مرات اخويا حطت شنطتها علي الكرسي الوحيد ( حكايات مني السيد )
المحتويات
في أواخر أيامه.
طلعت نفس طويل، وقعدت الكرسي اللي قدامه.
أنت عارف يا بابا إن الليلة اللي فاتت داليا كانت بتصرخ في الممر وبتقول إن أنا حاقدة؟ عارف إن ماما امبارح في التليفون كانت بتقول إن كريم سندكم وأنا مجرد بنت بكرة هروح لحالي؟ أنتم اللي عملتم فيه كده. أنتم اللي خليتوه يفكر إن من حقه ياخد كل حاجة ويترمي عليا الفضلة في طبق بلاستيك!
بابا حط الشيك على الترابيزة، ونزل على ركبه قدامي.
الموقف كان يرعب. أب بيكسر نفسه قدام بنته.
حقك عليّ يا بنتي حقك على راسي من فوق. أنتي سيدتهم كلهم، وأنتي اللي صنتينا وأحنا ضيعناكي. خدي الشيك، وامسحيها فيا أنا بلاش تدمريه.
مسكت إيد بابا بسرعة وقومته
بلاش الحركة دي يا بابا! بلاش تكسر نفسك عشان حد ما يستهلش!
في اللحظة دي، الباب اتزق بره بالكامل.
دخلت ماما، ووراها كريم.
ماما كانت شكلها يعز على الكافر، وشه شاحب وعينيها متنفخة من العياط. أما كريم، فكان زاي الفراخ المبلولة، خايف، مرعوب، ومتداري ورا أمه. داليا ما كانتش موجودة طبعاً، أول ما المركب غرق، هربت على بيت أهلها.
ماما جرت عليا وحضنتني، بس أنا جسمي كان متخشب.
سارة سامحيني يا بنتي! والله ما كان قصدي إهانة! أنا كنت مفكرة إنك مننا وعلينا ومش هتزعلي، وداليا هي اللي كانت بتضغط عليا وتقولي الناس المهمة هتقول إيه! سامحيني يا سارة، أبوس إيدك ما تخربيش بيت أخوكي!
بصيت لكريم اللي كان واقف مبصص في الأرض.
وإنت يا بطل؟ ما عندكش كلمة تقولها؟ ولا أمتك هي اللي بتمشي وتلم وراك القرف؟
كريم قرب خطوتين بصعوبة، وصوته كان بيترعش
أنا آسف يا سارة أنا كنت عمي. الشيطان غواني، وداليا كانت طول الوقت بتقولي إنك عايشة في خيرنا وإن البيت ده لازم يبقى بتاعي عشان أنا الراجل. أنا غلطت في حقك وفي حق بابا وماما. لو الم موضوع البنك ده، أنا مستعد أعمل أي حاجة تطلبيها.
وقفت في نص الصالة، ومسكت الفايل الأزرق.
الشيك ب٨٥٠ ألف هاخده ده حقي وفلوسي اللي اندفعت من عرقي.
أما بالنسبة للورق المزور والبنك أنا مش هقدمه للنيابة.
كريم رفع رأسه بسرعة، وشعاع أمل ظهر في عينيه
بجد يا سارة؟ ! ربنا يخليكي لينا يا
استنى! قطعت كلامه بصوت حاد زي الموس أنا ما خلصتش كلامي.
الكل سكت، وعيونهم اتعلقت بيا.
أنا مش هسلم الورق للنيابة عشان خاطر الشيبة اللي في رأس بابا بس. لكن الورق مش هيتقطع.
يعني إيه؟ ماما سألت بخوف.
يعني أصول العقود المزوّرة دي هتفضل معايا في الخزنة. وكريم هيمضيلي دلوقتي حالا على تنازل رسمي ونهائي عن أي حصة أو ورث في الفيلا بتاعة الشيخ زايد، وفي أي عقار يخص بابا وماما. الفيلا هتتكتب باسمي أنا وبابا وماما مناصفة، وكريم ما يدخلهاش تاني ولا له دعوة بيا ولا بالعيلة.
كريم اتصدم
إيه؟! أتنازل عن حق في ورث الفيلا؟! ده بيتي!
كان بيتك لما كنت صاينه! صرخت فيه إنما لما فكرت ترهنه وتبيع أبوك وأمك عشان قمارك وبورصتك، بقيت الغريب! قدامك دقيقتين يا كريم تمضي على ورق التنازل اللي المحامي بتاعي جهزه بالليل، يا إما الساعة ٩ طالعة، والفايل الأزرق هيروح في إيد مدير البنك والنيابة، وهتقضي ١٥ سنة سجن بتهمة تزوير واستيلاء!
كريم بص لماما، ماما غطت وشها وعيطت. بص لبابا، بابا أدار وشه الناحية التانية وقال بصوت قاسي
امضي يا كريم أمضي بدل ما أموت وأنا شايفك ببدلة السجن.
كريم أيده كانت بتترعش وهو بيمسك القلم. وقع على ثلاث نسخ من عقود التنازل عن أي حقوق مستقبلية في أملاك العيلة، وعلى إقرار بدينه بكل الفلوس اللي سحبها من بابا بدون وجه حق.
أخدت الورق منه، وراجعت الإمضاءات بعناية، وبعدين حطيته جوه الفايل الأزرق وقفلته.
كده حسابنا أتقفل يا كريم. أطلع بره شقتي، وما شوفش وشك تاني.
كريم بصلي بعينين مليانة كسرة وندم، ولف ومشي يجر رجليه بالعافية وخرج بره الشقة.
ماما كانت بتعيط وتترجاني
سارة هتسيبيه يروح فين؟ ده أخوكي!
ده
اللي عملتوه بإيديكم يا ماما. السند اللي كنتوا فاكرينه هيشيلكم، كان هيحدفكم في الشارع. أديكي شفتي من اللي بنت أصول ومن اللي ابن أصول.
ماما طأطأت رأسها وما قدرتش ترد. أخدت بابا من إيده ونزلت بيه، بعد ما بابا بصلي بصة أخيرة فيها مزيج من الخجل والامتنان.
قفلت الباب وراهم.
أخيراً، الصمت رجع للشقة.
فتحت الشباك، وشفت عربية كريم وهي بتمشي، وداليا واقفة على أول الشارع مستنياه، وأول ما ركبت بدأت تتخانق معاه وتزعق، لحد ما العربية اختفت.
أنا خدت حقي، وحميت بيتنا من الخراب، وكشفت كل الأقنعة المزيفة. بس على العكس ما كنت فاكرة ما حسيتش بنصر كبير. حسيت بفضى. فضى إن العيلة اللي كنت بأحارب عشانها، طلعت مجرد بيت من كارتون.
مسكت التليفون، وفتحت الرقم بتاع المحامي بتاعي.
ألو أستاذ سامح؟
أيوة يا سارة هانم. الشيك أتدفع والورق أتمضى؟
أيوة يا متر، كل حاجة تمت زي ما خططنا.
سامح سكت ثانية وقال
طب وبالنسبة للخطوة الجاية؟ الفايل الثاني بتاع الشريكة الأجنبية اللي داليا وأهلها متورطين معاها في غسيل الأموال؟ هنعمل فيه إيه؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأنا بتمشى في الصالة وبأبص على مدينة الشيخ زايد من الشباك
لا الفايل ده بقى، نجهزه على نار هادية يا متر. داليا فاكرة إنها خرجت من اللعبة لمجرد إنها سابت كريم بس القنبلة الكبيرة لسه ما فرقعتش تحت رجلين عيلتها.
أمرك يا فندم. نتقابل امتى؟
نتقابل بكرة الليلة دي أنا محتاجة أنام لأول مرة من سنين وأنا مرتاحة.
قفلت السكة.
شيلت الفايل الأزرق وحطيته في الخزنة، ومسكت الشيك ب٨٥٠ ألف جنيه. دخلت أوضة نومي، ورميت نفسي على السرير.
الحرب الأولى خلصت بس اللعبة الحقيقية مع داليا وعيلتها، كانت لسه يادوبك بتبدأ.
الجزء الرابع والأخير
مرت تلات أسابيع على الليلة اللي اتغير فيها كل حاجة.
الشمس كانت بتشرق على الشيخ زايد بهدوء، بس الهدوء ده كان عامل زي الهدوء اللي بيسبق الإعصار. أنا كنت قاعدة في كافيه شيك، قدامي كوباية أيس كوفي، ولابسة نظارة شمسية سودا مغطية عينيا. قدامي على الترابيزة كان فيه لاب توب مفتوح على شاشة البورصة، وجنبه الفايل التاني... الفايل الأسود اللي فيه البلاوي السودة بتاعة داليا وعيلتها.
من يوم ما كريم أمضى على التنازل وخرج من الفيلا مكسور، وداليا عملت اللي كنت متوقعاه بالظبط. ما كملتش أسبوع معاه. أول ما عرفت إن التمويل الأربعة مليون اتلغى، وإن الفيلا مبقتش ملكه، رفعت عليه قضية خلع، ولمت هدومها وشنطها الماركة ورجعت بيت أبوها، أشرف بك الداخلي، رجل الأعمال اللي عامل فيها بيه ووجيه من أعيان المجتمع، وهو في الحقيقة مجرد واجهة لشركات وهمية وبينضف فلوس مش نظيفة.
تليفوني رن.
كان الأستاذ سامح المحامي.
ألو، أيوة يا متر.
صباح الخير يا سارة هانم. الورق كله جاهز، والمستندات اتراجعت كلمة كلمة. البلاغ هيتقدم للنيابة العامة وقطاع الأموال العامة الساعة ١٢ الظهر بالظبط.
تمام يا سامح. وأشرف الداخلي تعرف هو فين دلوقتي؟
البيه الكبير في اجتماعه الأسبوعي في الفندق الشهير في التجمع، معاه شركائه الأجانب، وداليا بنته قاعدة معاه بتفشر قدام الناس كالعادة وبتقول إنها خلصت من العيلة البيئة اللي كانت متجوزة منهم.
ابتسمت من تحت النظارة.
حلو أوي. خلي البلاغ يتنفذ في ميعاده. وأنا هروح بنفسي أحضر المشهد الأخير.
قفلت مع سامح، وحطيت الفايل الأسود في شنطتي.
في الكام أسبوع اللي فاتوا، أنا ما قعدتش ساكتة. الفلوس ال٨٥٠ ألف جنيه اللي رجعتلي من بابا، استثمرتها صح. نقلت ملكية نص الفيلا باسمي بشكل رسمي وقانوني، وبابا وماما نقلوا النص التاني ليا ببيع وشرا بعقود مسجلة، عشان يضمنوا إن كريم ما يقربش منها تاني أبداً. بابا حالته الصحية تحسنت شوية لما حس إن الحق رجع لأصحابه، وماما... ماما بقت تقعد في الصالة وتبص لكرسي السفرة الرئيسي وتعيط، ندمانة على كل لحظة ظلمتني فيها عشان خاطره.
أما كريم... فبقى عايش في شقة إيجار مفروش معفنة في فيصل. بيشتغل شفتات طوال في شركة مقاولات صغيرة عشان يقدر يسدد شيكات البورصة اللي سابها وراه، وداليا رمته زي الكلب بعد ما مصت دمه.
بس أنا ما كانش ينفع أسيب داليا تخرج من اللعبة دي كسبانة. اللي تحط شنطتها على الكرسي في بيت أبويا وتتريق عليا وتخليني أتاكل في البلكونة، لازم تفهم إن الكراسي دي مش لأي حد، وإن اللي بيلعب معايا بيموت في الآخر.
سقت عربيتي وطلعت على التجمع الخامس.
وصلت الفندق، ودخلت مطعم الفندق الراقي اللي كان محجوز نص نص للضيوف ال. من بعيد، شفت التربيزة الكبيرة.
أشرف الداخلي، راجل بكرش، شعره أبيض، لابس بدلة ثمنها ألفين دولار،
متابعة القراءة