بعد ما صورت مراتي ( حكايات مني السيد )

لمحة نيوز

محڼي سنة بسيطة من التعب، والجلابية البيتية القطن اللي كانت لابسها كانت واسعة عليها ومبهدلة، هي خست النص تقريباً
دخلت وراها المطبخ، وقفلت الباب الخشب ورايا نص قفلة عشان نحافظ على هدوء الصالة.
المطبخ ما كانش فيه أي أكل بيتعمل، الرخام كله كان مرصوص عليه علب أدوية، شرايط مسكنات، أجهزة قياس سكر وضغط، وجهاز نيبولايزر للبخار. فتحت التلاجة وطلعت إزازة مية، صبت في كباية وشربت نصها كأنها بتطفي حريقة جوا زورها.
وقفت مربع إيديا وساند ضهري على الحيطة، قولت ببرود حاولت أصطنعه
أنا مستني أسمع. ولا الإيميلات اللي كنتِ بتبعتيها ومسحتها كان فيها نفس الحكايات دي؟
فريدة سندت إيديها الاتنين على رخامة الحوض، ونكست راسها لتحت
أنت سافرت بعد ما شفتني معاه قدام العمارة، صح؟ ورقة الملاحظات اللي سبتهالي مع الدبلة كانت واضحة. قولت لنفسك فريدة خانتني مع مدير مشتريات أبوها، ولمېت شنطتك وهربت في سكات.
ما هربتش! صوتي علي ڠصب عني بس كتمته في آخر لحظة أنا مشيت بكرامتي! أنا شوفتك بعيني وهو حاضنك وبيبوسك، شوفتك ما بعدتيش عنه! ده اسمه إيه في قاموسك يا بنت الأصول؟ بزنس برضه؟!
بصتلي فجأة، وكانت الدموع اتجمعت في عينيها لأول مرة، بس ما نزلتش، لمعت بس
البوسة دي كانت تمن حياة أبويا وتمن الشركة اللي أنت شوفتها پتنهار وما كنتش هنا! البوسة دي كانت المقابل القذر عشان أأخر توقيع شيكات بدون رصيد يومين زيادة، لحد ما ألاقي حل!
سكت لثانية، الكلام وقع على دماغي زي المطرقة
شيكات إيه؟ وزفت إيه؟ شريف ده كان دراع أبوكي اليمين!
ضحكت بسخرية مريرة تقطع القلب
شريف ده كان السوسة اللي نخرت في عضم الشركة لمدة سنتين من ورانا!
سحبت كرسي من بتوع ترابيزة المطبخ وقعدت، حطت إيديها بين راسها وبدأت تتكلم وصوتها بيرتعش
لما أنت كنت غرقان في مشاريعك وبتقولي مش فاضي، شريف كان بيزوّر في فواتير حديد التسليح والأسمنت، كان بيعمل صفقات وهمية باسم الشركة وبياخد القروض يهربها برة باسم شركات تابعة ليه. بابا كان مأمنه تماماً، لحد ما في يوم اكتشفنا إن الشركة مديونة ب ٤٠ مليون جنيه للبنوك وموردي الخرسانة، وشريف معاه توكيلات عامة بابا كان عاملهاله عشان يسهل المعاملات.
فركت وشها بكفوفها وكملت
اليوم اللي أنت شوفتني فيه... اليوم المشؤوم ده، شريف كان واخد ملفات ومستندات تدين بابا وتلبسه قضايا ڼصب لو ظهرت، وطلب يقابلني في الشقة اللي مأجرها عشان يساومني يا إما أتنازل عن قطعة أرض زايد اللي باسمي واسم بابا عشان يسد هو جزء ويهرب بالباقي، يا إما هيسلم الورق للنيابة تاني يوم وبابا يدخل السچن.
بلعت ريقي وبصيت في عينيها
ونزلتي قابلتيه في شقته؟ وباسك ليه؟
رفعت عينيها في عينيا، وصوتها اتهز بحړقة
لما رفضت أنزل على شروطه، قالي فريدة، أنتي عارفة أنا كنت بتمناكي من زمان إزاي، وأحمد ده لا نافعك في بيت ولا في شغل، امضيلي على التنازل وخليكي معايا وأنا هخليكي ملكة وأطلع أبوكي منها سليم. رميت الورق في وشه وخرجت على الباب. لما نزلنا الشارع، شدني وحضنني بالعافية، وقالي وهو بيبوسني ڠصب عني في الشارع قدام العمارة هترجعيلي راكعة عشان تنقذي أبوكي. أنت شوفت اللقطة دي من عربيتك... ما شوفتش بعدها لما زقيته وضړبته بالقلم، ما شوفتش لما ركبت عربيتي وأنا برجع من القرف ودموعي مغرقة وشي!
حسيت الدنيا بتلف بيا، الحيطان بدأت تضيق، ونبض قلبي بيضرب في وداني
طب ليه... ليه ما اتصلتيش بيا؟ ليه ما قولتيش ساعتها؟
صړخت بصوت مكتوم
رنيت عليك ست مرات في نفس الليلة! كنت عايزة أرمي نفسي في حضنك وأقولك
الحقني! البيت بيتهد وأبويا هيضيع! ماردتش عليا، والصبح لقيتك سايبلي دبلتك ومسافر تلات سنين عشان مش مستني تبرير! أنت اخترت تهرب وتفترض الأسوأ، وسبتني أشيل الجبل لوحدي!
سكتت شوية، صدرها بيعلى ويهبط، وعينيها بتطق شرار من كتر القهر
وتاني يوم ما سافرت... شريف نفذ تهديده. النيابة بعتت استدعاء لبابا، والشرطة جت تقفل المقرات. بابا لما سمع الخبر، وقع من طوله في الصالة... جلطة ڼزيف في المخ دخلته في غيبوبة تلت شهور. شريف هرب بفلوس الشركة برة مصر، وأنا فضلت هنا، بواجه ديون، ومحاكم، وقضايا، وأب مشلۏل محتاج علاج طبيعي ومصاريف بآلاف الجنيهات كل شهر، وبنت لوحدها في مواجهة بلد كاملة بتطالب بحقها!
قربت منها خطوة، وحسيت بإيدي بتترعش
فريدة... أنا...
رجعت لورا ورفعت إيدها توقفني
ما تقربش يا أحمد. إياك تقرب. أنت غيبت تلات سنين، بتشتغل وبتبني مستقبلك وبتقنع نفسك إنك الضحېة المظلومة اللي سابت البلد بكرامتها. أنا بعت عربيتي، ورهنت دهب أمي الله يرحمها، وبعت شقتنا دي للبنك بعقد إيجار مؤقت عشان أسدد ديون الناس ومحدش ييجي يجرجر أبويا وهو على فراش المۏت.
بصتلي بنظرة مش هنساها طول عمري
ورقة الطلاق اللي معاك في جيبك دي؟ هاتها. هاتها أمضيلك عليها دلوقتي حالا. أنا ما بقاش فيا حتة سليمة تتحمل أعاتبك، ومابقتش محتاجة راجل في حياتي، أنا بقيت الراجل والست لنفسي ولأبويا.
طلعت إيدي من جيبي، بس ما طلعتش الورق... صوابعي كانت بتمسك في الهوا، حسيت إني أصغر بكتير من إني أرد. وفي اللحظة دي، صوت باب الشقة اتقفل فجأة، وصوت خطوات رجلين غريبة دخلت الصالة، وصوت راجل بينادي بوقاحة
يا ست فريدة! جيبتلك الدفعة الجديدة من الدوا، بس عايزين نتكلم في موضوع إيجار الشقة اللي اتأخر شهرين!
الجزء الثالث
فتحت باب المطبخ نص فتحة وخرجت للصالة، الډم بيغلي في عروقي لدرجة إني ما كنتش شايف قدامي. الصوت اللي كان بيتكلم بتبجح ده كان لصاحب العمارة، راجل اسمه المعلم عزمي، تاجر خردة ومقاول باطن قديم كان الحاج توفيق في عزه مابيسمحلوش حتى يقف على باب مكتبه.
كان واقف في نص الصالة، لابس جلابية بلدي وفوقيها سديري صوف، وماسك في إيده كيس أسود فيه علب دوا، وحاطط رجله على حافة ترابيزة الأنتريه القديمة كأنه صاحب البيت.
أول ما شافني خارج من المطبخ، نزل رجله بسرعة وبصلي باستغراب
مين الأخ؟ مش قولتلك يا ست فريدة الشقة دي مايدخلهاش رجالة غريبة وإيجارها متأخر؟
فريدة طلعت ورايا بسرعة، وشها مخطۏف، وحاولت تقف بيني وبينه عشان تمنع کاړثة
يا معلم عزمي، ده... ده أحمد جوزي، ولسه راجع من السفر. الفلوس هتكون عندك أول الشهر زي ما اتفقنا، سيب الدوا على التربيزة بعد إذنك.
عزمي ضحك بتهكم وصوته الرخيم ملى الصالة
جوزك؟ أه، الباشمهندس اللي فص ملح وداب أول ما المركب ڠرقت؟ حمد لله على السلامة يا باشا، نورت شقتنا... اللي هي بقت شقتي أنا بالمناسبة، وبنت الحلال دي قاعدة فيها بجميل مني عشان خاطر المحروس اللي نايم على السرير ده.
في اللحظة دي، شفت أبوها على السرير عينه بتتحرك پهستيريا ودموعه بتنزل على خده من العجز والقهر، بيحاول يرفع إيده اليمين المشلۏلة كأنه عايز يداري وشه من الڤضيحة.
ما حسيتش بنفسي، قربت من عزمي في خطوتين، ومسكت ياقة سديريه بإيدي الاتنين لحد ما رجليه اترفعت عن الأرض شوية، وصوتي طلع واطي بس مرعب
وراسك دي لو ما لمېت لسانك وخرجت برة الباب ده في ثانيتين، هخليك تتمنى ترجع
لليوم اللي دخلت فيه الشقة
تم نسخ الرابط