واحد، أنا مش بس هرفع قضية طلاق للضرر، أنا هرفع قضية تبديد أموال وتهديد وإساءة معاملة. عندي تقارير طبية، وعندي شهود، وعندي كل مليم دفعته في بيته القديم وأقدر أثبته.
أحمد كان بيترعش، مش من البرد، بس من صدمته في مروة اللي كان فاكرها خاضعة.
إنتي اتجننتي يا مروة.. ده أنا جوزك!
إنت كنت سجان، ومش جوز. والنهارده، أنا اللي بقفل باب السجن ده بالمفتاح. المحضر في القسم جاهز، والخطوة الجاية مش مني، الخطوة الجاية هتكون من القانون لو ما اختفيتوش من حياتي دلوقتي.
مشيت مروة ودخلت العمارة وهي حاسة إنها بتطرد شبح قديم. طلعت شقتها، ورمت شنطتها، ووقفت قدام المراية. بصت لنفسها، شافت واحدة شعرها بدأ يطول، وشها بقى فيه نضارة، وعنيها فيها قوة مش ممكن تنكسر.
في الأيام اللي بعد كده، مروة بدأت تلاحظ إن فيه مراقب بيتبعها. مش أحمد، ده حد تاني. في الأول خافت، بس لما بدأت تلاحظ نمط المراقبة، اكتشفت إنهم ناس تابعين لجهة معينة.. شركة تأمين طبي كبرى.
طلع إن نجاح مروة في المؤتمر الأخير، وسمعتها الطيبة في المستشفيات، خلت شركة التأمين دي تهتم بضمها لفريق إدارة الحالات الحرجة.
جالها عرض رسمي. مرتب خيالي، تأمين طبي، وفرصة سفر بره مصر عشان تاخد دورات تدريبية متقدمة.
قعدت مروة مع هبة
يا هبة، ده حلم حياتي، بس.. المشروع بتاعنا؟
هبة ابتسمت ودموع في عينيها
إنتي بتهزري يا مروة؟ إنتي لازم توافقي. أنا هكمل هنا، وإنتي هتفتحي طريق لنا كلنا. إنتي مش بس بتغيري حياتك، إنتي بتغيري صورة الممرضة في عيون المجتمع كله.
وافقت مروة. بدأت حياتها في الشركة الجديدة. كانت أصغر واحدة في الفريق، بس كانت أكترهم خبرة عملية. في الشركة، مروة ما بقتش ممرضة وبس، بقت مستشارة. كانت بتحل مشاكل المرضى، بتفاوض مع المستشفيات، وبتضمن إن المريض ياخد حقه كامل.
في وسط الانشغال ده، مروة ما نسيتش أهلها. مش بس أمها، لكن البنات اللي كانت بتشوفهم في المستشفى، البنات اللي زحمة الحياة والظلم الاجتماعي بيخليهم يسكتوا على حقوقهم. بدأت مروة تخصص يوم في الأسبوع ل استشارات مجانية للبنات اللي بيعانوا من عنف أسري، بتعلمهم إزاي ياخدوا حقوقهم القانونية، وإزاي يلاقوا مخرج من السجن اللي هما فيه.
قصة مروة بدأت تنتشر. بقى فيه جروبات على السوشيال ميديا بتنقل حكايتها، وبقت رمز ل الست المصرية اللي قاومت ونجحت.
لكن، في نص النجاح ده، مروة لسه كان فيه جرح مستخبي. ذكريات القهر في البيت القديم كانت بتجي لها في كوابيس. بتصحى مفزوعة، حاسة إنها لسه بتنظف السجاد، حاسة إن الشوربة بتترمي في الحوض.
في يوم، وهي ماشية في أحد أحياء القاهرة الراقية، شافت أحمد تاني. المرة دي، كان قاعد على قهوة، شكله مبهدل أكتر، وشعره متلخبط. كانت معاه ست تانية، باين عليها الغلب والفقر، كانت بتزعق له وهو قاعد ساكت، كأنه الضحية اللي بيصعب على الناس.
مروة وقفت للحظة. شافت المشهد، وأدركت حقيقة أحمد أحمد مش بس استغلها، أحمد نمط مكرر. هو بيعيش على استنزاف أي ست بتصدق ضعفه.
حست مروة ب شفقة. مش حب، ولا كره. شفقة على الراجل اللي فضل طول عمره طفل بيستنى حد يخدمه، ولما فقد الخدمة دي، بقى شخص ضايع.
كملت مروة طريقها، ومبصتش وراها. في اللحظة دي، مروة حست إن التحرر مش إنك تاخد حقك، التحرر هو إنك تبطل تهتم باللي ظلمك.
في الشركة، بدأ مشروع جديد وحدة التمريض المجتمعي. مروة كانت هي القائدة. بدأت تختار فريق من الممرضات اللي عندهم نفس طموحها. كانت بتعلمهم مش بس الطب، كانت بتعلمهم الكرامة.
إحنا مش جايين نخدم حد، إحنا جايين نساعد حد. الفرق بين الخدمة والمساعدة كبير، الخدمة فيها ذل، المساعدة فيها إنسانية.
كانت بتدربهم إزاي يتكلموا مع أهل المرضى، إزاي يحطوا حدود واضحة، وإزاي ما يسمحوش لأي حد إنه يقلل من شأنهم.
وفي يوم، وهي في مكتبها بتراجع ملفات مريضة جديدة، لقت اسم غريب أمينة.. اسم الأم أمينة.
وقفت مروة مصدومة. الحاجة أمينة؟.
بدأت تقرأ الملف. الحالة عجوزة بتعاني من تدهور صحي حاد بعد إهمال طويل، ومحدش من أهلها بيسأل عنها.
قلب مروة دق. الحكاية بتلف وبترجع لنفس النقطة.
مروة قعدت مع المدير
أنا عايزة أتولى الحالة دي.
المدير بص لها باستغراب
الحالة دي صعبة جداً ومحتاجة صبر، وإنتي عندك ملفات أهم.
أنا اللي هتابعها يا فندم.
راحت مروة للمكان اللي فيه أمينة. كانت شقة صغيرة جداً، ضلمة، وريحتها وحشة. لقت أمينة مرمية على السرير، لا حد بيخدمها، ولا حد بيأكلها. حتى أحمد، ابنها اللي كانت بتعمل كل حاجة عشانه، مش موجود.
دخلت مروة. أمينة لما شافتها، حاولت تداري وشها، حاولت تصرخ، بس صوتها كان ضعيف.
مروة قربت منها، مسكت إيدها المرتجفة، وبدأت تنظف المكان بهدوء. ما قالتش ولا كلمة.
أمينة بدأت تعيط. مش عياط ندم، بس عياط عجز.
ليه يا مروة؟ ليه جيتي؟
مروة بصت لها بعيون مليانة سلام
جيت لأني ممرضة يا أمينة. ولأني، بعد كل اللي عملتيه، عرفت إن القوة الحقيقية مش في إني أنتقم، القوة الحقيقية في إني أعمل اللي أنا شايفاه صح، واللي أنا بتمناه لنفسي.
مروة بدأت تقدم لها الرعاية. بقت تيجي كل يوم، بتأكلها، بتنظف لها المكان، وبتديها دواها.
في يوم، أمينة مسكت إيد مروة وقالت بصوت متقطع
أحمد سابني.. من يوم ما مشيتي، والبيت خرب، ومبقاش فيه حد يخدمه، فباع كل حاجة وسافر، وسابني لوحدي.
مروة هزت راسها بهدوء
الدنيا دوارة يا أمينة.
أنا ظلمتك يا مروة.. ظلمتك كتير.
مروة ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقامت عشان تمشي
أنا سامحتك، مش عشانك، لكن عشاني أنا. عشان قلبي يفضل نضيف. سلام يا أمينة.
خرجت مروة، وحست إنها أخيراً أغلقت كل الأبواب. مفيش غضب، مفيش انتقام، مفيش حقد. مفيش غير مروة، الإنسانة اللي بدأت حياتها من الصفر، ووصلت للي هي فيه دلوقتي.
ركبت عربيتها، وبصت للسما. كانت صافية جداً. مروة كانت عارفة إن لسه فيه تحديات، ولسه فيه فصول تانية في حياتها، بس كانت متأكدة من حاجة واحدة إن مهما حصل، هي اللي سايقة، وهي اللي بتختار طريقها.
تليفونها رن. كان المدير
مروة، عندنا مهمة جديدة، بس المرة دي بره مصر. مشروع طموح جداً في السعودية، ومحتاجين قيادة متميزة.
مروة ابتسمت
أنا جاهزة.. دايماً جاهزة.
بدأت مروة تجهز شنطتها. مش شنطة هروب زي المرة اللي فاتت، دي كانت شنطة إنجاز. بصت للأوضة، للكتب، للشهادات، لكل حاجة كانت هي السبب في وجودها.
قفلت باب شقتها، وبدأت خطوة جديدة.. خطوة تانية في رحلة مروة، الرحلة اللي مكنش حد يتوقع إنها توصل للنجاح ده، بس مروة كانت دايماً عارفة إنها قدها.
يتبع
الفصل الخامس قبل الأخير
المطار كان زحمة كالعادة، أصوات الشنط وهي بتتجر على الأرض، نداءات الرحلات، ووشوش الناس اللي مابين مودّع ومستقبل. مروة كانت واقفة قدام شاشة الرحلات، عينيها على رحلة الرياض. لأول مرة في حياتها، الرحلة مش هروب من واقع مر، الرحلة كانت تذكرة دخول لمستقبل هي اللي رسمت ملامحه بإيديها.
قبل ما تعدي بوابة الخروج، تليفونها رن. كانت هبة.
مروة.. قوليلي إنك لسه في المطار ومغيرتيش رأيك؟
مروة ضحكت، ضحكة رنانة هزت رصانة المكان
يا بنتي ده أنا خلصت كل الإجراءات. إنتي لسه خايفة عليّ؟
هبة اتنهدت براحة
مش خوف، ده فخر. أنا مش مصدقة إن البنت اللي كانت بتبكي عشان طبق شوربة بقى اسمها دلوقتي مديرة مشاريع التمريض التخصصي في واحدة من أكبر شركات الصحة في الخليج.
مروة بصت للوحة الإعلانات في المطار، لمحت صورة دعائية لشركة صحية، وبصت لنفسها في انعكاس القزاز. بقت واحدة تانية فعلاً؛ لبسها أنيق وعملي، ملامحها مريحة بس فيها هيبة اللي عارفة هي رايحة فين، والأهم، إن نظرة عينيها مابقاش فيها انكسار.
هبة.. أنا مش بس طالعة أشتغل، أنا طالعة أثبت لنفسي إن مروة اللي اتكسرت زمان، هي هي مروة اللي بتبني دلوقتي. ادعيلي.
قفلت مروة التليفون، وخدت نفس عميق. دخلت الطيارة، قعدت في مكانها، وبصت من الشباك. القاهرة بدأت تصغر، الأنوار بدأت تبقى نقط صغيرة. افتكرت أحمد وأمينة. في اللحظة دي، حست بسلام غريب؛ مفيش حقد، مفيش غضب، مفيش حتى عتاب. هما كانوا درس، والدرس اتفهم واتحفظ.
وصلت الرياض، كانت البداية حماسية ومخيفة في نفس الوقت. مجتمع جديد، ثقافة مختلفة، ونظام عمل صارم. في أول اجتماع ليها مع مجلس إدارة الشركة، كانت مروة هي الست الوحيدة، ووسط مجموعة من كبار الاستشاريين والأطباء.
المدير التنفيذي للشركة، راجل حازم، بص لها وقال
مروة، إنتي جيتي هنا بناءً على تقارير ممتازة عن شغلك في مصر. التحدي هنا مش مجرد تمريض، إحنا محتاجين ثورة في طريقة تقديم الخدمة للمرضى في بيوتهم. إنتي مستعدة؟
مروة وقفت، وبكل ثقة، بدأت تشرح رؤيتها. مابقاش عندها تلعثم، مابقاش عندها تردد. هي عارفة المنظومة من تحت لفوق، عارفة وجع المريض، وعارفة تطلعات الأهل. لما خلصت، كان الصمت سيد الموقف، وبعدين بدأ التصفيق.
الشهور الأولى كانت كفاح. مروة كانت بتشتغل 14 ساعة في اليوم. بتضع خطط، بتدرب فرق، بتواجه مشاكل لوجستية. بس كانت مبسوطة. ولأول مرة، كانت بتشعر إنها بني آدمة ليها قيمة، قيمتها نابعة من عقلها ومن تعبها، مش من جواز أو خدمة حد.
في يوم، وهي راجعة من موقع مشروع في مستشفى كبرى، التليفون رن برقم دولي. كان رقم من مصر. قلبه دق.. كان أخوها من المنصورة.
مروة؟ إلحقي.. ماما..
مروة جمدت في مكانها
مالها يا محمد؟ اتكلم!
ماما تعبت تاني، والمستشفى في المنصورة بتقول إن الحالة محتاجة جراح قلب متخصص، والعملية مكلفة جداً ومحتاجة سفر للقاهرة..
مروة ما فكرتش.
محمد، اسمعني كويس. انقلوا ماما فوراً لأكبر مستشفى في القاهرة، وأنا هتولى كل حاجة. الفلوس هتكون في حساب المستشفى قبل ما توصلوا.
قفلت مروة، وبدأت تتحرك كأنها في طوارئ. هي دلوقتي عندها القدرة، عندها المركز، وعندها الفلوس. اتصلت بكل معارفها في الأوساط الطبية في مصر، حجزت لأمها جناح خاص، واتفقت مع أحسن جراح قلب في البلد.
في اللحظة دي، مروة أدركت قوتها. هي ما بقتش الضحية اللي بتشحت العطف، هي بقت السند.
بعد
متابعة القراءة